كنوز الخوف .. بقلم رائد سليم
إن الحديد والنار وشلالات الدماء وميادين الأشلاء واقتحام ومداهمة أجهزة الأمن للبيوت وللمصانع وللمدارس ولكل المصالح الحكومية وكل المشاريع الخاصة بأصحابها واستحلالهم لكل الحرمات وكل المقدسات ودهسهم لكل القيم جهرة وعلانية قد غرس بذور الخوف القميئة في كل النفوس ولم تنج منه نفس إلا من رحم ربي.
خوف مرضي بالفعل بدَّل في نظري أشكال الرجال وملامحهم وإن أردت الإنصاف فأقول مسختهم وكأننا نعيش في مجتمع يدين بالخوف لينال النجاة.
حتى إن الخوف جعل الناس تفرط في كنوزها التي عاشت طوال عمرها تجمعها وسأقص عليكم ما حدث معي.
لي جارة مسنة وأعلم أنها علي خير فقد عاشت بيننا وهي تتقلد كل الأخلاق وكل القيم وأري فيها وفي أبنائها كل ما يتمناه الرجل المسلم في بيته ، لكنها بلا توجه سياسي معلوم ولا يُخشي عليها بطش المجرمين لأنها ليست في الميدان ، ولا يُعلم عنها أي شيء يخالف دين المجرمين ولا يُنتظر أن يداهمها أحد لا بالليل ولا بالنهار ، وأبنائها لا صوت لهم غير في مشاريعهم البسيطة التي يتعيشون منها ولا توجه لهم يُخشي عليهم منه.
في أحد المرات التي جمعتني بها حدثتني وهي تكاد تتلاشي من الخوف وقالت لي نصا ، أريد أن أرسل لأحد المساجد ببعض الكتب ولكنني أخاف ألا يقبلوها ، لماذا لا يقبلوها يا أستاذة رجاء قالت يعني لأنها غير مرضي عنها وأخاف أن أظل محتفظة بها يداهموا بيتي ويضبطوها ويعتقلوني أنا وأبنائي ، فقولت في نفسي ربما تكون مخاوفها هذه مشروعة لو أخبرتني عن هذه الكتب ، وبالفعل أخبرتني ووجدت أنها محقة فما لديها ثمين وسمين وكنز بالفعل ، فقولت لها أنت يا أمي الحبيبة بعيدة كل البعد عن أن تكوني في دائرة الاشتباه والبحث والتفتيش والاعتقال ، حتى سنك لا يسمح لهم إن أرادوا فعل ذلك ، فابتسمت وقالت ليس هناك أحد بعيد عن ذلك حتى هم معرضون إذا ما ساورهم الشك في أحد منهم فسوف ينكلون به ، لا أحد بعيد عن بطشهم مهما ظن أنه بعيد.
فكرت في حديثي معها ودارت رأسي ، فعرضت عليها أن أحتفظ بتلك الكنوز لدي حتى يأمن الخائف ويُقتص للشهيد وينعم المعتقلون بالحرية ، ففرحت فرحا شديدا ، وبالفعل استقرت كنوزها عندي وقالت هي لك حتي وان استقرت الامور.. وكأنها قد تخلصت من جثمان قتيل لا تعرف عنه شيئا وكانت تظن أنها ستقتل قصاصا له..
إلي متى هذا الخوف والذي يجعل الناس تفرط في كنوزها بل أثمن كنوزها.
المصدر
- مقال: كنوز الخوف .. بقلم رائد سليم موقع الشرقية أون لاين