محمد أبو شمالة رحلة في صفوف القسام
حياته
ولد محمد إبراهيم صلاح أبو شمالة وكنيته "أبو خليل" في الأول من فبراير/شباط 1974 في مخيم يبنا للاجئين جنوب مدينة رفح بقطاع غزة.
هاجرت أسرته من قرية بيت دارس عام 1948، بعد المذابح التي تعرض لها الفلسطينيون على أيدي العصابات الصهيونية، حيث توفي والده وهو لم يتجاوز بعد عامه الثالث، كما عانت عائلته الممتدة حياة التهجير واللجوء الصعبة.
صفاته
كان من محبي القراءة، إذ كان يتمتع بثقافة عالية خاصة في الجانب الديني، كما عُرف بموهبته في الإنشاد والتمثيل وصوته العذب في قراءة القرآن الكريم، وأيضا قدرته على الخطابة والإلقاء، امتلك موهبة الرسم والخط، وكان يهوى صيد العصافير.
تزوج يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2001 من فريال حسن النملة، وأنجبا 7 أبناء، 6 بنات وولد.
كما أدى مناسك الحج عام 2012 برفقة رائد العطار وأحمد الجعبري.
رحلته التعليمية
بدأ دراسته الابتدائية عام 1980 في مدرسة رفح المشتركة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) ثم انتقل إلى مدرسة رفح الإعدادية للذكور، التابعة أيضا للأونروا وتخرج منها عام 1990.
التحق بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية في غزة عقب تخرجه من الثانوية عام 1992، ولكنه لم يكمل دراسته بسبب تعرضه للاعتقال والمطاردة.
بين صفوف القسام
تشكلت شخصيته القيادية المقاومة منذ صغره، إذ انضم عام 1987 إلى جهاز الدعوة الإسلامية والتعريف بالقضية الفلسطينية، وبعد إعلان انطلاق حركة حماس انضم لشباب المخيم، وشارك في رشق الحجارة على مدرعات جيش الاحتلال، وإشعال إطارات السيارات، ووضع الحواجز الاصطناعية في الشوارع، وأصيب أثناء الانتفاضة الأولى بطلق ناري في قدمه.
شارك في كتابة شعارات المقاومة على الجدران، وطلب تزويد الجهاز بالسلاح لملاحقة العملاء.
والتحق بصفوف جهاز الصاعقة الإسلامي في يونيو/حزيران 1992، وبدأ التدرب على حمل السلاح، فكان ذلك مقدمة لانضمامه إلى صفوف كتائب القسام بداية عام 1993.
بدأ مشواره مع المقاومة بانتمائه لكتائب القسام مع كل من محمد الضيف ورائد العطار، وأصبح نائبا لقائد لواء رفح جنوبي القطاع، وعضوا بالمجلس العسكري الأعلى للكتائب.
مسيرة نحو امتلاك السلاح
بعد خروجه من سجون السلطة عام 2000، تولى مسؤولية جهاز القسام في جنوب قطاع غزة، وحول بيته إلى ورشة لتصنيع قذائف الهاون، وكانت أول ورشة في جنوب القطاع.
توجت مسيرته في كتائب القسام بتصنيع وتطوير العبوات القسامية، فقد أنتج عبوة ثاقب وطوّر عبوة شواظ، وشارك مهندسي القسام بإنتاج نماذج عُرفت بالعبوة البرميلية التي يزيد وزنها عن 50 كيلوغراما، وأنتج قاذفا صاروخيا برفقة رائد العطار.
تمكن من تطوير العتاد العسكري وإدخال السلاح لقطاع غزة بالتعاون مع محمود المبحوح، فقد امتلكت القسام سلاح (آر بي جي) وعبوات وصواريخ مضادة للأفراد والدروع.
الاعتقال
اعتقل في سجون الاحتلال مرة واحدة عام 1989 في سجن النقب الصحراوي مدة 11 شهرا، وبعد الإفراج عنه بدأ الاحتلال بمطاردته لإعادة اعتقاله.
وفي أواخر عام 1995 اعتقلته قوة من استخبارات السلطة الفلسطينية 7 أشهر، ثم أعادت اعتقاله نحو 5 أشهر ونصف عام 1996 عقب استشهاد القيادي القسامي يحيى عياش.
بقي مطاردا من أجهزة السلطة حتى اعتقلته مع القائد رائد العطار عام 1999، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، أما العطار فقد حكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص، ولكنهما خرجا مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.
محاولات اغتيال فاشلة
نجا عام 2002 من محاولة اغتيال بطائرة استطلاع إسرائيلية في مخيم بشيت برفح، وذلك عقب مغادرته اجتماعا عُقد مع كتائب أحمد أبو الريش. وفي العام ذاته حاول الاحتلال اغتياله باستهدافه مع العطار بمدينة خان يونس.
وفي أبريل/نيسان 2003 اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي مخيم يبنا وحاصرت منزله بسبب معلومات أفادت بوجوده مع العطار، وأثناء تفتيش المكان أتيحت الفرصة لأحد المقاومين الفلسطينيين ليقنص جنديين، ثم بدأ زملاؤه بإلقاء القنابل على الجنود ما أدى لتفجير المنزل.
في الوقت نفسه كان أبو شمالة والعطار بانتظار انسحاب الآليات للاشتباك معها، وعندما حان المراد أطلقا قذائف (آر بي جي) على الدبابات، مما أدى لانسحاب جيش الاحتلال من المكان فورا.
مهام عسكرية
قاد العديد من العمليات الجهادية وعمليات ملاحقة وتصفية العملاء في الانتفاضة الأولى، وشارك في ترتيب صفوف كتائب القسام في الانتفاضة الثانية، وعُين قائدا لدائرة الإمداد والتجهيز، وأشرف على العديد من العمليات الكبرى مثل عملية "براكين الغضب" و"محفوظة" و"حردون" و"ترميد" و"الوهم المتبدد".
كما كان من أبرز القادة في معارك "الفرقان" و"حجارة السجيل" و"العصف المأكول". وتولى قيادة جميع عمليات حماس في القطاع الجنوبي، وفي منطقة رفح وخان يونس، أبرزها عملية أسر الضابط هدار غولدن. كما أشرف برفقة العطار على العديد من العمليات العسكرية منها:
- تفجير برج موقع حردون العسكري في ديسمبر/كانون الأول 2003.
- تفجير موقع محفوظة العسكري بالكامل في يونيو/حزيران 2004، مما أدى لمقتل 7 إسرائيليين وإصابة 30.
- اتهمته المخابرات الإسرائيلية بقتل ضابط إسرائيلي في رفح عام 1994، والتخطيط لعمليات من خلال حفر أنفاق مفخخة عام 2004، والوقوف وراء تخطيط العملية التي وقعت في معبر كرم أبو سالم (جنوب القطاع) عام 2008، والتي فجر خلالها "جيبات" (سيارات دفع رباعي) وسيارات مفخخة، مما أدى إلى إصابة 13 جنديا.
كما كان مسؤولا على عملية منطقة كرم أبو سالم عام 2006، والتي قتل فيها جنديان، وأسر خلالها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أطلق سراحه بصفقة وفاء الأحرار عام 2011، وكان أبو شمالة من أركان الوفد المفاوض للصفقة بدءا من مرحلة المفاوضات وحتى التسليم.
وصفته وسائل إعلام إسرائيلية آنذاك بأنه ضمن القادة الأبرز المرشحين لتولي قيادة القسام بعد اغتيال إسرائيل نائب القائد العام لكتائب القسام أحمد الجعبري عام 2012.
استشهاده
استشهد إثر غارة إسرائيلية استهدفت بناية سكنية في حي تل السلطان غرب مدينة رفح فجر الخميس 21 أغسطس/آب 2014، في اليوم 44 لحرب "العصف المأكول"، واستشهد معه زميلاه محمد حمدان برهوم ورائد العطار، بعدما كان أحد أركان الوفد المفاوض لصفقة وفاء الأحرار من مرحلة المفاوضات وحتى التسليم، وشيعت جنازتهم من مسجد العودة بقطاع غزة.
حياة أسرية خاصة
في أحد أيام العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014م، تُحدث فريال أبو شمالة "أم عبد الله" زوجها القيادي البارز في كتائب عز الدين القسام محمد أبو شمالة: "لقد أذابت مشاهد المجازر قلبي.. أتمنى أن أخرج لأداء العمرة أو الحج معك أشعر وكأن قلبي يحتاج لعلاج"، ليرد عليها وكأنه يشعر بأحاسيس داخلية لقرب الرحيل "قد لا يشفى قلبك لسنة أو لعشر سنين من حجم ما رأيتيه"، وقبل استشهاده بلحظات قال لمن احتضنوه في بيتهم "أمنيتي بأن أحج مع أم عبد الله".
تقول زوجته: لم يهن عليه أن يفارقنا، رحيله أكبر مصاب في حياتي، سُمعة أبو عبد الله التي تركها هي إرث أعظم من كل الآثار، وهي شرف يعيش معنا في كل مكان". لكن قبل ثلاثة أيام من استشهاده رأت "أم عبد الله" زوجها، "كان مشرق الوجه، حدثني ورسم خارطة طريق لي للحياة بدونه في تربيتي للأولاد" كانت تدور تساؤلات داخلية في نفسها وهي تستمع لحديثه "ماذا يحدث؟، لماذا يتحدث هكذا، هل يعلم أنه هناك من يتتبعهم"، لكنه طمأن قلبها "أتمنى أن يرزقني الله بتوأم أولاد إن أعطاني عمرا".
كان يجتهد في اقتناص الفرص ليعوضنا عن الأيام التي يحدث فيها تصعيد أو في الأيام التي يغيب فيها عنا لمدة أسبوع أو أسبوعين".
كانت تجهل أبو شمالة إلا بعد استشهاد زوجها أنه كان يساعد مرضى السرطان ويحضر لهم جرعات الكيماوي من مصر كونه مسؤولا عن الإمداد في كتائب القسام، "كان خفيف الظل، صاحب ابتسامة يحتوي الكبير والصغير، يكره النفاق والظلم والكذب ويحب إعطاء فرصة حتى للمخطئ".
كنت أعرف أنه مسؤول كبير في كتائب القسام دون معرفة تفاصيل عمله، وبمجرد خروجه من البيت كنت أستودعه الله، مع صوت كل صاروخ أو انفجار كنت أخشى أن يكون المستهدف، أو يأتي من يخبرني باستشهاده، في زواجنا كنت مسرورة بأن تقدم لي شخص مقاوم لأنها كانت أقصى أمنيتي الارتباط بإنسان مقاوم". لكن وبعد أن تحققت أمنية ارتباطها بشخص مقاوم، لم تتخيل أن تصل المعاناة والمشقة إلى الخروج بمنتصف الليل من البيت حينما يحدث تصعيد، أو تنتقل من بيت لآخر، فكانت فترة ما بعد أسر "شاليط" أكثر فترة شعرت بها "أم عبد الله" بالقلق على زوجها، لكنها لم تعلم أنه المسؤول المباشر عن إخفائه. ذات ليلة باردة، وبينما كان أبو عبد الله يقيم الليل ويدعو أن يرزقه الله الشهادة، التف فوجد زوجته تسمعه، نظر إليها قائلا: "أعلم أنك تتثاقلين من طلبي للشهادة، لكن لا يوجد أغلى من الجنة والشهادة وأنا لا أتمنى الموت على فراش"، لكن زوجها الذي تربى يتيما بعد وفاة والده وهو طفل لا يتجاوز العامين يقول: "أكثر شيء يؤثر بي أنت كيف ستعيشين بعدي؟ كيف ستفتقدينني؟ فأنا حزين عليك مسبقا".
حياة مقاوم
لم يكن التقاء القائدين رائد العطار ومحمد أبو شمالة إلا فرصةً لاتحاد عقلين فذّين كرّسا حياتهما لأجل وطنهما، فكبرا وكبر حب وطنهما بداخلهما، ومن الحجر الذي حملاه اشتريا مسدسًا مع بداية التسعينيات، ونفّذا عمليات فدائية كشفت عن عقليتهما الفذة، وأهّلتهما فيما بعد لقيادة مشروع المقاومة برفقة قادة آخرين. حرمتهما المطاردة والملاحقة الإسرائيلية من إكمال الدراسة الجامعية، واشتدت مع قدوم السلطة عام 1994، إذ اعترضت سيارة تابعة للأمن الوقائي سيارة كانا يستقلّانها، وأُصيبا بإطلاق الرصاص عليهما، إذ دخل "أبو شمالة" غرفة الإنعاش وكان بين الحياة والموت، وأُصيب "العطار" في قدمه، وبعدها بعام اعتُقل "أبو شمالة" سبعة أشهر تعرض فيها لحالة تسمم شديد أُدخل على إثرها إلى المشفى، واعتُقل رفيق دربه خمسة أشهر. ولادة ثانية "قررت محكمة أمن الدولة الحكم على رائد العطار بالإعدام رميًا بالرصاص، ومحمد أبو شمالة بالأشغال الشاقة المؤبدة".. بهذا القرار قررت السلطة التخلص منهما، لكنها لم تدرك حجم تجذُّر محبة الرجلين في نفوس أبناء شعبنا الذي شكّل حاضنة لهما، فخرجت مظاهرات واحتجاجات متواصلة قمعتها أجهزة أمن السلطة واستُشهد مواطن في إثر ذلك، ما أجبر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات آنذاك على التدخل ووقف القرار الذي صدر في العاشر من مارس/ آذار 1999.