محمد عبدالمنعم شعلة الإخوان في الإسكندرية
أهل العلم والعلماء المخلصين دائما يحلقون في سماء العلم، ويعتبرون في الأرض هداتها وحداتها، وذهابهم مصيبة تصيب الأرض، ونقمة وثُلمة في الدِّين لا يسد شيء مسدها، ورحيل الأستاذ محمد عبدالمنعم بعد رحلة جهاد تجاوزت الـ95 عاما خلفت حزنا شديدا وسط العاملين في الحقل الدعوي بمصر.
نهاية الرحلة
ما إن أشرقت شمس يوم الجمعة 3 من صفر لعام 1448هـ الموافق 17 من يوليو لعام 2026م حتى استيقظ الناس على خبر رحيل الداعية وأحد الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين بمدينة الأسكندرية الأستاذ محمد عبدالمنعم (عضو مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين) الذي ظل مناصرا لدعوته ودينه وأبتلى في سبيله بالكثير من المحن، كما وهب نفسه لقضية فلسطين وقضايا الأمة العربية والإسلامية عن عمر ناهز الـ95 عاما.
حيث شيعت جنازته من مسجد الشوربجي بباكوس الإسكندرية وورى الثرى بمقابر أبو النور بالظاهرية.
مولده
هو محمد عبد المنعم محمد حسن، (فاسمه مركب فهو محمد عبد المنعم ووالوالده محمد حسن).
ولد في 14/6/1931 بمدينة الإسكندرية، حيث حرص والداه على تربيته تربية إسلامية والمحافظة على الصلوات في المساجد منذ الصغر، قبل أن يلتحق بالتعليم في مدارس الإسكندرية المختلفة حتى التحق بالجامعة وحصل على ليسانس الآداب سنة 1957 من جامعة الإسكندرية قسم التاريخ والآثار (بعد اعتقاله عامين في محنة عام 1954م) ثم أكمل رحلته العلمية وحصل على دبلوم معهد التربية العالى للمعلمين سنة 1958م.
التخرج والعمل
بعد تخرجه التحق بالسلك التعليمي فعمل بداية في مدرسة خاصة حيث كان التعيين ممنوعا أيام عبد الناصر بالنسبة لمن سبق اعتقالهم، قبل أن ينتقل للعمل في إحدى مدارس بالإسماعيلية من سنة 1960 إلى سنة 1963 وهي مدرسة الإسماعيلية الإعدادية بنين.
وثم انتقل للتدريس من سنة 1963 إلى 1965 إلى دار المعلمين بفاقوس شرقية، قبلأن يعتقل للمرة الثانية من 1965 إلى 1971م.
بعد خروجه عام 1971 أعيد للتدريس مرة أخرى إلى "فاقوس" فى الزقازيق، قبل أن يعار سنة 1972 إلى ليبيا حيث مكث أربع سنوات فيها وعاد سنة 1976 إلى الإسكندرية فى مدرسة تجارة لللبنات ثم سنة 1979 عين مدرسا فى مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية ثم من 1980 إلى 1986 كان مدرسا أول ثم وكيلا فى دار معلمات الرملة إلى أن استقال استقالة تيسير معاش مبكر سنة 1986م.
بعد استقالته من العمل الحكومي عمل بمدرسة المدينة المنورة سنة 1998 قبل أن يصبح مديرا لمدرسة المدينة المنورة بنات، وفي نفس الوقت عمل مديرا لمكتب التدريب والتطوير التربوى بمدارس المدينة المنورة.
الزواج
تزوج سنة 1980 ورزقه الله بأحمد تخرج في كلية الهندسة قسم ميكانيكا، ونهى تخرجت فى صيدلة الإسكندرية.
وسط الإخوان
تعرف على هذه دعوة الإخوان المسلمين منذ سنة 1950م وقت أن كان طالبا فى كلية الآداب، حيث عرفها عن طريق النشاطات والمحاضرات التي كان يلقيها طلبة الإخوان ودعاة الإخوان المسلمين من الرعيل الأول أمثال الأستاذ مختار عبد العليم رحمه الله والأستاذ على فهمى طمان رحمه الله حيث كانوا يتلمسون طريق استئناف نشاط دعوة الإخوان بعد محنة الحل سنة 1948م.
يقول الأستاذ محمد عبدالمنعم: ولفت نظرى أننا كنا نبحث عن طريق للإصلاح، وكنت أسمع عن دعوة الإخوان منذ كنت فى المدارس الثانوية، ولكن لم يشأ الله –عز وجل- أن التقى بالإمام الشهيد "حسن البنا" ولم يشأ الله أن انخرط فى سلك دعوة الإخوان لأن الظروف فى ذلك الوقت لم تكن مواتية لنا كما هو الآن لأن الدائرة كانت محدودة المدرسة البيت فقط، وكانت العلاقات محدودة، ولكن سنة 1950 تعرفت على الدعوة، ولما أعيدت الدعوة بصفه رسمية سنة 1951 وكان مقر المكتب الإدارى فى شارع الإسكندرانى رقم (104) فى محرم بك، وشاء الله عز وجل أن نستأنف مسيرتنا الدعوية مع إخواننا إلى عام 1954 حيث كان قرار الحل وكانت محنة 1954.
محنته
اعتقل محمد عبدالمنعم من 1954 إلى إبريل 1956م وقتها تعرف على كثير من الإخوة الكرام وظل في السجن لمدين عامين حتى خرج سنة 1956، حيث عاد للجماعة واستكمل تعليمه وعمله، إلى أن جاءت محنة 1965، حيث تم اعتقاله للمرة الثانية وتنقل من بعد السجن الحربى إلى سجون عديدة إلى أن أفرج عنه آخر دفعة فى 16/10/1971.
البعث الثاني للجماعة
بعدها سافر إلى ليبيا قبل أن يعود للإسكندرية ويستقر فيها ويجوب ويشارك إخوانه في إعادة إحياء جماعة الإخوان المسلمين حيث كان له دور كبير في تربية الشباب والتأريخ لمسيرة الحركة، والتضامن مع قضايا الأمة والقضية الفلسطينية وظل كذلك مع مرور السن حتى وفاته.
كتب عنه بعض إخوانه الذين عايشوه وتتلمذوا على يده فقالوا:
عاصر الرعيل الأول فعرف الدعوة علنية و دعا إلى علنية الدعوة، و فهم انها دعوة حب للمجتمع، لا استعلاء على المجتمع ، علم ان الحب في الله هو عنوان الاخوة و ليست العلاقات التنظيمية الجافة
عرفناه قويًا في الحق، لا يعرف المساومة على المبادئ، ولا يبيع يقينه بثمنٍ من الدنيا. كان شجاعًا، ولكن شجاعته لم تكن صخبًا ولا اندفاعًا، بل كانت شجاعة العالم الذي يرى الحق واضحًا فلا يتردد في حمله، وشجاعة المؤمن الذي يعلم أن الكلمة الصادقة قد تكلف صاحبها الكثير، لكنها لا تسقط أبدًا من ميزان الله.
وكان إذا تكلم شعرت أن البيان قد اختار لسانه. لم يكن يطلب إعجاب السامعين ببلاغته بل كان يبحث عن هداية القلوب بصدق عبارته.
خرجت كلماته من قلبٍ عامر بالإيمان، فدخلت القلوب بلا استئذان لأنها لم تكن كلماتٍ مصنوعة وإنما كانت مواقف نطقت قبل أن تتكلم الألفاظ.
ثم جاءت المحن… وهي الامتحان الذي يكشف معادن الرجال. فرأيناه كما عهدناه؛ ثابتًا لا تهزه العواصف، صابرًا لا تفتُّ في عضده الشدائد، مطمئنًا بوعد الله، راضيًا بقضائه، يعلم أن طريق الدعوات لا يُفرش بالورود، وأن ورثة الأنبياء لا بد أن يحملوا نصيبهم من الابتلاء.
لقد علّمنا أن الثبات ليس شعارًا يُرفع، بل عبادةٌ تُمارس.وأن الصبر ليس احتمال الألم فحسب، بل حسن الثقة بالله أثناء الألم.
وأن المربي الحق هو الذي يظل واقفًا حين يجلس الآخرون، ويظل ناطقًا بالحق حين يختار الناس السلامة.
لم يكن همه أن يُذكر اسمه، بل أن تبقى الفكرة، وأن تستمر الرسالة، وأن يحمل التلاميذ الأمانة من بعده. ولذلك فإن أعظم وفاءٍ له ليس أن نبكيه طويلًا، وإنما أن نحفظ العهد الذي عاش من أجله،وأن نصون المبادئ التي ربانا عليها،وأن نبقى أوفياء للحق الذي أفنى عمره في خدمته.
إن الرجال الكبار لا تنتهي حياتهم عند شواهد القبور، بل تبدأ مرحلة أخرى من الحياة في ذاكرة الأمم، وفي ضمائر تلاميذهم، وفي كل عمل صالح كان لهم فيه أثر، وفي كل نفس اهتدت بكلمة، أو استقامت بتوجيه، أو ثبتت بموقف.
كما نعته جماعة الإخوان المسلمين في بيان بقولها: لقد كان الفقيد من الرعيل الأول الذي حمل أمانة الدعوة، وصبر على الابتلاء، وقضى سنواتٍ من عمره في السجون والمعتقلات، وظل ثابتًا مرابطاً مع إخوانه بعد الانقلاب حتى لقي ربه من غير أن يبدل أو يغير ، مستلهمًا معاني الصبر والإيمان.
وعُرف الأستاذ محمد عبد المنعم بدماثة الخلق، والتواضع، والإخلاص، وبذل الجهد في خدمة دينه ووطنه وأمته ، كما ترك سيرةً طيبةً في مجال التربية والتعليم، وفي العمل الدعوي والتربوي.