كيف أنقذ الإخوان قطاع غزة عام 1948م؟
ولماذا يشكل قطاع غزة مشكلة لاسرائيل؟
أحكم المخطط من قبل الدول الغربية المتعاطفة مع الكيانات اليهودية التي نجت من الهلوكوست الألماني ولتخليص بلادهم أيضا من شرور اليهود حيث أدركت الدول الغربية خطرهم على استقرار وأمن البلاد فجاء وعد بلفور في 2 نوفمبر 2017م حيث لم يقتصر على كونه وعدا عبر تصريحات بل حوله الغرب إلى تنفيذ عملي بالسماح للصهاينة بالهجرة إلى فلسطين تحت الحماية البريطانية التي نكلت بالشعب الفلسطيني الأعزل الفقير وعاونت هذه هالعصابات على إقامة المذابح ضد السكان الأصليين حتى تفرغ الأرض لهم، حيث نجحوا في ذلك وهجروا سكان المناطق التي سيطروا عليها إلى الضفة الغربية وقطاع غزة كل ذلك والحكام العرب والمسلمين في سبات عميق لا يستطيعون فعل شيء أو أخذ قرار حيث كانت السيوف الغربية على رقابهم للمحافظة على عروشهم.
حتى أن حرب فلسطين عام 1948م لم تكن تروق للحكام أو الحكومات العربية لأنها قضية لا تعنيهم في شيء كما صرح من قبل محمد محمود (رئيس وزراء مصر) حينما صرح لصحفي بجريدة الـDaily Mail وقال:(أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين).
حتي أن النقراشي باشا حاول مرارا منع الفدائين والمجاهدين من السفر لفلسطين أو الزج بالجيش المصري في أتون حرب مع العصابات الصهيونية وكان سببا في نكسات للجيش ولفلسطين بسبب قبوله الهدنة أكثر من مرة حيث استطاع الصهاينة تسليح أنفسهم جيدا حتى أنهم حاصروا بقايا الجيش المصري في الفلوجة.
وأفرزت حرب 1948 كارثة الشتات الفلسطيني، ففي الداخل فقط نزح مئات الآلاف للضفة وغزة، فالقطاع الذي كان سكانه 80 ألفًا نزح إليه 200 ألف مثلوا 69% من سكانه.
وبعدها حاول الفلسطينيون تنظيم أنفسهم فأنشأوا حكومة عموم فلسطين في الضفة والقطاع برئاسة الحاج أمين الحسيني، لكن الأردن رفض الاعتراف بها وأعلن ضم الضفة الغربية وطردها منها، ورفضت مصر الاعتراف بها ونقلت الحاج أمين الحسيني إلى القاهرة[١].
الإخوان في حرب فلسطين وإنقاذ غزة
دفع الإمام البنا بكتيبتين من الإخوان للحرب في فلسطين وكان يجهز غيرهم لولا تدخل النقراشي بحل الجماعة والأمر باعتقال جميع الفدائين من الإخوان في سجن الطور.
كان للإخوان دور كبير في صد العصابات الصهيونية والتنكيل بهم حتى عبر عن ذلك موشى ديان حينما أعرب عن خوفه وقلقه على قواته من مجاهدي الإخوان المسلمين.
غير أن المعركة لم تسر على خير بسبب قرارات الحكومات وقبولهم الهدنة مع الصهاينة أكثر من مرة.
ولقد عمدت إسرائيل بالحيلة والخداع إلى ضم حوالى 200 كيلومتر مربع، أو أكثر من نصف مساحة القطاع الحالي. وأن المساحة الحقيقية لقطاع غزة بحسب اتفاقية الهدنة هي 555 كيلومتراً مربعاً، وليست 362 كيلومتراً مربعاً، كان ذلك بسبب تقاعس الحكومات العربية وتشتت الجيوش وضعفها التي واجهت العصابات الصهيونية ومن خلفها بريطانيا والغرب الذي أمدها بأحدث أنواع الأسلحة.
لكن السؤال: كيف أنقذ الإخوان غزة في هذا الوقت؟
كانت العصابات الصهيونية تعمل جاهدة على تفريغ فلسطين من سكانها والاستحواز على أكبر مساحات سواء بقتل الفلسطينيين أو تهجيرهم أو خداعهم أو شراء بعض الأراضي من ضعاف النفوس.
حتى كان الصدام مع متطوعي جماعة الإخوان المسلمين الذين رأى فيهم الصهاينة بأس شديد فخافوا منهم وحرضوا عليهم حكامهم خاصة حكومة مصر بقيادة النقراشي واستنجدوا بالدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا التي ضغطت على حكومة النقراشي باشا.
إلا أن القصة لم تنته في منتصف أيار (مايو) 1948، تقدمت القوات المصرية مثل بقية القوات العربية، لإنقاذ ما تبقى من فلسطين، بعدما طرد الإسرائيليون نصف السكان وهم تحت حماية الانتداب البريطاني، واقترفوا المذابح مثل دير ياسين، واحتلوا أهم المدن الفلسطينية الساحلية. وكانت المساحة التى سيطر عليها الجيش المصري أكثر من مساحة نصف فلسطين، أي حوالى 14000 كيلومتر مربع. وصلت القوات المصرية إلى إسدود والفالوجة والخليل وبيت لحم، وكانت المنطقة الجنوبية عربية خالصة عدا بعض المستعمرات القليلة.
وفي منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 1948 وجهت إسرائيل قواتها إلى الجنوب لاحتلاله في مواجهة الجيش المصري، بعدما احتلت مساحات واسعة في وسط فلسطين وشمالها. وفي معركة حاسمة في تلة الخيش الواقعة على تقاطع طرق هام غرب موقع شرطة عراق سويدان، تمكنت القوات الإسرائيلية من اختراق دفاعات الجيش المصري في منتصف تشرين الأول 1948 وتدفقت نحو الجنوب، واحتلت مدينة بئر السبع الإستراتيجية، ثم اتجهت غرباً، ونسفت جسر بيت حانون في محاولة لقطع إمدادات الجيش المصري. فانسحب الجيش المصري بقيادة اللواء المواوي على طول السهل الساحلي من إسدود إلى غزة. وطوّقت إسرائيل جيب الفالوجة المشهور الذي صمد فيه القائد الشجاع السيد طه ومساعده جمال عبدالناصر. وبعدما احتلت إسرائيل بئر السبع، احتلت العوجا ودخلت سيناء متجهة إلى العريش، لقطع خط انسحاب الجيش المصري، إلا أنها تراجعت بضغط بريطاني، فعادت إلى محاصرة ما تبقى من الساحل الفلسطيني في غزة.
أقيل اللواء المواوي وحلّ محله اللواء محمد فؤاد صادق باشا، الذي أمرته الحكومة المصرية بإكمال الانسحاب من فلسطين. لكنه رفض قائلاً: «إزاي أنسحب وأسيب ربع مليون من إخواتي كالفراخ يذبحهم اليهود وينتهكون أعراضهم؟ أتريدني أن آخذهم معي إلى العريش؟ أم أدافع عن رفح؟ كلا لن أنسحب مهما كانت النتيجة؟».
حاولت إسرائيل مرة أخرى مهاجمة الساحل، وشطر قطاع غزة إلى شطرين في موقعة مشهورة تسمى «تبة 86» أو تبة الشيخ حمودة. وصمد اللواء صادق باشا بشجاعة، بل إنه أخرج متطوعي الإخوان المسلمين من معتقل رفح، حيث اعتقلتهم حكومة إبراهيم عبدالهادي، وشاركوا في المعركة، ثم أعيدوا إلى المعتقل بعد المعركة. هُزم الجيش الإسرائيلي هزيمة منكرة، وقتل قائده الروسي، وبذلك تم إنقاذ ما يسمى الآن قطاع غزة، الذي يتكدس فيه أهالي 247 مدينة وقرية في جنوب فلسطين، وهم الذين طردتهم إسرائيل، واحتلت أراضيهم بعد انسحاب الجيش المصري.
بعد هذه الهزيمة الإسرائيلية، بدأت إسرائيل حملة انتقامية وشنت غارات جوية لإبادة أكبر عدد ممكن من اللاجئين الذين يحاولون العودة إلى ديارهم.
كان غرض هذه الأفعال الوحشية ترويع الأهالي وردعهم عن محاولة العودة إلى ديارهم وإثبات أن الجيش المصري عاجز عن حمايتهم ودفعه إلى توقيع اتفاقية الهدنة وهو ما حدث في الشهر التالي.
بعدما حوصر الجيش المصري في الفالوجا عقد معاهدة رودس باليونان في 24 فبراير 1949م والتي أعطت مساحات لليهود أكبر مما نص عليه قرار التقسيم رقم(181) الصادر عن الأمم المتحدة. كان هذا مكسباً هائلاً لإسرائيل في معارك محدودة بأقل الخسائر البشرية لها وأكبر الخسائر في الأرض والبشر للفلسطينيين[٢]
وكانت الجريمة المستخفية حيث لم تكن لدى الضباط المصريين المفاوضين في رودس معلومات كافية عن الأرض وأهلها. وكان اهتمامهم الأول إنقاذ القوات المصرية المحاصرة في الفالوجة، ولذلك تمت الموافقة على خط الهدنة الذي اقترحته إسرائيل كطرف منتصر، خصوصاً أن تعليمات الحكومة المصرية كانت الانسحاب الكامل من فلسطين، واعتبار أن «كل أرض غير مصرية هي أرض إسرائيلية» كما جاء على لسان أحد المفاوضين المصريين[٣].
تم الاتفاق مع ضباط الهدنة المصريين برئاسة محمود رياض على تقليص مساحة قطاع غزة، وذلك بتحريك خط الهدنة بحيث تقتطع مساحة 200 كيلومتر مربع من مساحة القطاع الحالية من أجل السيطرة على المياة الجوفة في منطقة وادي الحسي بشمال غزة[٤].
لماذا يشكل قطاع غزة مشكلة لاسرائيل؟
يعدما طرد الصهاينة الفلسطينيين من أراضيهم ودفعهم إلى الضفة الغربية وغزة، لكن بسط نفوذه على غزة بعد نكسة 1967م إلا أنه لم يتحمل المقاومة التي شكلها أهالي غزة ضده، وزاد الأمر سوءا مع تشكيل حركة حماس والجهاد الإسلامي وحملهم السلاح في مواجهة الجيش الصهيوني.
زاد الضغط على الحكومات الصهيونية بعدما شنت حركة المقاومة الإسلامية هجمات داخل العمق الصهيوني وهو ما لم يتحمله المجتمع الصهيوني.
مثّلت مشكلة وعبئا على إسرائيل فلم تتوقف الفصائل في القطاع عن تنفيذ الهجمات، ولم تَحُلْ أي اتفاقيات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل دون وقوع تلك الهجمات.
يقول الكاتب الصحفي المقيم في لندن، أحمد أصفهاني: "منذ البدايات جربت إسرائيل كافة الوسائل لإخضاع غزة، فلم يؤت الحل العسكري ثماره ولم ينفع الحصار الكامل والتضييق الاقتصادي في تمكين إسرائيل من السيطرة عليها".
ولعل تشكيل حركة حماس في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1987 كان نقطة فاصلة غيرت مسار الأحداث في غزة.
و كانت غزة تملك خصوصية كون معظم القيادات التاريخية سواء في إطار الحركات الوطنية أو حتى الحركات الإسلامية، تشكلت في المدينة.
وقد تناقلت وسائل إعلام حينها أن غزة شكلت هاجسا لدى إسحاق رابين الذي استشعر بأنها حجر عثرة أمام التوصل لأي اتفاق تسوية وأنه قال: "أتمنى أن أستيقظ ذات يوم وأجد أن غزة غرقت في البحر".
يقول الكاتب الصحفي أحمد أصفهاني: "شكلت غزة بالنسبة لإسرائيل تاريخيا معضلة كبيرة جدا، فرغم قدرتها على الاستمرار في احتلالها، إلا أن الثمن والتكلفة باهظان، فالمقاتلون الفلسطينيين يزدادون قوة، والكثافة السكانية هناك لا تبشر بأي مستقبل للاستيطان".
ويقول الكاتب حسن أبو هنية: " بعد توقيع اتفاقية أوسلو تخلت منظمة التحرير الفلسطينية عما يعرف بالكفاح المسلح والمقاومة وأصبحت تصفها بالإرهاب وبالتالي تبنت نهج السلام مع إسرائيل، لكن غزة بقيت مركزا للمقاومة نتيجة وجود زخم كبير لحركات المقاومة وتحديدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي"[٥].
المصادر :
- ↑ محسن صالح: «الإخوان المسلمون الفلسطينيون.. التنظيم الفلسطيني- قطاع غزة 1949-1967»، مؤسسة الزيتونة للدراسات بيروت.
- ↑ كيف قضمت إسرائيل قطاع غزة في اتفاقية سرية؟، أكاديمية دراسات اللاجئين، https://refugeeacademy.org/post/57
- ↑ كامل الشريف: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، مكتبة المنار، 1984م.
- ↑ كيف قضمت إسرائيل قطاع غزة في اتفاقية سرية؟،مرجع سابق
- ↑ ديما عودة: لماذا مثّلت غزة مشكلة دائمة لإسرائيل؟، 10 أكتوبر 2023م.