مريم معالي أسطورة في نضال المرأة الفلسطينية
بقلم : خالد معالي
الشهيدة مريم معالي أسطورة في نضال المرأة الفلسطينية ضد الاحتلال
عاشت فصول حياتها..فلسطين للجميع..وحدة الدم والمصير..معا نحرر فلسطين
فلسطين المحتلة- الضفة الغربية- السهل للصحافة
المرأة الفلسطينية وعبر الأجيال ما تزال تُثبت يوماً بعد يوم أنها تشكل حالةً نضالية متقدمة في تاريخ القضية الفلسطينية، فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية نحو العمل المقاوم، لم تتوانى المرأه الفلسطينية من مختلف قوى الشعب الفلسطيني في تقديم نفسها رخيصةً فداءً لوطنها الغالي ، ففي مثل هذا اليوم وبتاريخ 3\3\1996 رحلت عن هذا العالم امرأة فلسطينية عاشت فصول حياتها المتتالية.... البالغة في القسوة والألم... تقاوم احتلال مجرم وإرهابي لا يرحم ولا يدع أحدا يرحم هذا الشعب المسالم، رحلت شهيدة مجهولة بموت بطيء وتركت خلفها آلاف الدروس والعبر كحال نساء فلسطين المجاهدات المرابطات .
وهذا العالم الذي هو في حراك مستمر لا يقبل السكون أو الخمول، يوجهه ويطوره قلة قليلة تفوقت على باقي البشر في تضحياتها ومثابرتها، وفي فلسطين كما هو الحال في كل الثورات في التاريخ الإنساني التي تصاحبها تقديم أثمان غالية للحرية يتربع على قمتها دم الشهداء منهم من يعرف ويعلمه الجميع، ومنهم من يرحل بصمت دون أن يعرفه أحد ودون أن تصاحب شهادته ما يعرف حول الجنازات وأعراس الشهداء لترحل روحهم عند باريها في الفردوس الأعلى مع الرسل والصديقين والشهداء والأبرار، وهذه إحداها.
بدايات صعبة
البداية كانت في إحدى بلدات فلسطين التي بورك وكرم ثراها من فوق سبع سماوات والتي استعصت على الغزاة بوحدتها وتماسكها رغم الأعاصير والبراكين .... حياة ملؤها الإصرار على السير في دروب الحق حتى النهاية بنظرها... وكما عملت قي صمت مطبق رحلت للعلا في صمت مشابه، في قلة نادرة تعلم خفايا وأسرار تلك المجاهدة التي قدمت ما عجز الرجال عن تقديمه في ظروف بالغة القسوة والألم كحال أهل فلسطين جمعيا دون استثناء الذين يبذلون الغالي والرخيص لعزة وكرامة الوطن.
والبداية كانت مع الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة"، حيث كانت مريم عمران معالي من سلفيت وسط الضفة الغربية المحتلة تحذر شبان الحجارة من تحركات جنود الاحتلال الذي يلاحقهم ويطاردهم، وتشاركهم في مقارعة الاحتلال على قدر استطاعتها وتدعو لهم بالتوفيق والنصر على الأعداء، وما ميزها أنها كانت تحرض نساء الحي على المشاركة وتحفزهن لمقارعة الجنود وتخليص الشباب من مختلف الفصائل من بين أيدي الجنود دون تفرقة ففلسطين للجميع وكل أبناء الوطن هم أبناؤها، وكانت لا تفرق بين لون وآخر فالدم واحد والهدف واحد والمصير يجمع الجميع في بوتقة طرد المحتل ولا مجال للاختلاف والتنازع ما دام المحتل موجودا... وهي بذاتها حررت عدة شبان من بين أيدي الجنود الصهاينة، وكانت توفر مخابئ وملاذ للشبان والفتيان عند محاصرتهم من الجنود ....
بدايات متسارعة
ويبدأ فصل جديد من الجهاد الغير مألوف وبشكل متسارع ومتواصل، حيث يتم سجن عشرات آلاف من الشبان في انتفاضة الحجارة ويكون من نصيبها أولادها الأربعة في السجن وتبدأ بمعرفة وتلمس وتحسس معاناة ومآسي الأسرى الأبطال عن قرب أكثر فأكثر، وتتعرف على أهالي الأسرى والشهداء من خلال الزيارات وتتلمس معاناتهم ، إلى أن يفرج عن أبناءها، وينضم أحدهم إلى صفوف أحد الأجنحة العسكرية التابعة لأحد الفصائل الفلسطينية، ويبدأ العمل في أول خلية عسكرية في الضفة الغربية مع مؤسس الكتائب في الضفة زاهر جبارين والمهندس يحيى عياش، ولا احد يعلم شيئا من هذا قبل 19\11\1992 إلا أن دق جرس البيت الساعة الثانية بعد منتصف نلك الليل حيث البرد القارص والأمطار الغزيرة ،ويسمع صراخ الجنود التابعين للاحتلال خلف الأبواب ...افتخ باب ..جيش الدفاع....، لم تكن هذه المرة الأولى التي يأتي فيها جيش الاحتلال ولن تكون الأخيرة، ولكن هذه المرة تبدو مختلفة عن سابقاتها .... يفتح الباب وإذا بعشرات الجنود يقتحمون المنزل ويفتشونه، ويسال ضابط المخابرات: أين عبد .... ويكون الجواب: ليس هنا... يعاد السؤال: بخكي وين عبد ،ويعاد الجواب: لا نعرف، يتكلم عندها ويقول: طيب اسمعوا ان ابنكم مجرم وإرهابي خطير ويعمل مشاكل ،وإذا لم يسلم نفسه لجيش الدفاع خلال أسبوع سيتم قتله بعد ذلك.... فكروا في الموضوع معاكم أسبوع....
ويسلم والد المطارد ورقة بوجوب تسليم نجله خلال أسبوع وإلا يهدر دمه، ويصادر الجيش مع المخابرات كل الصور التي فيها صورته. ويتضح في الصباح أن ابنها كان قد افلت من حصار الجيش له في تل الربيع، والذي غير الاحتلال اسمها وحوله إلى (تل أبيب )وفي منطقة يطلق عليها الاحتلال (رمات افعال) حيث كان يحاول تفجير سيارة مفخخة هو وقساميان اثنان هما احمد حسان وعماد فاتوني واللذان لم يفلحا في الهروب (يحكم على كل واحد منهما 30 سنة سجن) وقضيا حتى الآن 16 سنة في السجن ،وتتضح الصورة أكثر فأكثر، وإذا بمعد السيارة ومفخخها هو يحيى عياش ومؤسس الخلية زاهر جبارين.
حرب نفسية
ويبدأ الجيش بمداهمة المنزل بشكل يومي وأكثر من مرة في اليوم الواحد، ويهدد ضابط الإدارة المدنية في حينها .. يهدد ألام والزوجة بأنه سيتم إحضار ابنهم في كيس إن لم يسلم نفسه إلى قوات الجيش ، وترد عليه: الله اعلم من سيجمع في الكيس، ويشن حربا نفسية عليهم بقوله: ما هو الأفضل لكم أن تزوروه على المقبرة أم تزوره في السجن في حرب نفسية فاشلة مكررة بحكم التجربة الواسعة مع الاحتلال ولا تخفى على أي فرد في فلسطين المحتلة من قبل الاحتلال الظالم والمجرم والإرهابي، ويكون جواب الأم المجاهدة "كل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ".
وزير العدو اسحق رابين كان قد صرح في سنة 93 انه تم القبض على المجموعات التي كانت تدعم العياش وزاهر وتؤمن لهم السلاح والمأوى وان كتائب القسام قد تلقت ضربة قاتلة ، وأنها لن تقوم لهم قائمة من الآن فصاعدا ،وكانت دعاية انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات له أكثر من أنها حقيقة واقعة على الأرض.
وتبدأ ألام التي ستسطر البطولات بمساعدة ابنها وخليته زاهر ويحيى في مقاومة الاحتلال ،فكانت تزودهم بالطعام وكانت تراقب لهم الجواسيس، وتمدهم بأخبار وتحركات جنود الاحتلال،(حيث كان يتخذ الجيش من سلفيت مقرا ومعسكرا له ) وأحيانا تنقل لهم النقود عند انقطاعها بسبب المراقبة الصارمة من قوات الاحتلال، وكانت أحيانا تذهب مسافة عشرة كيلو مترات وعدة جبال لتلتقي الخلية، وتزودهم بالطعام والأخبار وتنقل الرسائل لهم من المقاومين الآخرين، وقد شوهدت مرة وهي تسير حافية القدمين وبحذر بين البيوت لئلا يسمع احد صوت قدميها وهي ذاهبة إلى الخلية التي يكون مرتب مسبقا ذهابها إليهم.
ألاستشهادي الأول
هنا يبدأ فصل جديد في المعاناة والعمل الدقيق والسري ، فتتم أول عملية استشهادية للبطل ساهر تمام من نابلس في مطعم في غور الأردن عند منطقة محولا، حيث تشاهد الطائرات المروحية وهي تنقل عشرات القتلى والجرحى من الصهاينة، ويقتحم الجيش منزلها، وبعد ساعات قليلة يتضح الخبر، إنها للاستشهادي الأول والبطل القسامي ساهر تمام من نابلس ،عندها يجن الاحتلال ويزيد من الضغط على العائلة فالوضع لا يحتمل المزيد من العمليات المميتة والقاتلة، ويبث جواسيسه لمراقبة المنزل، والساحة المقابلة للمنزل ، وبلغت وقاحة الجواسيس إنهم كانوا يرتبوا المراقبة ضمن مناوبة (شفتات ) وبشكل شبه علني ، فالخلية خطيره، وتبث الرعب داخل دولتهم المزعومة وقد تنفذ في كل لحظة عملية يقتل فيها العشرات ، وتستمر بمساعدة المطاردين من القسام، وتشاهد أكثر فأكثر في الجبال تارة بحجة جمع الحطب وتارة بحجة قطف الزيتون للتمويه على الجواسيس، وأحيانا كانت تقوم بنقل السلاح ،وكانت تتألم كثيرا عند استشهاد أي من المطاردين "مشاريع الشهادة" التي كانت تلتقيهم في الجبال مع ابنها، فهي من جهة تفرح لاستشهادهم ومن جهة أخرى تبكي لفراقهم، وكم أسعدها عملية بروقين التي قتل فيها جنديان، وتألمت حين استشهد عدنان مرعي من قراوة بني حسان على حاجز (رافات دير بلوط ) وجندل اثنين من جنود العدو قبل استشهاده، ويتم اقتحام المنزل وتخريبه رأسا على عقب، وصار عمل روتيني عقب كل عملية ان تأتي قوات الجيش وتقتحم المنزل وتدمر ما تجده أمامها، وأحيانا كانوا يضربون من في البيت جميعا ، وكان يواسيها أن ما يسمى الإدارة المدنية في سلفيت كانت تستدعي ذوي المطاردين يحيى العياش وعدنان مرعي وعلي عاصي....، لتمارس الضغوط عليهم والتهديد والوعيد، إلا أن الاستدعاءات هذه كانت نافعة ،فكان ذوو المطلوبين يرون بعضهم البعض ويكلمون بعضهم ، ويطمئن الواحد منهم الآخر (فرب ضارة نافعة ) ، ويأتي خبر اعتقال القائد زاهر جبارين كالصاعقة ، حيث اعتقل في مدينة نابلس هو وسلامة مرعي من قرية قراوة بني حسان ،اعتقلا في منزل قرب جامعة النجاح، وتدعو لهم بالصبر والثبات .
شهادة ببطء
في منتصف احد ليالي الشتاء القارص والمقاومة الفلسطينية في أوجها وقوتها والجو ماطر والبرد شديد ،يقتحم جيش الاحتلال البيت بطريقة مرعبة، بالصراخ وإطلاق الصوتيات وخلع الأبواب لاعتقال محمد بلاسمه،( يستشهد في الانتفاضة الثانية بتاريخ 6\8\ 2004 عبر كمين اشتركت فيه طائرتان والمئات من الجنود المشاة الصهاينة ) ويعتبره الاحتلال التلميذ السادس ليحيى عياش، وتمنع الجيش من إرهاب وتخويف الأطفال، وتدفع الجندي خارجا وتقول له:( حرام عليكم اللي بتعملوه)، فما كان من الجندي إلا أن ضربها بعقب البندقية بعنف شديد على صدرها، وتشعر أن الدنيا تدور بها، والنفس مقفل،ولا تشعر بمن حولها، وتشعر بغثيان شديد ،إلى أن يتبين أن الضربة قد أثرت على الرئتين وتتسبب في وجود ماء بالرئة يتراكم مع الزمن ومرور الوقت ،بدأ يتجمع ببطء شديد وبمراحل، وبدأت تمر بحالات إغماء لا ينفع معها العلاج، ولا العمليات الجراحية التي أجريت لها في مستشفى المقاصد في القدس .. ولكن الألم يزيد .. والدنيا تطبق على صدرها بسبب تداعيات اليوم المشئوم الذي جاء فيه الجيش لاعتقال الشهيد محمد، فصارت الحياة قاسية ،وأيام المبيت بالمستشفى أكثر من المبيت بالبيت ،وكادت في إحدى المرات ان تفقد حياتها عندما أطلق الجنود المسيل داخل المنزل لولا لطف الله ، وخروجها من البيت بصعوبة بالغة .
ويأتي خبر استشهاد يحيى عياش كالزلزال ، والذي فاقم آلامها إلى حد لا يوصف، وتدعو له بالفوز بالجنة واللحاق به شهيدة.
.....وكان لها ما أرادت ، حيث ظلت تبكي لرحيله ساعات طوال،وتصر على رؤية جنازته وعرس شهادته الرمزية من إحدى شرفات المستشفى الوطني المشرف على دوار ووسط مدينة نابلس، وهي لا تقدر على الحراك ،كيف لا وهو الذي كانت تنقل له الطعام، عندما كان يبيت في الجبال ،التي حولها إلى مخبأ له، وهي التي كانت تزوده بأخبار تحركات جنود الاحتلال، وتحركات الجواسيس، وهي التي كانت تنقل له السلاح عندما كانوا لا يجدون وسيلة أخرى ، وهي التي كانت تنقل له بعضا من التوجيهات والمراسلات( مستغلة هامش التحرك البسيط كأمراة) ..... فهو كابنها في كل شيء ولا فرق بينهما، وهو الذي كان يعتبرها كأمه ويناديها بأمه ....فهي اعتنت به كابنها عندما كان يبيت في جبال وتلال وكهوف سلفيت ،وظلت تبكي لرحيله كثيرا، أياما.... وأياما.... وإذا ما طعم الحياة بعد رحيل القائد الذي أرعب الاحتلال ،وهز أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وما هذه الحياة التي كلها الآم وفراق، وبعد كل هذه التساؤلات يأتي دور الموت في سبيل الله وتحرير فلسطين اسما أمنية، لترحل روحها الطاهرة بهدوء .... وصمت.... وسكون ...بعد صراع مع مضاعفات الضربة التي كانت من الاحتلال والتي في المحصلة أدت إلى استشهادها ولكن ... في نفس اليوم الذي تم فيه الثأر ليحيى عياش بتاريخ 3\3\ 1996 يوم الأحد الدامي على الاحتلال، حيث كان يوم الثأر والرد العظيم يقتل فيه عشرات الصهاينة المحتلين.... لترحل روحها الطاهره إلى عليين بنفس مطمئنة، فمن الآن ستنام روح يحيى مطمئنة، وسترحل روحها أيضا مطمئنة ،لتشيع بعد ذلك كالشهداء، ولتدفن بين الشهداء... ولتبكيها الجبال، والوديان، التي كانت تمر عليها، وليدعو لها كل مجاهد ومرابط ومسلم، فهي عملت بصمت ،وحرص ،وتوكل ، وسرية، ونالت الشهادة بصمت وهدوء دون صخب أو وصب....لتطوى صفحة امرأة فلسطينية مجاهدة مرابطة رحلت شهيدة مجهولة لتفسح الطريق لمن بعدها ... ولتأتي بعدها انتفاضة الأقصى التي برزت فيها المرأة الفلسطينية بصورة لافتة أمثال الاستشهاديات: وفاء وآيات وريم وهنادي ......
المصدر
- مقال:مريم معالي أسطورة في نضال المرأة الفلسطينيةموقع:الشبكة الدعوية