محمد محسوب يكتب : مصر التي يُنكرونها

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
محمد محسوب يكتب : مصر التي يُنكرونها


محمد محسوب.jpg

( 28 أكتوبر 2017)


وقف الجنرال سعيدا بما قاله السيد ماكرون، بأن مصر “دولة” لا تشاطرهم الإيمان بنفس القيم (يقصد قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان”، وأن مصر ليس فرنسا والقاهرة ليست باريس (من حيث استحقاق كل منهما للحقوق والحريات الأساسية”.

تشجع الجنرال من تلك المساندة التي لم يكن يحلم بها، فانطلق على نفس الدرب “مصر مش أوربا حيث الحضارة” في مصر لا تعليم ولا صحة، فلما تسألون عن الحرية؟ وكأني أرى الخديوي توفيق وهو يضحك مع الحاكم العسكري الإنجليزي قبل أن يوقع على قرار إلغاء مجلس شورى النواب وعدم الحاجة للنظارة (مجلس وزراء) والاكتفاء بالحاكم العسكري من بلاد الحضارة.

كارثة تتكرر كل عدة عقود، حيث تحتشد أوربا خلف دكتاتور عندنا فترجح كفته في مواجهة الشعب.

لو أن مصر أو المغرب وقفت بجوار الملكية الإنجليزية في حربها ضد البرلمان، أو وقفت من الملك الفرنسي ضد الثورة الفرنسية بدعوى أن الشعب الفرنسي لا يؤمن بقيم الحرية، ربما لم تهنأ اليوم أوربا بالحقوق والحريات التي تفاخر بها ونغبطهم عليها.

الشعب المصري سعى للديموقراطية في وقت ليس بعيد عن الثورة الفرنسة، فمنذ محمد علي وهو يحاول أن يفرض شكلا من مشاركة الشعب في الحكم وقواعد لمساءلة الحاكم، وآليات لمراجعة الميزانية ومراقبة الإنفاق المالي.

نجح الشعب في فرض إرادته في مسيرة بدأت منذ العام 1866 حيث تكون مجلس شورى النواب بوظيفة ثانوية، وبلغت ذروتها بفرض دستور فبراير 1882 الذي منح البرلمان سلطة التشريع ومراقبة الميزانية وسحب الثقة من الوزارة وقيد سلطات الخديوي. غير إن الحضارة الأوربية أرسلت لنا مبعوثها متمثلا في الجيش الإنجليزي ليحتل البلاد وينهي كل مظاهر الحرية (لأن مصر لا تشاطرهم نفس القيم).

عادت الحركة الوطنية تستنجد بفرنسا لمساعدتها على الضغط على إنجلترا لتحقيق استقلال وطني، فمكث مصطفى كامل فترة يخاطب الفرنسيين لمساندة القضية الوطنية، لكن المرحلة انتهت بإعلان الحماية الإنجليزية على مصر مع مطلع الحرب العالمية الأولى.

لم يجد الشعب بدا من الثورة، بعد أن أدرك أن أحدا لن يفتح له طريق الحرية واسترداد حقوقه سوى عرقه وكفاحه. كتبت ثورة 1919 بداية جديدة لحراك الشعب ناحية تكريس القيم الديموقراطية واحترام حقوق المواطن وحرياته الأساسية.

لا أعتقد أن دولة غربية أدانت إسقاط الدستور وإلغاء الأحزاب وإغلاق البرلمان بعد حركة ضباط 1952، لم تثر ثائرتها إلا عند تأميم شركة قناة السويس العالمية. فالشركات والمسائل المالية هي التي تُحرك الجيوش والأساطيل لدى بعض حكومات الغرب وتعيد شحن ماكينة الحديث عن الديموقراطية والحقوق والحريات.

أصبح ناصر دكتاتورا فقط عندما أمم القناة لا لأنه ألغى الديموقراطية، لكن مبارك تمتع باحتضان الغرب بأجمعه لأن المصالح الغربية أصبحت في أفضل أحوالها بينما لما يسأل أحد عن حقوق وحريات الشعب المصري.

اليوم تجد حكومات غربية في جنرال يستحقر شعبه كنزا ثمينا، يمنحهم العقود والأموال بكل كرم وأريحية، ولا تمثل له الثوابت الوطنية والقومية أية عوائق في التماهي مع الرؤى الغربية دون مراجعة.

فلما يعطونه دروسا في الديموقراطية لدكتاتور يحقق مصالحه؟

ندرك أن حكومات غربية لا تسعى لنشر الديموقراطية بقدر سعيها للدفاع عن مصالحها الآنية.

وندرك أنها سياسة أنانية قصيرة النظر وتستند لتحليل مجافي للواقع.

فالشعوب العربية التي بدأت حراكا نحو الديموقراطية والحقوق والحريات الأساسية لن تتوقف حتى تنجز غايتها، وسيكون عمر الدكتاتوريات هذه المرة أقصر مما تصوره دراسات توضع على مكاتب مسئولين غربيين.

ومع ذلك فلن نسمح لأنفسنا بأن نعطي دروسا للغير في طريقة سعيه لتحقيق مصالحه الاقتصادية.

غير إنه لا يجوز لأحد أن يحتقر شعبنا ويدعي أنه لا يؤمن بقيم الديموقراطية والحريات والحقوق الأساسية أو أنه أقل من شعوب أخرى تستحق تلك القيم. ربما العزاء أني أدرك أن ملايين الفرنسيين لا يُشاركون السيد ماكرون وجهة نظره.

المصدر