لماذا أصبح القضاء المصري مطية لحكم العسكر؟
التفت نابليون إلى الوزراء وقال (مادام القضاء بخير كل شيء يمكن اصلاحه وبناء ماتخرب)
وهي المقولة التي كررها تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بقوله:( بريطانيا بخير لطالما القضاء بخير).
لكن في دولة العسكر القضاء مطية في يدي الحاكم بأمره، وما يريده الحكام العسكر، وهو ما اعتبره الجميع خزي لدولة بأكملها.
فالحملة التي تعرضت (وتتعرض) لها جماعة الإخوان المسلمين خاصة والمعارضة عامة، وكافة كياناتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتي تستهدف قياداتهم التنظيمية، ورموزهم السياسية، وقواعدهم الجماهيرية، لم تقتصر على التصفيات الجسدية وأحكام الإعدام المنفذة، وعشرات آلاف أحكام السجن والحبس، بل تخطت ذلك لعمليات ممنهجة من الاستيلاء (في أُطُر رسمية وغير رسمية) على أموالهم وممتلكاتهم وأصولهم، والإفراط في إصدار قوائم الإرهاب التي تشمل آلافاً منهم ومن غيرهم، يتبعها إصدار قوائم التحفظ على الأموال، توطئة لضم تلك الأموال لخزينة الدولة، كل ذلك تحت إشراف قضائي كامل من قضاة يحملون كل بغض لأى معارض للنظام الحاكم.
حقيقة القضاء في أي دولة عادلة
يعتبر القضاء من الأركان القوية التي دعمت الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر في يوليو 2013م، حيث كان بمثابة رأس الحربة ضد التجربة الديمقراطية التي شهدتها البلاد، في محاولة للمحافظة على مكتسباتهم التي حظوا بها خلال فتراتهم السابقة، والتي ظنوا أن التجربة الديمقراطية الوحيدة التي شهدتها البلاد، ستعمل على تقويض أركان دولتهم التي بنوها على انقاض هذا الوطن.
وبالفعل ظل القضاء يعمل ويدعم اركان الانقلاب، ويرسل المعارضين إلى حبل المشانق، أو تغيبهم في غياهب السجون مئات السنين بأحكام يتيقن الجميع أنها ليس في القانون من شيء ولكن تلبية لرغبة الحاكم العسكري في مقابل أن يحافظ لهم على مملكتهم التي بنوها ويرغبون في توريثها لأولادهم من بعدهم. رغم أن الموت لا يفرق بيت قاضي وزبال إلا أن هؤلاء لا يتعظون لحالهم ولا يحاولون العودة إلى صوابهم ومعرفة حقوق ربهم عليهم تجاه العباد.
ومع أن القضاء يعد الركيزة الأساسية للعدل في أي مجتمع، وهو ما يجعله مستقلا عن الأهواء والنزاعات والصراعات كونه أمر أساسي لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، حتى أن المماليك حينما أرادوا أن يجعلوه تابعا لهم في شخص القاضي العز بن عبد السلام حمل متاعه وغادر فخرج أهل مصر خلفه حتى نزل المماليك على رأيه[١].
لكن وبسبب عدم رسوخ كثيرا من القضاة بعد ذلك في أمور دينهم، وضعف تربيتهم، بل وتربيتهم في مدارس الغرب والارساليات التبشيرية، فقد هذا الكيان قيمته، وأصبح القضاة أداة في يدي من ينفق عليهم سواء كانوا محتلين غربين أو ممن انقضوا على السلطة بالقوة سواء من عسكر أو رجال أعمال أو غيرهم، حتى برزت فضائح كثير من هؤلاء القضاة وأصبح القضاء بالفعل تحت السيطرة.
آلالاف الأحكام المسيسة التي تفتقر لأى معنى من معانى العدالة أو حتى الإنسانية والتي مات بسببها الكثير من شباب هذا الوطن ظلما وجورا على أعواد المشانق أو داخل السجون أو قهرا من الظلم الواقع عليهم وعلى أسرهم وذويهم.
ركائز استقلال القضاء
جاءت مبادئ الأمم المتحدة لاستقلال القضاء واضحة وقد سبقها الإسلام الحنيف بوضع أكثر مبادئ القضاء استقلالا، فقال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة:8].
ولقد جاءت هذه الأسس والمبادئ كالتالي:
1. تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه. ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.
2. تفضل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقا للقانون، ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة أو لأي سبب.
3. تكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي كما تنفرد بسلطة البت فيما إذا كانت أية مسألة معروضة عليها للفصل فيها تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون.
4. لا يجوز أن تحدث أية تدخلات غير لائقة، أو لا مبرر لها، في الإجراءات القضائية ولا تخضع الأحكام القضائية التي تصدرها المحاكم لإعادة النظر. ولا يخل هذا المبدأ بإعادة النظر القضائية أو بقيام السلطات المختصة، وفقا للقانون، بتخفيف أو تعديل الأحكام التي تصدرها السلطة القضائية.
5. لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم العادية أو الهيئات القضائية التي تطبق الإجراءات القانونية المقررة. ولا يجوز إنشاء هيئات قضائية، لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة حسب الأصول والخاصة بالتدابير القضائية، لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية.
6. يكفل مبدأ استقلال السلطة القضائية لهذه السلطة ويتطلب منها أن تضمن سير الإجراءات القضائية بعدالة، واحترام حقوق الأطراف.
7. من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة.
8. يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائما، لدى ممارسة حقوقهم، مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء.
9. تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفى الانضمام إليها.
10. يتعين أن يكون من يقع عليهم الاختيار لشغل الوظائف القضائية أفرادا من ذوى النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون. ويجب أن تشتمل أي طريقة لاختيار القضاة. على ضمانات ضد التعيين في المناصب القضائية بدوافع غير سليمة. ولا يجوز عند اختيار القضاة، أن يتعرض أي شخص للتمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء، أو المنشأ القومي أو الاجتماعي، أو الملكية أو الميلاد أو المركز، على أنه لا يعتبر من قبيل التمييز أن يشترط في المرشح لوظيفة قضائية أن يكون من رعايا البلد المعنى.
11. ينبغي أن يستند نظام ترقية القضاة، حيثما وجد مثل هذا النظام، إلى العوامل الموضوعية ولا سيما الكفاءة والنزاهة والخبرة.
12. يكون القضاة ملزمين بالمحافظة على سر المهنة فيما يتعلق بمداولاتهم وبالمعلومات السرية التي يحصلون عليها أثناء أداء واجباتهم الأخرى خلاف الإجراءات العامة، ولا يجوز إجبارهم على الشهادة بشأن هذه المسائل[٢].
هل القضاء المصري مستقل؟؟
ظل القضاء محتفظ بقيمته وهيبته في مصر والدول الإسلامية تارة من الزمان حتى تغير الواقع في العصر الحديث وجثى الاستعمار على صدر الأمة الإسلامية وخلفه العسكر في الحكم وفرضوا رؤيتهم (والتي كانت بعيدة كل البعد عن الحكم الديمقراطي واحترام المدني والبعد عن شرائع الدين في مجالات كثيرة)، حتى أنه فرض المحاكم العسكرية بدلا من القضاء الطبيعي لخوفه من القاضي الطبيعي قبل أن يبسط سيطرة على القضاء الطبيعي ويجعله يأتمر بأوامره، ومن عصاه كان مصيره الضرب كما حدث مع المستشار عبدالرازق السنهوري، وكما كانت مذبحة القضاء والتي فصل فيها مئات القضاة عام 1969م.
لم يكتف بذلك بل كلف كثير من ضباط الشرطة بالتحول للسلك القضائي حتى يحكم بعقلية الضابط المسيطر والتي تنفذ أوامر الرؤساء دون النظر إلى عدالة أو قانون حتى أن أحد أذرع العسكر الإعلامية كتب في مقال بعنوان [حين يكون القضاء عادلاً والقوانين ظالمة: القاضى فى بلادنا لا يمكنه الحكم خارج قانون الطوارئ.. وقانون الطوارئ ظالم. والقاضى فى مصر لا يمكنه الحكم خارج قانون مباشرة الحقوق السياسية.. وقانون مباشرة الحقوق السياسية ظالم. والقاضى فى مصر لا يمكنه الحكم خارج قانون الأحزاب.. وقانون الأحزاب فى بلادنا ظالم. والقاضى لا يمكنه أن يحكم بأن يتساوى توزيع الأرض بين الناس بالعدل لأن قواعد وتشريعات توزيع الأرض فى بلادنا ظالمة، يدفع الفقير ويعفى الثرى، ويدفع المعدِمون ويُمنح أصحاب المليارات].
ويضيف[القضاء فى مصر عادل، لكن التشريعات غير عادلة، والقضاء فى مصر شريف، لكن التشريعات بعضها يخلو من الشرف، والقضاء فى مصر شامخ، لكن من يصوغون القوانين ليحكم بها القضاة ليسوا سوى منبطحين، لا طاقة لهم على رعاية مصلحة الوطن فيما يوافقون عليه من بنود، ولا قبل لهم بمواجهة السلطة حين تتعارض مصالح السلطة مع مصالح الرعايا والغلابة والمحرومين[٣].
بل إن أحمد بهجت حينما ذاق ويلات ظلم القضاة وغياب العدالة التي ساعد على ذبحها بأمواله من قبل نطق قائلا: القضاء في مصر «غير عادل»[٤]
سيطرة مبارك على القضاة
لقد بذل مبارك – ومن بعده رجالاته من العسكر الذين سيطروا على الحكم- جهودا كبيرة في فرض سيطرته على مؤسسة القضاء، حتى أن جهوده نجحت في توليد سلطة قضائية محافظة دعمت قيادتها العليا الخطاب المؤيّد للاستقرار الذي أدّى إلى عودة الجنرالات إلى الحكم.
وحينما برزت بعض حركات القضاة المطالبين بالاستقلال سارع بنقل القاضي فتحي نجيب -المعروف بولائه للنظام- عام 2002ن من وزارة العدل إلى رئاسة المحكمة الدستورية العليا، وكلّفه بأن يُعيّن في المحكمة قضاة غير مستعدّين لتحدّي السلطة التنفيذية. ثم حوّل مبارك أنظاره إلى القضاء العادي وحاول سحق الحركة الناشئة التي تطالب باستقلال القضاء. لهذه الغاية، استخدمت السلطة التنفيذية تحت مبارك أدوات مباشرة وغير مباشرة من أجل تحفيز ضبط النفس في السلك القضائي وإحباط الحراك القضائي. ومن تلك الأدوات توظيف مزيد من خرّيجي أكاديمية الشرطة في السلك القضائي، والتدقيق في سجلات الأشخاص قبل تعيينهم في مناصب قضائية لمعرفة إذا كانوا ينتمون إلى الحركة المطالِبة باستقلال القضاء أو المجموعات المعارضة، وتعيين قضاة موالين للنظام للنظر في القضايا التي تتعلق بالمصالح الأساسية للنظام. ولاتزال هذه الظروف مستمرة حتى يومنا هذا.
وكذلك تسبّبت سياسة المحسوبيات في مصر أكثر فأكثر بتقويض استقلالية القضاء. وأصبح القضاء يرزح تحت وطأة المحاباة، وآلية التعيين بعيدة كل البعد عن الاعتماد على معايير الجدارة والكفاءة. غالباً مايتم تعيين قضاة من أفراد العائلة والمعارف على الرغم من افتقارهم إلى المؤهلات الأكاديمية اللازمة[٥].
وهكذا أصبح القضاء مسيطر عليه من قبل السلطة التنفيذية وبمعاونة الكثيرين من القضاة التابعين له والذين أصبحوا أيضا رأس حربة ضد الشعب بل وضد زملائهم القضاة الداعين إلى الاستقلال.
والغريب أنه في كل عصر كان بعض فئات القضاة أداة طيعة في يدي الحاكم العسكري فقط من أجل الحفاظ على امتيازاته ومصلحته ومصالح أسرته، حتى وصل الأمر بهم إلى الحكم بقطع اليد التي تمتد لتسرق رغيف خبز، بينما يتم تقبيل اليد التي تسرق الوطن.
في مثل هذه الدولة فإن أصعب اللحظات على المظلوم تكن وقت عرضة على النيابة أو القاضي، لأنه يدرك أنه لم ولن يجد عنده ملاذ العدل بسبب موت ضمائرهم.
القضاء وأسوء عصوره في عهد عبد الناصر والسيسي
وصل الحال في دولة العسكر أن القضاء الشامخ العادل تهاوى في الحضيض وسقط في أرذل مستنقعات الأخلاق حينما أحنى رأسه لصاحب البيادة واستجاب لأمره وذهب إلى المعتقلين في السجون زيادة في الظلم والبغي، ونكاية فيهم، حتى إذا اعترف المعتقل بغير ما يريدوا يسلموه لزبانية العسكر ليذوقوه سوء العذاب حتى يعترف ويوقع على ما يريدونه، ثم يخرج القضاة أن الأمور كلها تمت تحت إشراف قضائي. لكنه في الحقيقة قضاء خسيس باع نفسه وقسمه ودينه وبلده، لمجرد أن يغدق عليه من مال العسكر.
وليس ذلك فحسب بل رأينا القضاة ووكلاء النيابة (المسئولة عن الدفاع عن الشعب) يذهبون للمعتقلين المظلومين وهم يحملون لهم البغض والكره، ولديهم عقيدة راسخة بجرمهم (لأنهم يختلفون معهم أو مع العسكر في الرأى السياسي) وليس ببراءتهم.
وزاد الأمر في دولة الخوف الذي يرأسها العسكر منذ ما يقرب من سبعين عاما، فوجدنا قضاة باعوا أنفسهم (رغم كبر سنهم ودنوا الموت منهم) يتطوعون لينكلوا بالناس ويحكموا عليهم بالإعدامات الجماعية حتى ولو لم يشتركوا في شيء، لكن طالما كتب الجهاز الأمني أنهم منهم فلابد من تنفيذ ما قالوا، وزهقت أرواحا بريئة صعدت لبارئها تشكوا إليه ما وقع عليه من ظلم، وتنتظر القصاص يوم الدين.
فرض عبدالناصر سيطرته علي القضاء كاملا، بل لم نسمع في عصره إلا صوت المحاكم العسكرية، وهكذا السيسي الذي سارع كثير من القضاة (الذين تعلموا في عهد عبدالناصر) لتنفيذ أوامره حتى ولو بالحكم بالإعدام على المظلومين.
وهكذا النيابة العامة أيضا سيطر عليها عبدالناصر كما سيطر عليها السيسي، وأصبح لا وجدود لكلمة أو معنى العدل أو الانصاف في هاتين الدولتين، بل بحق أطلق عليهما دولة الخوف.
فيذكر عباس السيسي هذه السيطرة على مؤسسة القضاة ورضوخهم للسلطة التنفيذية بقوله: سمعنا أن نيابة أمن الدولة العليا هي التي ستتولي التحقيق معنا في القضية رقم 121 – 1965 وبدا لنا أن تحقيق النيابة سوف يكون فيه إمكانية الدفاع وإيضاح الحقائق بكل الحرية دون ضغط أو إرهاب .. وبعد حوالي أسبوعين من التوقيع على تحقيق المباحث الجنائية – علمنا أن خياما تنصب في حوش السجن الحربي وأن رجال نيابة أمن الدولة سوف يقومون بإجراء التحقيقات مع الإخوان في مبني السجن الحربي !! فكانت صدمة شديدة فالمعروف قانونا أن المتهم يذهب إلى سراي النائب العام ويحقق معه هناك حتي لا تكون هناك مؤثرات تقع عليه من أية سلطة غير سلطة التحقيق التي لا سلطان عليها إلا سلطان الضمير والقانون وكان هذا النبأ صدمة عنيفة نتلقاها وخيبة أمل في سدنة القانون .
نصبت في ساحة السجن الحربي حوالي عشرة خيام صغيرة مجهزة كل خيمة بمكتب إيديال جديد مع مستلزمات من كراسي ومروحة ودولاب للأوراق وجندي مراسلة يقف خارج الخيمة يلبي طبلات السيد وكيل النائب العام هذا فضلا عن جندي البوفيه الذي يقدم المرطبات والشاي للسيد وكيل النيابة والسكرتير فضلا عن طعام العشاء الذي تأتي به سيارة بأشهي المأكولات من أفخم مطاعم القاهرة والمعروف أن التحقيقات في السجن الحربي تبدأ ليلا وتنتهي عند الفجر.
ويضيف: حوالي الثامنة مساء توجهت مع العسكري الحارس حيث أجلسني القرفصاء على الأرض ووجهي أمام أحد الخيام حتي لا أري أحدا غيري من الذين يأتون للتحقيق في الخيام المجاورة .
وبعد نصف ساعة نودي على المتهم عباس السيسي فدخلت الخيمة وأشار رئيس النيابة – اجلس – كان أمامه كرسي فجلست عليه ثم قال لى – أنا عبد السلام حامد رئيس نيابة في أمن الدولة – فقلت أهلا وسهلا . يا أفندم – ثم أخذ يفتح ملف أمامه مدة طويلة وهو يكتب ملاحظات في ورقة خارجية ثم بدأ يسألني عن اسمي – عمري – عملي – بلدي – ثم قال : طبعا أنت عارف انك متهم بتشكيل تنظيم سري مسلح الغرض منه قلب نظام الحكم – وعارف الكلام اللي أنت قلته في التحقيق مع المباحث العسكرية وعارف أيضا اعترافات إخوانك في القضية ؟
فقلت: أنا فاهم إن سيادتك سوف تبدأ معي التحقيق من جديد ولن تعتمد على اعترافاتي في تحقيق المباحث الجنائية العسكرية _ لأن هذه الاعترافات أخذت بواسطة التعذيب المرير وسيادتك شايف آثار التعذيب الظاهرة على قدمي وهذه أظافر يدي اليمني طارت من التعذيب.
فقال رئيس النيابة موجها الكلام لي : ما هو أنتم ما ينفعش معاكم إلا كدة !!!
وبعد أن سمعت منه هذه العبارة صدمت صدمة قاسية وشعرت أن المؤامرة مرتبة تماما ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله رب العالمين.
كان التحقيق يدور في خيمة رئيس النيابة – وضباط المباحث الجنائية يمرون علينا وينظرون إلينا يذكروننا بالكرباج إن نحن حاولنا أن ننكر شيئا مما ذكرناه معهم في تحقيق المباحث الجنائية.
وكان رئيس النيابة ينتهز فرص إرهاقنا فيصول ويجول – فإذا اختلفت الإجابة فإنه بإشارة إلى العسكري فيؤخذ المتهم إلى مكاتب التحقيق لتستقبله الزبانية فيعود ويقول ما هو مطلوب .. وكثيرا ما يسمع صوت التعذيب للقريب والبعيد[٦].
وهو الواقع الذي حدث مع ساعات الإنقلاب العسكري يوم 3 يوليو 2013م حينما قبض على أنصار الرئيس محمد مرسي وزج بهم في السجن وبعد وصلة تعذيب شديدة وتجويع ذهبت النيابة إلى جميع السجون وعقدت جلسات تحقيق مع المعتقلين (الذين لم يعرفوا ما يجرى ولما هم هنا خاصة أن كثير منهم ليس إخوان لكنه خرج دفاعا عن رأيه) فأعطت الجميع 15 يوم ثم 15 ثم 15 قبل أن تبدأ في إعطاء الجميع 45 يوما، وكل ذلك داخل السجون حيث تأتي النيابة وتجلس في أحد مكاتب السجن ويخرج المعتقلين على ذمة قضية معينة ويجلسوا القرفصاء في ساحة السجن، ليدخلوا 5 او 10 مرة واحدة على وكيل النيابة الذي ينظر إليهم ولا يسمح لأحد بالكلام أو حتى المحامين، وبعدما ينتهي من التحقيق ويغادر دون كلمة، حتى يعرف المعتقلين أنه جدد لهم سواء من أحد من ضباط السجن أو أثناء زيارة ذويهم[٧].
ومن كان يتهم في أحداث كبيرة يزج به في آتون التعذيب ويظل مختفى قسريا أيام أو شهور أو حتى سنوات حتى يظهر أمام المحكمة في قضية لا ناقة له فيها ولا جمل.
وليس أدل على ذلك إلا ما قاله الشهيد الشاب محمود الأحمدي الذي أعدم في قضية النائب العام ظلما وجورا، والذي قال للقاضي: أنا خصيمك أمام الله يوم القيامة أنا واللي معايا مظلومين وانت عارف كويس، فرد عليه القاضي الظالم حسن فريد: بس انت اعترفت يا محمود. فجاء رد محمود صاعقا موضحا ما جرى لهم وما يجرى لكل المعتقلين: اديني صاعق كهرباء ودخلني أنا وأنت في الغرفة وأنا أخليك تعترف إنك قتلت السادات .. احنا اتكهربنا كهربا تكفي مصر عشرين سنة![٨].
وهكذا أصبح القضاء المصري تحت السيطرة التامة.......
وهكذا انتفت صفة الشموخ عن القضاء المصري حتى بات الكل في بوتقة الرعب من أن يمثل أمامه ليقينه بأنه قضاء ظالم......
وهكذا أصبحت المحاباة هي السمة المسيطرة على أحكام القضاء......
المصادر :
- ↑ الدكتور فاروق عبد المعطي: العز بن عبد السلام - سلطان العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، صـ 11.
- ↑ مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية: موقع الأمم المتحدة حقوق الإنسان.
- ↑ خالد صلاح: حين يكون القضاء عادلاً والقوانين ظالمة، 14 يوليو 2010.
- ↑ عبير أيمن: موقع الميزان، 20 يناير 2017م.
- ↑ سحر عزيز: القضاء المصري تحت السيطرة، 20 أغسطس 2014،
- ↑ عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الرابع، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.
- ↑ شهادات حية ممن اعتقل في عهد السيسي وسجنوا.
- ↑ محمود الاحمدي للقاضي : إديني صاعق كهربائي وأنا أخليك تعترف إنك إنت آللي قتلت السادات: 21 فبراير 2019، https://youtu.be/HIlCzNJLKQc?si=q2W4PXenGXp9GFUQ