ما هي أسباب دعم أمريكا لثورة يوليو 1952؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

رغم الموقع الفريد الذي حبى به الله مصر مع غيره من الكثير من مقومات نهضة الأمم إلا أن الشعب المصري ظل فقيرا محروما لا يرى أثر للعدالة الاجتماعية ولا نتاج حصاده إلا في أوقات بسيطة حُكمت بالعدل، إلا أن جل تاريخها كان الشعب فقير محروم يعيش كالعبيد ومع ذلك مكبل بسلاسل الضرائب وأغلال الديون، لم يشعر يوما بحصاد جهده، ولم ينعم يوما بما أنتجته يده.

استمر هذا الوضع كثيرا بل ازداد بؤسا بعدما تغييرت مقاليد القوى في العصر الحديث وبدأت دولة الخلافة في الضعف والتفكك وسطى على مصر حكام ملكيون توارثوا الحكم واعتبر مصر وأهلها جزء من ممتلكاتهم وثروة لأبنائهم من بعدهم.

ازداد الأمر سوءا بتربص دول الغرب القوية بمصر وموقعها والتي لم يشغلها أهلها ولا حكامها، بل كانت ثرواتها وموقعها هدفا تنافسيا بين الغريمين الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا).

لقد تولى محمد علي حكم مصر عام 1805م – رغم أنه ليس من أهلها- لكنه جعل حكمها مقصورا على أبنائه وأحفاده حتى حينما وطأ المحتل البريطاني أرض مصر واستقر بها وجعلها قاعدة مركزية لجيوشه أبقى على أسرة محمد علي مع فرض وصايته على من يجلس على كرسي مصر ليس حبا بشعب مصر ولا التزاما بالشرعية الدستورية لكن لكونهم أكبر المعاونيين للمحتل على الاستقرار في مصر.

ورغم أهمية ثورة 1919م في تاريخ الشعب المصري إلا أنها قامت ضد المحتل البريطاني وسياسته وتغلغله في الشئون المصرية، ولكنها لم تغيير في حياة الشعب المصري الكثير.

عادت الأمور لسابقها حيث ساد الظلم الطبقي واضطهاد المصريين حتى من قبل رجال السلطة المصريين المعينيين من قبل المحتل البريطاني، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية اشتعلت الأوضاع في مصر، وأسفرت بريطانيا عن وجهها، واشعلت الحركات الإسلامية والوطنيين قلوب المصريين، وانتشر الشيوعيون اكثر وسط المجتمع المصري، واشتعلت النار تحت الرماد وانتظر الجميع يوم الخلاص حتى كان فجر 23 يوليو 1952م.

ما بين ثورة 1919 وثورة يوليو 1952م

قامت ثورة يوليو لتصحيح أوضاع الوطن الذي لم تستطع ثورة 1919م فعله، غير أننا لا نظلم ثورة 1919م لفشلها في تحقيق كثيرا من الأهداف التي كانت تهم المواطن وذلك بسبب ظروف ووقت وطبيعة كلا من الثورتين.

حقيقة تمسك حزب الوفد الناشئ الجديد من رحم الثورة والحزب الوطني بالجلاء التام للمحتل البريطاني واستطاع الإنجليز الأقوياء في ذلك الوقت احتواء الموقف وقلب الموازين لصالحهم بل وتحييد قادة الثورة وزعماءها.

لكن ثورة يوليو كانت معايير القوى الدولة تغييرت، وتراجعت بريطانيا عن مكانتها العالمية، ولم يعد الجيش المصري معتمد على القادة الغربيين أو المتعاونين معهم، بل وصل ضباط مصريين وطنيين لمناصب قيادية.

كانت الأرضية التي ارتكزت عليها ثورة يوليو أقوى من الأرضية التي انطلقت منها ثورة 1919م، بالإضافة لانتشار الطبقية البغيضة وهي التي دفعت الشعب للالتفاف حول ضباط يوليو – رغم أنهم لم يكونوا معرفين لأحد.

ومع انتشار الطبقية غابت العدالة الاجتماعية وساد الفقر والجوع بين الشعب مما جعلهم يفرحون بحركة الضباط في ثورة 1952م وهو ما لم يلمسوه في ثورة 1919م.

ثورة يوليو لم تكن وليدة اللحظة أو رد فعل بل كانت نتاج إرهاصات كثيرة كان الكيل فيها طفح بالشعب المصري وسأم الأحزاب وأعمالهم وانتشار المحسوبية بينهم – بما فيهم حزب الوفد- مما جعل الجميع يخرج بعد بيان الجيش بالفرح والسرور في الشوارع ولم يطالب أحد أبدا بنصرة الملك فاروق وأسرته وحاشيته.

إضافة لذلك جاءت هزيمة الجيش المصري في حرب 1948م وحصار جانب كبير منه في الفالوجا من قبل شرازم الصهاينة مما جعله أضحوكة العالم لتزيد من غضب وحنك كثيرا من الضباط الذين كرهوا من قبل حصار الإنجليز للقصر الملكي في عابدين في حادثة فبراير 1942م والتي سقط معها حزب الوفد، وزاد من سقوطه حريق القاهرة في عهد وزارته[١].

لقد حدث الحريق ويبدو أن الجميع كان راضي به، فالملك راض عن الحريق لاثبات عجز الوزارة الوفدية عن إدارة البلد، وتعطيه الفرصة ليفرض الأحكام العرفية، ولينهي الحركة الجهادية في القناة التي قامت بها جماعة الإخوان المسلمين والفدائيين.

أما الوزارة الوفدية فإنها راضية عن الحريق لاقلاق الملك وهز وضعه واثبات ضعفه ليبقوا في الحكم كذلك.

أما أمثال عبد الناصر فإنهم راغبون في إشاعة الفوضى ليجدوا مبررا للانقضاض على الحكم.

أما الأمريكان فهم راضون كذلك لعله يتسنى لعملائهم فرصة قلب النظام، وعن الشيوعين فهم وروسيا لا يعيشون إلا في جو من الفوضى والتخريب[٢].

لماذا وافق الغرب على ثورة يوليو ورفض ثورة 1919؟

لم يكن انقلاب يوليو 1952م العسكري المصري أول انقلاب يحدث في منطقة الشرق الأوسط خاصة البلاد العربية، لكن سبقه العديد من الانقلابات العسكرية في سوريا البلد المحرر من الاستعمار الفرنسي عام 1946م. لكن لم يحظ انقلاب مثلما حظى انقلاب يوليو والذي تحول لثورة لمساندة الشعب وابتهاجه به في أول الأمر.

فبعد الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا منهكة ومهلهلة إثر ضربات الألمان ولولا تدخل أمريكا وروسيا لصالح بريطانيا وفرنسا كانت ألمانيا استطاعت أن تفرض سيطرتها على البلدين.

ظهرت قوى جديدة على الساحة العالمية بعدما أزحت القوى التقليدية القديمة المتمثلة في بريطانيا وفرنسا، غير أن القوتين العظميتين الجديدتين كانتا متناقضين في أيديولوجيتهما التي قامتا عليها، فالدولة الأمريكية والكتلة الغربية قامت على الرأسمالية بينما قامت الدولة السوفيتية وتوابعها في الكتلة الشرقية على الشيوعية التي جاءت على إثر الثورة البلشفية.

وكانت دول الشرق الأوسط خارج أي حلف سياسي ودون توجه واضح نحو إحدى الكتلتين، وهكذا بدأ التنافس بين القوى العظمى على هذه البقعة، في واحد من أسخن فصول الحرب الباردة. وفي ثنايا المعسكر الغربي، كان هنالك صراع آخر حول تصفية الاستعمار القديم ممثلاً في بريطانيا وفرنسا وتسلم أمريكا لزعامة العالم.

ولذا سعت كلا من القوتين على فرض نفوذهما لكن مع تغيير الاستراتيجية التي لم تعد تجدي وفق المتغيرات الدولية، فلم تعد الجيوش هى السبيل إلى بسط السيطرة، وهو ما أدركه الأمريكان فسعوا إلى إحكام السيطرة على الدول الهامة بالسياسة والدبلوماسية.

في حين كانت بريطانيا وفرنسا هى القوى المهيمنة على الوضع العالمي أثناء ثورة 1919م والتي رأت أنه من غير مصلحتها مساندة الثورة للأطاحة بالملك ومن ثم الدعوة لجلاء المستعمر عن مصر وهو ما يشكل خطر على مصلحتها، وهو الموقف الذي تغير مع ثورة يوليو – رغم وجود المستعمر على أرض مصر في أثناء الثورتين- لكن أفول شمس الأمبراطورية البريطانية كان قد تلاشى مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور أمريكا القوية.

لم يكن الضباط قادرين على نجاح إنقلابهم دون دعم شعبي ولذا استطاع عبد الناصر بطريقة ما خداع الإخوان والشيوعيين معا – وهما القوتين الشعبيتين في ذلك الوقت- وهو الأمر الذي ضمن به عبد الناصر دعم الأمريكان والضغط على بريطانيا بعد التحرك لنصرة الملك.

صراع النفوذ على الشرق الأوسط بين أمريكا وبريطانيا

لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية في الأربعينيات حضورٌ بارزٌ في المنطقة العربية فقد كانت بريطانيا تحتكرُ قيادة المعسكر الغربي في تلك المرحلة ، ولكن مع تزايد الكراهية للإنجليز في المنطقة العربية بسبب احتلالها للعديد من البلدان العربية وبسبب تبنـِّـيها لوعد بلفور ودعمها لليهود لإقامة دولة لهم على أرض فلسطين العربية المسلمة بدأ الأمريكان الذين لم تكن لهم خلفية استعمارية في المنطقة العربية سعيهم لإزاحة بريطانيا عن زعامة النفوذ الغربي في المنطقة ليحلُّوا محلها في الزعامة ، وفي هذا السياق يُخصِّـصُ الباحث الأكاديمي الأمريكي هيو ويلفورد المُتخصِّـص فى تاريخ وكالة الإستخبارات المركزية فصلا من كتابه ( لعبة أمريكا الكبرى ـ America's Great Game ) عن بدايات تدخل الوكالة فى منطقة الشرق الأوسط في الفترة من أواخر الأربعينيات إلى أواخر الخمسينيات عندما كانت الولايات المتحدة قوة مبتدئة في المنطقة أكثر من كونها القوة المهيمنة عليها ، واعتمد ويلفورد فى كتابه على وثائق حكومية أمريكية نـُزعت عنها صفة السرية بسبب تقادم الوقت ، وعلى أوراق شخصية ومذكرات لمن يُسمِّيهم ( الجيل الأول من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية فى الشرق الأوسط ) وهم كيرميت روزفلت حفيد الرئيس الأمريكى تيودور روزفلت ، وابن عمه آرشى روزفلت وهو باحث فى شؤون الشرق الأوسط وكان رئيسا لمحطة الوكالة فى كل من بيروت ودمشق ، ومايلز كوبلاند مؤلف كتاب ( لعبة الأمم ) ، ويذكر ويلفورد أن مهمة ثلاثي المخابرات الأمريكية كانت العمل على استبدال الهيمنة الاستعمارية البريطانية في الشرق الأوسط بالهيمنة الأمريكية باسلوب التدخل الأمريكى النظيف من خلال التظاهر بدعم العرب والمسلمين فى حربهم من أجل الاستقلال ، ومارست المخابرات الأمريكية نشاطاتها متسترة وراء ( جماعة أصدقاء أمريكا فى الشرق الأوسط ) التي تمَّ تأسيسها في عام 1951 م وكانت لها فروع فى مصر وسوريا ولبنان .

وعلى الرغم من الصراع الخفي بين المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية للإستحواذ على زعامة النفوذ الغربي في المنطقة العربية فإن البريطانيين والأمريكان ، بتحريض من اليهود ، إلتقوا في السنوات الأخيرة من الأربعينيات على اعتبار جماعة الإخوان المسلمين خطراً على مصالح الغرب ومخططاته ومصالحه في المنطقة ، واتفق الأمريكان مع الإنجليز واليهود على وضع هدف ( منع الإخوان المسلمين من الوصول إلى الحكم في مصر ) على رأس قائمة أهدافهم الإستراتيجية في المنطقة العربية ، وقد كشف عن ذلك رجل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند الذي التحق بأول خلية للمخابرات الأمريكية في السفارة الأمريكية بالقاهرة في عام 1947م في كتابه ( لعبة الأمم ) ، وقد ترجم الكتاب إلى العربية الأستاذ مروان خير ونشر في بيروت في عام 1970 م ، ويشير كوبلاند في كتابه إلى نجاح جماعة الإخوان المسلمين في قيادة الشارع الجماهيري في مواجهة النفوذ البريطاني في مصر وفي مواجهة الفساد السياسي الذي كانت تمارسه الأحزاب بمباركة الملك فاروق ويقول كوبلاند في هذا الصدد : ( إن الحركتين الثوريتين في مصر (الإخوان المسلمون) و (الحزب الشيوعي) تعتقدان أن الشعب المصري بفلاحيه وعماله وموظفيه ومهنييه قد وصل سخطه إلى درجة الغليان وأنه يمكن أن ينفجر في أية لحظة ) ، ويعترف كوبلاند في كتابه أن هاجس قيام ثورة شعبية في مصر يقودها الإخوان المسلمون دفع بوزارة الخارجية الأمريكية إلى تبنـِّي فكرة قيام انقلاب عسكري لتفويت الفرصة على الإخوان المسلمين لقيادة ثورة شعبية تدفع بهم إلى زعامة مصر ، ويعترف كوبلاند أن وزارة الخارجية الأمريكية شكَّـلت في نهاية عام 1951م لجنة خبراء سرِّية لدراسة العالم العربي مع التركيز بشكل خاص على ( الحالة المصرية ) برئاسة أحد كبار مُخطــِّـطي المخابرات الأمريكية في وزارة الخارجية الأمريكية المستر  كيرميت روزفلت ، ويضيف كوبلاند أن اللجنة رأت وجوب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في ( الحالة المصرية ) لقطع الطريق على أية إمكانية لقيام ثورة شعبية يقودها الإخوان المسلمون تؤدِّي إلى وصولهم لحكم مصر[٣].

هل كان الإخوان السبب في دعم أمريكا لثورة يوليو؟

لقد كان الوضع في مصر ينبئ بثورة تدق الأبواب بعنف ... وكان حصاد هذا التغيير في صالح إحدى القوتين إما الشيوعيين أو الإخوان المسلمين، وهو ما أفزع الأمريكان والغرب ولذا كان القرار بدعم شباب الضباط مع تعهدهم بتنحية الإخوان والشيوعيين أو القضاء عليهم وهو ما حدث بعد ذلك.

لا أحد ينكر دور الإخوان المسلمين في مساندة الثورة وتأييدها من أول يوم وهو ما اكده عضو مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف البغدادي في مذكراته بقوله:[ الحقيقة أننا رأينا استثناء جمعية الإخوان المسلمين من هذا الحل لسابق اتصالنا بها ، وتعاونها مع تنظيم الضباط الأحرار ، وموقف التأييد منهم ليلة قيام الثورة] .[٤]

لقد كانت القوة الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما خشاه الأمريكان من أن يأتي الإخوان للحكم، حيث يذكر فاروق أثناء مغادرته أرض مصر قوله: [إن الاخوان المسلمين هم الذين قلبوا عرشي، ولم يكن رجال الثورة إلا العوبة بأيديهم، ولقد أراد الاخوان المسلمون ضربي في عرض البحر لولا أني أمرت ربان السفينة فغيَّر اتجاهها] [٥].

وهو ما يؤكده عبدالناصر في حوارته التي نشرتها مجلة المصور تحت عنوان [قصة ثورة الجيش من المهد إلى المجد] ووثقها له الصحفي حلمي سلام حيث قال: كان يجمعنا وينظمنا المرحوم الصاغ (م . ل) – يقصد به الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان المسلمين»، وذكر عبدالناصر أنه «فى صيف 1944 التقى بمحمود لبيب فى جزيرة الشاى بحديقة الحيوان بالقاهرة، وتأثر بحديثه تأثرًا عميقًا حين حدثه عن ضرورة العقيدة وعن الهيئة (الإخوان المسلمين) [٦].

وهو ما يؤكده الضابط جمال حماد بقوله: لم يكن هناك للحقيقة والتاريخ أي حزب أو جماعة سياسية في مصر لديه الإمكانيات للتصدِّي للقوات البريطانية إلى جانب الجيش المصري سوى جماعة الإخوان المسلمين ، فقد كانت وقتئذ قوة شعبية منظمة ومتماسكة ، ولديها جماعات عديدة من المتطوعين المدربين والمزوَّدين بالسلاح والذين سبق أن أثبتوا شجاعتهم خلال حرب 1948 م  بفلسطين وأثناء معركة الكفاح المسلح ضد الإنجليز في منطقة قناة السويس في عام 1952 م ، لذا كان على تنظيم الضبَّـاط الأحرار ضرورة الإسراع لتوفير التأييد الشعبي لإنجاح الحركة ، وهكذا بدأ الاتصال بين قيادة جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الضباط الأحرار لوضع اللمسات الأخيرة للحركة ، وللاتفاق على دورهم في الثورة ، وسيناريوهات الحكم بعد نجاح الحركة ، وقد ثبت بما لا يقبل الشك أنه لم يكن لدى أحد من الأحزاب السياسية أو التنظيمات الوطنية علم مسبق بموعد حركة الجيش المنتظرة سوى قيادة جماعة الإخوان المسلمين ، ولم يكن موقف قيادة الجماعة بتاييد الحركة العسكرية مفاجئا ، لأن الجماعة كانت تعلم بوجود تنظيم الضبَّـاط الأحرار ودقائقه وأسراره حيث كان كثيرٌ من ضباطه من أعضاء الإخوان المسلمين[٧].

وذكر كمال الدين حسين (عضو مجلس قيادة الثورة): أنه اتصل هو وجمال عبدالناصر بالإخوان المسلمين فى ليلة الثورة وأطلعاهم على التفاصيل، وفى اليوم التالى كان هناك متطوعون من الإخوان على طريق السويس مع الجيش لمواجهة احتمال تحرش القوات البريطانية بالثورة[٨].

وتشير وثيقة بريطانية ثانية تحمل الرقم المسلسل 7/ E1016  إلى أن مجلس قيادة الثورة أصدر قراراً بحلّ كافة الأحزاب السياسية بتحريض من الإخوان ولم يُطبَّـق القرار على الإخوان للإبقاء عليهم كحليف قوي لدعم حركة 23 يوليو لما لها من نفوذ فى الشارع المصري.

ويذكر الدبلوماسى المصري الدكتور رضا أحمد شحاتة معتمداً على وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري أرسل إلى وزارته تقريرا بعد 48 ساعة من قيام حركة 23 يوليو قال فيه: ( إن أساس التخطيط للإنقلاب يضمُّ 20 من الضباط من بينهم عدد من أعضاء تنظيم جماعة الإخوان المسلمين التي تمتلك قدرا من القوة بين صفوف القوات المسلحة ، وإنه يكاد يكون من المؤكد أن لهم تأثيراً قوياً فى الإنقلاب لتشابه أهداف الإنقلاب مع أهدافهم المعلنة.[٩]

إذا كان تدخل أمريكا والموافقة على حركة الضباط في مصر كان للحيلولة دون وصول الإخوان المسلمين أو الشيوعيين لحكم مصر في تلك الفترة، وهو ما يؤكد التساؤل، لماذا صمتت دول الغرب على حركة يوليو 1952م؟.

هل تعاونت أمريكا مع ضباط ثورة يوليو؟

لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، فبحلول عام 1951، دخلت مصر حالة من الفوضى السياسية، وبدأ المجتمع الدولي يبحث عن بدائل للنظام المصري الملكي شريطة ألا يكون شيوعيا، وهو ما أكده الكاتب الأمريكي جيفرى أرونسن في كتابة [واشنطن تخرج من الظل.. السياسة الأمريكية تجاه مصر 1946-1956] هذه العلاقات والاتفاقات بين عبد الناصر والسفارة الأمريكية.

حيث يؤكد مترجم الكتاب الكاتب والمفكر محمد سيد أحمد فى تقديمه للكتاب قوله: لقد أثبتت الوثائق الواردة فى هذا الكتاب أن الرئيس الأمريكى ترومان لم يقف من حركة الجيش موقفًا لا يتسم بالمعارضة فحسب، بل إنه قد أوضح لأنتونى إيدن، وزير خارجية بريطانيا وقتذاك، أنه يساند الحركة، وأن الولايات المتحدة لن تؤيد تدخلًا أجنبيًا لإنقاذ الملكية.

كما يروي جيفري أرونسن بعض المناقشات التى دارت قبل حركة الجيش بأشهر فى مجلس العلاقات الخارجية الشهير بنيوريوك، وحيث قيل إن لا طبقة الباشوات، ولا الطبقات الفقيرة، كفيلة بالنهوض بمصر، وأن أصلح هذه الطبقات هى الطبقة الوسطى رغم حجمها المحدود. ولذلك كان هناك ما يبرر مساندة حركة تنبثق من هذه الطبقة الوسطى، كحركة من مصر تضم الضباط الذين التحقوا بالكلية العسكرية بعد عام 1936م.

كما يورد جيفرى أرونسن أنه كانت للسفارة الأمريكية بالقاهرة صلة (ما) بالحركة التى قادها عبدالناصر قبل قيامها بأشهر، إن لم يكن عن طريق ضابط المخابرات الشهير كيرميت روزفيلت، فعن طريق الملحق الثانى بالسفارة بيل ليكلاند.

بل إنه يورد وثائق تثبت أن واشنطن قد احتضنت الثورة فى البداية، وأحست بأن الضباط الأحرار أكثر قدرة وأهلية من الملك ونظامه الفاسد للنهوض بالإصلاحات الكفيلة بالحيلولة دون نشوب «ثورة حمراء» وعلى نحو يكفل انتماء مصر والشرق والأوسط إلى النظام الغربى وتحالفاته وأحلافه.

ولذا كانت نظرة عبد الناصر للغرب في ذلك الوقت غير النظرة التي اتسم بها بعد ذلك وتحوله ناحية الدولة الشيوعية حيث يقول جيفري: قال عبدالناصر لدالاس، وزير خارجية الرئيس الأمريكى ايزنهاور، إن نوعية «الوطنية» التى ترفع رايتها حركة الجيش هى القوة الوحيدة الكفيلة بمنع انتصار حركة ثورية فى مصر تتسم بالعداء الأصيل للغرب[١٠].

لقد كانت أمريكا تهدف على جعل مصر إحدى رعاياها من أجل ضمان سياستها ومصالحها ويتعين عليها تبنى أيديولوجيته، وأن التنمية المصرية تأتى من خلال انفتاحها للاستثمارات الغربية، وأن على مصر أن تقيم سلامًا وطيدًا مع إسرائيل كأساس لاستكمال وترسيخ وجهتها الغربية

ولذا زاد اهتمام أمريكا بالحياة السياسية الداخلية المصرية على حساب البريطانيين مع وقوع أحداث حريق القاهرة في يناير 1952م ، وهو الوقت الذى كانت فيه واشنطن تميل فيه بصورة متزايدة إلى النظر للضباط العسكريين من الرتب المتوسطة باعتبارهم أفضل الأدوات للحفاظ على المصالح الأمريكية فى بلدان الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الاستجابة الأمريكية الإيجابية لانقلاب 23 يوليو[١١].

هل كان هناك فعلا تحالفات متشعبة؟

نعم كانت هناك تحالفات متشعبة ترتكز في المقام الأول على حماية المصالح الأمريكية ونفوذها الذي ورثته من الأمبروطورية البريطانية والدولة الفرنسية بالإضافة لحماية إسرائيل وهو الهدف الأكبر لها.

لقد هدف الأمريكان من مناصرتهم لثورة الضباط الأحرار:

1- منع قيام ثورة راديكالية في مصر تقضي على الاستعمارين البريطاني والأمريكي.

2- حماية إسرائيل.

3- تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في العالم العربي، وإحلال النفوذ الأمريكي – وليس الروسي- محلهما.

4- تحويل مصر لمنطقة النفوذ الأمريكي، وقطع الطريق على الإخوان[١٢].

لقد تقابل روزفلت مع عدد من شباب الضباط الأحرار وعلى رأسهم عبد الناصر، حيث كتب لإدارته أن هذا التنظيم قد يقوم بانقلاب عسكري خلال الفترة المقبلة وأنه حال اندلاع هذا الانقلاب، لا يجب على أمريكا أو بريطانيا الوقوف ضده، لأن أغلب عناصره مؤيدون للقومية العربية بعيدا عن المحور السوفياتي، وسوف يقومون بتعطيل الدستور الليبرالي ما يمنع وصول الشيوعيين إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع.

وهو ما أكده محمد سعد عبد اللطيف – حفيد على ماهر باشا- بقوله: في هذا الشهر (مارس 1952) كان كيم روزفلت قد اتصل بعبد الناصر وعرض عليه مساعدة أمريكا فقبل بشرط أن يستبعد الاخوان المسلمين والشيوعيين عن الانقلاب، فقام عبد الناصر بفصل عبد المنعم عبد الرءوف.

ورجع روزفلت في أيار (مايو) إلى أمريكا وقال لهم ان الإخوان والشيوعيين قد استبعدوا من ميدان المجيء إلى الحكم واقنع أمريكا بالموافقة على إبعاد فاروق ودار الحديث وتم العقد[١٣].

كانت أمريكا تخشى أن تسقط الملكية بدون أن تقدم عنها بديلا، ولذا تحرك رجالها وهم ستيفن ميد (السفير الأمركي في سوريا) الذي انتقل إلى القاهرة في هذا الوقت أو بعده بقليل, وجيفر سون كافري سفير أمريكا في القاهرة حيث التقيا مع وليم ليجلان وكذلك كيم (كيرمت) روزفلت وانضم إليهم فيما بعد خامس من مخابرات أمريكا وهو (مايلز كوبلاند) هؤلاء الخمسة كان لهم دور كبير في سياسة المنطقة وإدارة دفة الأمور في مصر وما حولها.

كان السفير الأمريكي في مصر (كافرى) يشعر بخطر الشيوعية الداهم ليس على مصر وحدها بل على الشرق الاوسط ، فمصر هى قلب العالم العربي . ومن ثم فإنها صارت بذلك منطقة استراتيجية وحيوية للدفاع عن الغرب. وقد عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي الاسبق ايزنهاور بقوله إن (قناة السويس هى شريان الدم بالنسبة الى الغرب) .

كان كافرى يتكلم كثيراً مع كل من يقابله من الساسة المصريين عن مخاوفه من الشيوعية . وعندما قال له احدهم: (انك تبالغ فى خطر الشيوعية فى مصر ، إنها ليست مستأصلة الجذور)، قال له كافرى: قد لا تكون الآن ، ولكنى واثق من استفحالها فى القريب[١٤].

ويذكر الرئيس محمد نجيب في مذكراته ان الملك فاروق حاول الاستعانة بالقوات الانجليزية لمواجهة الانقلاب .. لكن المفاجأة ان الرئيس الامريكى ترومان رفض بشدة أي تدخل فى شئون مصر !!

وفى شهادة على صبرى نائب عبد الناصر ومدير مخابراته انه قابل عبد الناصر ليلة الثورة فطلب منه ناصر ان يذهب الى السفارة الامريكية ويطلب منهم تنفيذ وعدهم له بعدم تدخل بريطانيا نصرة للملك .. يعنى أمريكا كانت تعلم موعد الانقلاب[١٥].

أخيرا

لم تكن علاقة عبدالناصر بالمخابرات الأمريكية مجرد محاولة لمنع تدخل الإنجليز ضد انقلابه على الملك؛ ولكن المخابرات الأمريكية كانت ضالعة منذ البداية في ترتيب تحركات عبد الناصر وجماعته. ويمكننا أن نقول أن أمريكا خططت لوقف تمدد الشيوعية وسحب البساط من الإنجليز بدون تدخل عسكري، كما أفرغت المجتمع المصري من نذر الثورة (بقيادة الإخوان المسلمين) .. كل ذلك في ضربة واحدة!

المصادر

  1. محمود حسين: ثورة يوليو.. لماذا قامت ثورة يوليو المصرية؟، 8 ديسمبر 2016، https://bit.ly/3KjHujS
  2. محمد سعد عبد اللطيف: تمثيلية 52 بين خيانة الأسلام والتآمر مع الأعداء، 7 مارس 2010، https://bit.ly/3Sr1OCd
  3. زياد أبو غنيمة: الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الثامنة)، 30 ديسمبر 2017، https://bit.ly/3Z1JO33
  4. مذكرات عبد اللطيف البغدادي: المكتب المصري الحديث، القاهرة، الجزء الأول، 1977م.
  5. فاروق بين القمة والحضيض 1920- 1965م: ترجمة لويس سعد، الناشر غير معروف، 1953م.
  6. ماهر حسن: ثورة «23 يوليو»..من رحم الظلم إلى أفق الحرية، 21 يوليو 2011، https://bit.ly/3YGEnq
  7. جمال حماد: أسرار ثورة 23 يوليو، طـ2، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2010م.
  8. مذكرات كمال الدين حسين: مجلة المصور، يوم 26/  12 / 1975م.
  9. رضا أحمد شحاته: تطور واتجاهات السياسة الأمريكية نحو مصر من انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 حتى انتهاء حرب السويس 1956م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995م.
  10. جيفري أرونسن: واشنطن تخرج من الظل.. السياسة الأمريكية تجاه مصر 1946-1956، تقديم محمد سيد أحمد، وترجمة سامى الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية ببيروت لبنان، ودار البيادر للنشر والتوزيع بمصر، 1987م.
  11. لوسي عوض: ترجمات.. الكاتب الأمريكى جيفرى أرونسن يكشف بالوثائق: ثورة يوليو بعيون أمريكية، 19 يوليو 2022م، https://bit.ly/3Ixo4qt
  12. محمد ممدوح: هل كانت يوليو ثورة؟ وهل كانت أمريكية؟، 23 يوليو 2015،
  13. محمد سعد عبد اللطيف: تمثيلية 52 بين خيانة الأسلام والتآمر مع الأعداء، 7 مارس 2010، https://bit.ly/3Sr1OCd
  14. أحمد مرتضى المراغي: غرائب من عهد فاروق وبداية الثورة المصرية، دار النهار للنشر والتوزيع، بيروت، 1976م.
  15. محمد جلال كشك: ثورة يوليو الأمريكية علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية، الزهراء للإعلام العربي، 1988.