كيف تبدو "جبهة العمل الإسلامي" بعد عام على تأسيسها؟
بقلم : فادي شامية
الساحة الإسلامية السنية بعد عام على وجود "جبهة العمل الإسلامي" فيها تبدو أكثر احتقاناً. وجود "الجبهة" زاد من "نقزة" السنة، والإسلاميين منهم على وجه الخصوص، من وجود مشروع يريد أن يستلحقهم به، تحت عنوان "مواجهة المشروع الأميركي وأدواته في لبنان"، على اعتبار أن كل من يجاهر بمخالفة الطروحات السياسية لـ"حزب الله"، يكون مع "المشروع الأميركي في لبنان والمنطقة"، في عرف هذا "الحزب" وملحقاته، أما من "يمشي" في مشروع "الحزب"، فيصبح طاهراً نظيفاً بغض النظر عن تاريخه!.
خلال عدوان تموز، وفي الأسبوع الأول من شهر آب 2006 جرى الإعلان عن "جبهة العمل الإسلامي". الدكتور فتحي يكن الذي حاول رسم صورة جميلة لـ"جبهته" - ولو أنه استحضر أقوالاً لأيمن الظواهري لم تكن موفقة- أعلن أن من فندق السفير في بيروت أن الجبهة "إطار يضم شخصيات وجمعيات وليست تنظيماً جديداً"، وأنه أمينها العام، وأن الشيخ عبد الناصر جبري، شديد الارتباط بالمخابرات السورية، نائباً له، وأن من بين أهدافها: "المحافظة على وحدة لبنان، من أن يكون مقراً أو ممراً للمشاريع المعادية"، و "مواجهة كافة محاولات الفرز والتقسيم المذهبي والطائفي ورفض الانزلاق إلى صراعات داخلية"، و"رفض كافة أشكال التدخلات الأجنبية"، و"مطالبة المسؤولين وكافة المرجعيات السياسية والروحية اللبنانية العمل على تجنيب البلاد التشنجات السياسية والطائفية"، وقد استند على هذه الأهداف "حسَنو النية"، ممن تمنوا للـ"جبهة" وأمينها العام، كل التوفيق.
مظاهر وحدوية وبواطن سياسية
تروّج "جبهة العمل الإسلامي" لدورها في مجال "إخماد الفتن المذهبية والطائفية"، بدليل أن الداعية فتحي يكن خطب وصلى الجمعة إماماً بالسنة والشيعة وسط بيروت، هذا صحيح، لكن الصحيح أكثر أنه أمّ "المعتصمين" -وليس غيرهم- في وسط بيروت، أي أنه وظّف هذه "الوحدة" في خدمة مشروع "حزب الله" الهادف إلى إسقاط حكومة السنيورة، كي يبدو أن المسلمين، سنة وشيعة، متوحدون في مواجهة "حكومة السفير فيلتمان"، كما أسماها الحزب. والصحيح أيضاً، أن واحدة أو أكثر من الجمعيات المنضوية في إطار "الجبهة" كانت تحث عدداً من المشايخ السنة على الصلاة وسط بيروت، مقابل حفنة من الدولارات، وأن عدداً ممن جرى الاتصال بهم رفض الأمر، وأبلغوا دوائر الفتوى في مناطقهم عما جرى معهم. والأكيد أيضاً أنه في يوم الثلاثاء الأسود في 23 كانون ثاني، شوهدت مجموعات "مقاوِمة" تابعة للـ"جبهة"، تجبر الناس بالقوة على الالتزام بالإضراب الذي دعت إليه "المعارضة"، في مدينة صيدا، وربما في مناطق أخرى... إلى أن انفجر الاحتقان المذهبي بين المسلمين السنة وإخوانهم المسلمين الشيعة في أحداث جامعة بيروت العربية المؤسفة في 25 كانون ثاني، فأي دور وحدوي قامت به الجبهة، غير اصطفافها خلف "حزب الله"؟!.
في خدمة المعارضة
من الواضح إذاً أن مشروع "الجبهة" هو في خدمة "المعارضة" في لبنان. أدبيات الجبهة، وخطابها، ومشاركتها في أطر المعارضة يقول ذلك. الشخصيات والجمعيات المنضوية فيها ذات العلاقة الوثيقة بسوريا تنبىء بذلك. مجلة "ن والقلم" الصادرة عن "الجبهة" تصرّح بذلك. مجلة "العرب والعولمة" والتي صدر العدد الأول منها- بعد إعادة إطلاقها مدعومة من "الجبهة"- مذيلاً باسم شخصية محترمة جداً هي الوزير السابق وئام وهاب، كمدير مسؤول، (أزيل هذا الاسم في الأعداد التالية) "توحي" لنا بانتمائها. الدكتور هيثم أبو عيد، عضو "الجبهة"، يقول للمجلة نفسها، عدد تموز 2007، "إن الجبهة هي حالة استنهاض وتصحيح في الطائفة السنية لأخذ المبادرة وإعادة الأمور إلى نصابها، وسحب بساط حصرية التمثيل في لون سياسي واحد". كل ذلك يصنّف "الجبهة" ويخالف أهدافها "الوحدوية"، ولو أنه مشروع، لكن المشكلة ليست هنا، وإنما في الدور الذي تقوم به "الجبهة" في العديد من الملفات الحساسة، وبالاستلحاق السياسي الذي يطبع أداءها، وبلقاءات أركانها المستمرة مع بشار الأسد وآصف شوكت ورستم غزالة، أي مع الفريق الذي يعتبره فريق واسع من اللبنانيين متهماً بعدد من جرائم الاغتيال والتخريب في البلد.
عنوان المقاومة
تعتبر "الجبهة" نفسها "حالة مقاومة"، بدليل أن من بين أركانها أحد المسؤولين السابقين عن العمل المقاوم في "الجماعة الإسلامية"، والدكتور يكن يقول لـ"العرب والعولمة"، عدد أيار 2007، "نحن ننسق في العمل (المقاوم) بيننا وبين قيادة حزب الله، لأننا نحن وإياهم في خندق مواجهة واحد على امتداد العالم". ومن المعلوم أن "الجبهة" تعمل على تجنيد العديد من الشباب السني تحت عنوان "المقاومة" في العديد من المناطق اللبنانية، ولا سيما في صيدا والعرقوب وصولاً إلى عكار، وبلدة ببنين على وجه الخصوص، ومن أجل "مشروع المقاومة" تدفع "الجبهة" أموالاً سخية، من "المال النظيف"، وتبني المؤسسات والنوادي، وتدرّب الشباب وترسلهم إلى الخارج للـ"سياحة"، و"تنسق" في كل ذلك مع "حزب الله" وتنظيمات لبنانية لصيقة به.
لكن الدفاع عن "المقاومة" لم يكن يشكل فراغاً ملأته "جبهة العمل الإسلامي" في الوسط السني، فـ "الجماعة الإسلامية"، ورغم التباينات الكبيرة بينها وبين "حزب الله" في الشأن الداخلي، وفي ملف المقاومة لجهة احتكاره وتالياً التحكم في قراره سلماً وحرباً، إلا أنها كانت دوماً ظهير المقاومة، وأمينها العام الشيخ فيصل مولوي، بما يمثل من ثقل فقهي في لبنان والعالم، هو الذي أصدر الفتوى الشهيرة بوجوب نصرة "حزب الله" في عدوان تموز، ونائب أمينها العام الأستاذ إبراهيم المصري، لم يوفر مناسبة طيلة العدوان الأخير، إلا وأطل من خلالها، وأحياناً تحت القصف ومن على تلفزيون المنار، ليعلن التأييد والدعم، وقيادة "الجماعة" السياسية هي التي جمعت "العلماء والشخصيات ورؤساء الجمعيات الإسلامية في لبنان" في 25 تموز 2006 لإصدار بيان دعم المقاومة الذي جرى اعتماده لدى تنظيمات "الإخوان المسلمين في العالم"، و"قوات الفجر" التابعة للـ"جماعة"، كانت في العرقوب جزءاً من حالة المواجهة التي دارت هناك، فأي فراغ سدته "الجبهة"، وأيهما أفضل للمقاومة أن تساندها قوى فاعلة وحرة في قرارها، أم أطر مستلحقة سياسياً ومالياً؟.
الخلافات والتفرد بالقرار والاستلحاق السياسي
فشل الجبهة في الالتزام بأهدافها، وتفرّد أمينها العام بالقرار وإصداره المواقف على شكل مراسيم دون اجتماعات أو قرارات أو مشاورة باقي أركان "الجبهة" وأعضائها، ومقاربتها الملتبسة للعديد من الملفات، وإعلان أمينها العام أن "ملف فتح-الإسلام انتقل إلى تنظيم القاعدة الدولي"، ما اضطر "رابطة علماء فلسطين" التي كانت تقوم بالوساطات حينها إلى نفي ذلك، فضلاً عن تبني "الجبهة" لمزاعم "حزب الله" فيما خص تابعية "فتح-الإسلام"، الأمر الذي وتّر العلاقة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وبين "الإسلاميين" و"الأجهزة الأمنية"، ولا سيما في الشمال، كل ذلك، مضافاً إليه حصر الملف المالي لدى أحد أركان الجبهة، دفَعَ العديدين إلى الانسحاب من "الجبهة" على غرار ما حصل قبيل وبعيد الإعلان الرسمي عنها، عندما لاحظ عدد من الشخصيات أن أهداف "الجبهة" تخالف ما يجري التحضير له، وقد خرج مؤخراً تنظيم "مسلمون بلا حدود- البقاع" برئاسة الشيخ رمزي بيشوم، كما ظهرت حالات امتعاض من أداء "الجبهة" لدى عدد من مكوناتها البارزة في طرابلس، ولا سيما بين جناحي "حركة التوحيد" اللدودين، شعبان ومنقارة، ولوحظ عودة عدد من مشايخ "التوحيد" في بيروت إلى التحرك منفردين أو من خلال أطرهم السابقة، بعيداً عن التنسيق مع "الجبهة".
استلحاق الجبهة بالمعارضة و"حزب الله" بات واضحاً ولو نفي الدكتور يكن أو اعتبر نفسه "أبو المعارضة"، فالتوجهات السياسية تُعرف من الأداء على الأرض، لا من التصريحات المحكية أو الأهداف المكتوبة. "الجبهة" باختصار فشلت في تحقيق الأهداف الجيدة التي دعت إليها، وهي أمام أسئلة لا بد أن تجيب عليها بصدق: ماذا حققت؟ وفي أي مشروع هي اليوم؟ وإلى أين تذهب بالسنة وبلبنان؟ الأفضل للـ"جبهة" وللبنان أن تكون الإجابات واضحة، ولو بقيت حبيسة أركانها، المهم أن لا يجري اعتبار هذه المقالة وأخواتها مجرد حملة تحريض و"أضاليل وأكاذيب وافتراءات وتهم"، كما جاء في رد "الجبهة" على جريدة المستقبل بتاريخ 31 أيار 2007.
المصدر
- مقال:كيف تبدو "جبهة العمل الإسلامي" بعد عام على تأسيسها؟موقع:الشبكة الدعوية