كيف اهتم حسن البنا بالتكوين الثقافي للدعاة؟
حال رجلٍ في ألف رجل خير من قول ألف رجلٍ في رجل) مقولة منسوبة إلى سيدنا علي بن أبي طالب لتوضح حقيقة ما ينبغي على الدعاة والمصلحين الأخذ به والصورة التي يجب أن يكونوا عليها. فالدعوة بالفعل كالدعوة بالقول، بل تزيد عليها في أثرها وتأثيرها وتفاعل الناس معها ورسوخها في عقول الناس.
وهو المعني الذي عاش به الإمام الشهيد حسن البنا منذ صغره حينما وضع هدفا يستطيع تحقيقه والعمل عليه، حينما قال في مذكراته:( أن أكون مرشداً معلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام. قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة).
وهو ما استطاع أن يحوله واقعا فعليا حتى أنه لم يستطع ترك الكثير من المؤلفات (رغم براعته) لأنه انشغل بتأليف وتكوين الرجال والدعاة.
(أنا لا أؤلف كتبا، وإنما مهمتي أن أؤلف رجالا) كانت هذه مهمة الأستاذ حسن البنا من أجل نشر الفكرة الإسلامية بالقول والفعل بين الناس بصورة عملية. ولذا عمل على تربية الدعاة واعدادهم بل ووضع المنهاج المناسب لكل فئة من هؤلاء الدعاة وطبيعة مواقعهم ومدى تأثيرهم في شريحة المجتمع.
لماذا اهتم البنا بالتربية والمتابعة؟
كل فرد مسلم مسؤول مسؤولية كاملة وتامة عن نفسه أمام الله عز وجل، ومسؤول عن حاله وعمله، وهو ما يجعله وصيا عليها مراقبا لتصرفاتها، مهذبا لسلوكها وفق ما أمر به الشرع الحنيف.
وهو ما أدركه الإمام الشهيد البنا من أهمية التربية الفردية والمتابعة المستمرة لسلوكيات وتصرفات والمتغيرات التي تطرأ على شخصية الأخ الداعية والعمل على علاجها.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (ولا يخفى على دارس أو مراقب أن حركة الإخوان تمثل - في الدرجة الأولى - مدرسة نموذجية ناجحة للتربية الإسلامية الحقة، وأن أهم ما حققته هو تكوين جيل مسلم جديد، يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، ويؤمن به إيمانًا عميقًا، ويعمل به في نفسه وأهله ويجاهد لإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، وتوحيد أمته)[١].
وكان الدافع لعناية الإمام البنا بالتربية هو إدراكه بأهميتها كحل جذري لكل مشاكل الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون، كما أنها تبني الرجال الأقوياء الذين يتحملون المحن، وكونها الغربال الذي ينقي صفوف الجماعة من ذوي النفوس الضعيفة والهمم الوضيعة.
يقول الإمام البنا:( إنها فى مسيس الحاجة إلى بناء النفوس، وتشييد الأخلاق، وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة، حتى يصمدوا لما يقف فى طريقهم من عقبات، ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب)[٢].
ما هو منهج البنا في إعداد الدعاة؟
كان من ضمن خطط الإمام البنا (التي تميزت بها شخصيته) الارتقاء بالأفراد وتثقيف بعض أعضاء جماعة الإخوان تثقيفًا خاصًا، يمكنهم من النهوض بعبء الدعوة، ونشر الخير بين طبقات الأمة، وهو ما وضح جليا في سيرة كثير من أفراد الجماعة حينما انطلقوا إلى المدن والقرى والنجوع ينشرون الفهم الصحيح للإسلام وينفضوا غبار التبعية الذي سيطر على أبناء الأمة بسبب سياسة الاستعمار.
بدأ الإمام البنا رحمة الله تعالى عليه بنفسه أولًا معطيًا بذلك القدوة لعشرات الآلاف من أفراد جماعته والأمة، ثم دعا إليها باقي إخوانه حين وضع ركنًا من أركان البيعة، سماه «ركن العمل» والتي كان من مراتبها التربوية في إعداد الدعاة:
إصلاح نفسه؛ حتى يكون: قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شؤونه، نافعًا لغيره.
تكوين بيت مسلم، بأن يحمل أهله على المحافظة على آداب الإسلام، واحترام فكرته.
إرشاد المجتمع بدعم الهوية الإسلامية والتصدي للمنكرات، وصبغ مظاهر الحياة العامة.
العمل على إصلاح الحكومة وتحرير الأوطان من التبعية الغربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية وغرس معاني الترابط والوحدة في وجدان كل مسلم[٣].
نماذج من أثر التربية
تغير مفهوم العمل الدعوي عند حسن البنا عن غيره من العلماء ودعاة عصره الذين كان يكفيهم الدعوة فوق المنابر وفي الخطب العامة، وهو ما سعى البنا إلى تغيير هذا الفهم من أجل إيجاد نماذج عملية واقعية ملموسة تتجسد بأخلاقها وسط الناس، وهو ما استطاع أن يحققه بخلق جيل من الدعاة المؤثرين بأعمالهم وتصرفاتهم قبل أقوالهم، ومنهم:
الشيخ حامد عسكرية (وهو أحد أربعة نبتت فكرة الإخوان في وجدانهم كما ذكر الإمام البنا تحت عنوان الدعوة في نفوس أربعة) حيث تخرج كواعظ من الأزهر واستلم تعينه بالإسماعيلية وكان ذو همة عالية استفادة الدعوة منه في الإسماعيلية إلا أن المكائد لم تتركه حتى صدر قرار بنقله إلى شبراخيت.
وما إن انتقل حتى أخذ على عاتقه تصحيح مفاهيم الإسلام عند الناس ولم يمر العام حتى استطاع تربية بعض الأفراد وتكوين شعبة جديدة للإخوان.
وحينما صدر قرار بنقله من شبراخيت إلى شبين الكوم حمل على عاتقه نفس المهمة في تربية أجيال قادرة على العمل للإسلام، وظل كذلك حتى توفاه الله عن عمر خمسة وثلاثين عاما[٤].
ولنا في نموذج أخر ضرب أروع الأمثله وهو الشاب أحمد المصري (أحد الستة العمال الذين وضعوا بذرة جماعة الإخوان مع الأستاذ البنا بالإسماعيلية) فما أن عرف أهداف الجماعة وحقيقة الدين الإسلامي وتربى بعض الوقت على يدي الأستاذ البنا، حتى حمل متاعه وعاد إلى بورسعيد، حيث انطلق وسط الناس مربيا ومصححا لمفاهيم الإسلام حتى استطاع أن يربى شبابا كونوا بجهدهم شعبة للإخوان ببورسعيد وما حولها من المدن والقرى[٥].
أهداف المنهج التثقيفي
لم يعتمد البنا على الدعوة العامة والتي استشعر بضعف تأثيرها على الناس (وإن كان لم يهملها) لكنه اهتم بالدعوة الخاصة والتربية الفردية لما لها من أثر نفسي ووجداني وعاطفي بين المربي وتلاميذه. ولذا وضع بعض أهداف المنهج التثقيفي تتمثل في:
1- إعداد دعاة الإخوان إعدادًا يؤهلهم لأن يكونوا دعاة منتجين يحملون عبء دعوة الإسلام وفكر الإخوان المسلمين.
2- توجيه الإخوان ثقافيًا، وإكمال النقص العلمى، وتقوية المواهب والاستعدادات الفطرية فى نواحى الإنتاج المختلفة اللازمة للنهوض بالدعوة، والوصول بها إلى النصر المؤزر من أقرب طريق[٦].
كيف واجه البنا ضعف الحصيلة الثقافية للدعاة؟
لاحظ الإمام البنا ضعف الثقافة فى عموم الإخوان، كما لاحظ ضعف ثقافة الكثير من دعاة الإخوان؛ فاتخذ بعض الخطوات لرفع المستوى الثقافى والعلمى للإخوان. وكانت تلك الخطوات متدرجة ومتنوعة وتمثلت في:
- الدروس المتخصصة: حيث كان الإمام البنا درسا أسبوعيا عرف باسم حديث الثلاثاء بالمركز العام حيث اجتمع عليه نفر كثير.
ولما أراد رفع مستوى الإخوان الثقافى والروحى قرر إقامة درسين جديدين يومى الأحد والأربعاء، كان يشرح فى الأول "صحيح البخارى"، وفى الآخر كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالى. هذا غير اهتمامه الخاص بطلاب الجامعة المصرية والأزهرية، والمعاهد.
- دورات تكوين الدعاة: دورات تدريبية أعدها الإمام البنا بغرض تدريب الدعاة والإخوان على الوعظ والإرشاد علميًا وعمليًا، وقد سبقها بإعداد منهج متكامل لتأهيل هؤلاء الدعاة وعرضه على عدد من العلماء لتقويمه.
- التدريب العملي: فلم يتوقف تدريب الإمام البنا إخوانه والدعاة على المحاضرات أو الدورات النظرية، لكنه دفع بكل من التحق بالبرنامج إلى دور الإخوان ومساجدهم المختلفة ليخطبوا فيها ويمارسوا نشاطهم الدعوي، بل أسند للمتميزين منهم مهام دعوية في شعب الإخوان في القطر المصري[٧].
خطورة غياب الحصيلة الثقافية عند الدعاة
الجهل من الآفات الخطيرة التي قد تواجه المجتمعات، والتي تتسبب في أضرار هائلة على الصعيد الفردي، والمجتمعي، وهو المعني الذي سطره الشهيد سيد قطب ليعبر فيها عن خطورة غياب العلم والتحصيل الثقافي لدى الدعاة حيث يقول: (المرة تِلوَ المرةِ، ينتاب بعض أفراد الجماعة نزوات، وفى كل مرة، يسقط أصحابُ هذهِ النزواتِ، كَما تسقطُ الورقةُ الجافةُ من الشجرة الضخمة، أو تذهب عنهم تلك النزواتُ، وقد يمسك الأعداء بفرع من فروع هذه الشجرةِ ويحسبون أنه بِاجتَذَابِه سيقتلعون الشجرة، فإذا جذبوا ذلك الفرع إليهم، خَرجَ في أيديهم جافاً يابساً، كالحَطَبَةِ الجافة لا ماء فيها ولا ورق ولا ثمار)[٨].
ويحدد أحمد العميرة بعض المخاطر المترتبة على غياب الثقافة لدىى الدعاة ومنها:
قراءة الواقع قراءة سلبية تؤدي بالداعية للإحباط واليأس، فيترك طريق الدعوة.
تكالب الأمراض القلبية على الداعية بسبب جهله بها وبحقيقتها.
استعجال الثمرة واعتقاد قربها، وضعف اليقين بنصر الله لعباده المؤمنين.
عدم التنظيم للعمل الدعوي، وقلة التخطيط السليم، وضعف شخصية الداعية.
غياب فقه المصالح والمفاسد، والإغراق في الجدل العقيم مع أصحاب الأهواء[٩].
نماذج من المقرارات الدراسية
حث الإمام البنا الدعاة على القراءة بحيث يعتمد فيها كل داعية على مطالعاته فى المراجع التى تحددها لجنة المنهاج العلمية والتي اهتمت بجميع صنوف المعرفة ومنها:
علوم القرآن الكريم: بحيث يجب على الداعية إيجادة التلاوة والحفظ، والإلمام بتاريخ القرآن والمصحف، من خلال كتب مثل المختار من الآيات والأحاديث، وجواهر القرآن للغزالى وغيرها.
علوم السنة النبوية والحديث: بحفظ أربعين حديثًا صحيحًا، وحفظ أربعين حديثًا موضوعًا، والإلمام بتطورات علم السنة.
علم العقيدة: بدراسة تاريخ تطور العقائد والمذاهب وفلسفتها. وملخص للعقائد والمذاهب المختلفة. بل وضع دراسة إنجيل برنابا من ضمن مقرر الدراسة ليتعرف الداعية على ما يثيره المبشرين.
هذا غير علوم الفقه، والتاريخ والفلسفة وعلم النفس، وعلم الاجتماع حتى كان من التكاليف العملية كتابة تقرير عن الحالة الاجتماعية للريف المصرى من واقع قرية أو بندر مع ذكر وسائل النهوض به. وغيرها من العلوم الأخرى[١٠].
ثمار المنهاج خلال تسعين عاما
كان للتربية التي حرص الإمام البنا على غرسها في نفوس إخوانه ثمارا عظيمة في ثبات الحركة وحيوتها حتى هذه اللحظات رغم ما اعتراها من فتن وما تعرضت له من محن شديدة وحرب ضروس من قبل الأنظمة الحاكمة، حتى قتل في سبيلها الآلاف، وصودرت الأموال، وشوه المنهج، وحوربت الفكرة، ومع ذلك ظل منهج وفكر الإخوان القائم على كتاب الله وسنة نبيه حيويا ومتجددا.
لقد كان لأدبيات الإمام الشهيد حسن البنا دوراً كبيراً في التجديد وتشكيل ثقافة ووعي أجيال متواترة من المسلمين، فضلاً عن تصحيح العديد من المفاهيم المختلطة التي تجذّرت في مجتمعاتنا ، وتوعية المسلمين بأمور دينهم، إذ هيمنت الأساطير والخرافات على نمط حياة كثير من المسلمين ، وخنعت الشعوب للاستعمار والاحتلال وأنظمة الحكم المستبدة[١١].
وقد ذكر معهد كارنيجي في دراسة له طرف من حيوية التجدد والاستمرارية عند جماعة الإخوان المسلمين، وكأثر للتربية والتنوع الثقافي الذي يتحلى به أفرادها حيث جاء في التقرير: (دعوة الإخوان، أنتجت أعضاء مخلصين وذوي كفاءة، مكنت الجسم الأساسي في التنظيم أن يواصل العمل لفترة طويلة من دون تعليمات يومية وتوجيهات إدارية أو أوامر استراتيجية، مشيرا- إلى أن الضامن الرئيس لبقاء الجماعة المديد، هم الأعضاء المُلتزمون القادرون على مواصلة العمل في أحلك الظروف وأصعبها)[١٢].
المصادر
- ↑ يوسف القرضاوي: التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، مكتبة وهبة، طـ3، 1992.
- ↑ مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة هل نحن قوم عمليون، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2008، صـ100.
- ↑ مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة التعاليم، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2008، صـ305- 306
- ↑ عبده دسوقي: عمالقة في زمن النسيان، الجزء الأول، منارات للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2010، صـ26.
- ↑ أحمد المصري أحد الستة المؤسسين لدعوة الإخوان المسلمين: https://www.google.com/search?q=ttps%3A%2F%2Fwww.ikhwanwiki.com%2Findex.php%3Ftitle%3D%25D8%25A3%25D8%25AD%25D9%2585%25D8%25AF_%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25B5%25D8%25B1%25D9%258A&rlz=1C9BKJA_enTR1015TR1015&oq=ttps%3A%2F%2Fwww.ikhwanwiki.com%2Findex.php%3Ftitle%3D%25D8%25A3%25D8%25AD%25D9%2585%25D8%25AF_%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25B5%25D8%25B1%25D9%258A&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUyBggAEEUYOTIGCAEQRRg60gEHOTE2ajBqN6gCCrACAeIDBBgBIF8&hl=en-US&sourceid=chrome-mobile&ie=UTF-8h
- ↑ جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، الكتاب الرابع، دار النشر والتوزيع الإسلامية، 2006، صـ162.
- ↑ مجلة النذير: السنة الثانية – العدد 12 – 18ربيع الأول 1358هـ / 9مايو 1939م– صـ7، 9.
- ↑ مصطفى مشهور: وحدة العمل الاسلامي في القطر الواحد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1991، صـ21.
- ↑ أحمد العميرة: من أسباب تساقط الشباب، مجلة البيان، العدد 147، ذو القعدة 1420هـ، صـ38
- ↑ مجلة التعارف: السنة الخامسة – العدد 6 - 14صفر 1359هـ / 23مارس 1940م– صـ9 : 11.
- ↑ البنا .. دعوةٌ بدأت تؤتي ثمارها ( 2-2 )، 28 أكتوبر 2011، https://basaer-online.com/2011/10/2-2-12
- ↑ باربرا زولنر: البقاء على رغم القمع: كيف استطاعت جماعة الإخوان المسلمين المصرية الصمود والاستمرار؟: 18 مارس 2019، https://carnegieendowment.org/research/2019/03/surviving-repression-how-egypts-muslim-brotherhood-has-carried-on?lang=ar¢er=middle-east