معاناة الشعوب الإسلامية
بقلم : مصطفى الطحان
ترددت طويلاً أمام هذا الموضوع.. ورغم أنه موضوع الساعة، إلا أن الكتابة فيه من المحرمات، خاصة إذا كانت صريحة ومباشرة..
سيقولون لك ما قاله الأستاذ زين العابدين الركابي في مقاله بالشرق الأوسط (7/6/2003): أن الغرب هو مصدر الإرهاب. ففي أمريكا قتل الإرهابيون مارتن لوثر كنج، ومالكوم إكس، وجون كندي.. ومن قبل هؤلاء أبادوا سكان أمريكا الأصليين وعددهم بعشرات الملايين.. وبعد ذلك هم الذين استخدموا، ومازالوا يستخدمون، أسلحة الدمار الشامل بينما يعلنون صباح مساء أنهم بصدد منع إنتاجها واستخدامها.
وأن أوروبا.. واعتباراً من مطلع القرن العشرين.. هي التي أنتجت الشيوعية التي حصدت رؤوس الملايين.. وهي التي غرست الصهيونية التي ما تزال تحصد أبناء فلسطين.. وهي التي استعمرت معظم شعوب العالم فأسقتهم من كأس الإذلال والاستغلال.. وهي التي أنتجت النازية.. وما أدراك ما النازية!
ومثل هذه المقولات نسمعها أيضاً من الأبواق الأمريكية والصهيونية.. التي تعتبر الإرهاب صنو الإسلام.. وكل من ليس مع أمريكا فهو إرهابي لابد أن تطاله يد العدالة الأمريكية.. وبموجب هذا التعريف أصبح من يدافع عن بلد محتل مثل فلسطين أو الشيشان أو العراق إرهابياً يجب استئصاله.. وأصبح من يجرأ على نقد هذه الفلسفة الاستئصالية مثل محاضر رئيس وزراء ماليزيا.. يخاف على بلاده من غزو أمريكي محتمل.
مقالتي اليوم ليست معنية بهذا النوع من الكلام أو التحليل.. فقد استفاض الكثيرون في الحديث عنه.. وأمامي الآن عشرات المقالات التي تتحدث حول هذا الموضوع.
الذي يعنيني في حديثي.. هو مناقشة هذا الفعل، وإلى أي مدى يقبله الإسلام.. والأمر الآخر.. ما هي الفائدة التي يجنيها المسلمون من هذا الفعل؟
وقبل أن استطرد أحب أن استثني (حتى لا يساء الفهم) فأقول: إن الذي يدافع عن أرضه، ويطارد قوات الاحتلال التي تعتدي على شعبه وتهدم بيوته وتستبيح حقوقه.. هو مجاهد صاحب قضية.. أقرت فعله جميع القوانين وجميع الشرائع.. ولا يهمنا إذا كانت أمريكا أو الصهيونية لا تعترف بذلك..
وبعد هذا الاستثناء.. أسأل: إلى أي حد يقبل الإسلام مثل هذه الأعمال؟
لنقرأ معاً فتوى الأستاذ القرضاوي:
إن الإسلام لا يبيح الاعتداء على إنسان بريء، بحال من الأحوال، ومن أي شخص كان، سواء كان الاعتداء على النفس أو العرض أو المال، ولو كان المعتدي هو الأمير أو الخليفة المبايع. فإمارته لا تحل له دماء الناس ولا أموالهم. وقد أعلن النبيr في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد أن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم حرام عليهم بعضهم على بعض، دائمة الحرمة إلى يوم القيامة.
وقد أرسى الإسلام عدة مبادئ في هذه المسألة من أهمها:
المبدأ الأول- الإسلام يحرم الاعتداء على الأبرياء، وليس هذا التحريم مقصوراً على المسلمين، بل يشملهم ويشمل غيرهم ممن ليسوا من أهل الحرب لهم.
حتى في حال الحرب والقتال، لم يجز الإسلام قتل من لا يقاتل، من النساء والصبيان والشيوخ، حتى الرهبان المتفرغون للعبادة في صوامعهم لا يقتلون، بل يتركون وما فرغوا أنفسهم له.
وهذا ما جعل المؤرخين المنصفين من الغربيين يقولون: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب، يعني المسلمين.
وأكثر من ذلك أن الإسلام يحرم الاعتداء على الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان المكرم؟
وفي الصحيح، عن النبيr: (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
فكيف بمن حبس البشر وروعهم، وجعلهم يصبحون ويمسون في قلق مفزع وفي فزع مقلق؟ أي أن هذا الترويع حرام، ولو في هذه الصورة البسيطة القريبة، ولو كان دافعه المزاح والمداعبة، ما دام عاقبته الترويع والتفزيع.
المبدأ الثاني- ألا تزر وازرة وزر أخرى
إن كل إنسان مسؤول عن عمله هو، وليس عن عمل غيره، ولا يحمل أحد وزر أحد ولو كان ألصق الناس به وأقربهم إليه، فالابن لا يعاقب على جرم أبيه، والأب لا يعاقب على جرم بنيه، وهذا هو الحق والعدل، الذي قرره القرآن في آيات كثيرة، وحكاه عن الكتب السماوية قبله ]أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفّى. ألا تزر وازرة وزر أخرى[ النجم- (36-38) .
وكيف يتصور أن يجوز لشخص أو بضعة أشخاص، أن يسلطوا على شعب بلد ما للانتقام من أفراده، من أجل خلافهم مع حاكم هذا البلد؟
لنفرض أن الحاكم مخطئ أو مجرم، فما ذنبي أنا المواطن العادي لتعاقبني بخطئه أو جرمه؟
ومن الذي جعل منك أيها الخاطف خصماً وحكماً؟ ومن أعطاك سلطات الاتهام والقضاء والتنفيذ جميعاً؟
وقرر القرآن: ]أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً[ المائدة- 32.
وفي الحديث: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة.
وفي الحديث الآخر: (لو أن أهل سماواته وأهل أرضه، اشتركوا في قتل رجل مؤمن لأكبهم الله في النار) رواه الترمذي.
بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم مجرد الإشارة إلى مسلم بالسلاح جريمة من الكبائر الموجبة للعنة. يقول: (من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي) رواه مسلم.
فإذا كان الإسلام يحذر من مجرد الإشارة بالسلاح، فكيف إذا استُعمل بالفعل، وقُتل به إنسان لا حول له ولا طول، ولم يرتكب ما يبيح دمه؟
المبدأ الثالث- الغاية لا تبرر الوسيلة
إن الإسلام لا يقبل الوصول إلى الغايات الطيبة بالوسائل الخبيثة. إنه يرفض الفلسفة (الميكيافيلية) التي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة. بل يؤكد كل التأكيد أنه لا بد من اجتماع الأمرين: الغاية الشريفة والوسيلة النظيفة، ولهذا رفض جمع المال من طرق الحرام لينفق في الخيرات وأوجه الصدقات، وقال الرسول الكريم في ذلك: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
ولهذا فسر السلف العمل الصالح المقبول بأنه ما اجتمع فيه أمران: الخلوص والصواب، فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا كان خالصاً صواباً. وخلوصه أن يكون لله تعالى، وصوابه أن يكون على السنة, أي على ما شرعه المنهج النبوي الذي يمثل الصراط المستقيم.
فلو افترضنا أن هؤلاء يحملون دوافع خيرة، وبواعث نبيلة، كما دافع عنهم من دافع بأنهم يهدفون إلى إنقاذ إخوان لهم يعتقدون براءتهم، أقول: لو افترضنا صحة هذه الدعوى –على ما فيها من شطط وتجاوز- ما جاز لهم بحال أن يصلوا إلى غاياتهم التي يزعمون شرفها ونبلها ورفعتها بهذه الوسائل القذرة التي تقوم على الاستهانة بالبشر، وتعذيبهم وإرهابهم وترويعهم إلى حد سفك الدم بغير حق.
والإسلام بكتابه وسنة نبيه، وهدي أصحابه، وفقه أئمته، وروح حضارته، والاتجاه العام لأمته، ينكر كل الإنكار هذا العمل الذي يتسم بالقساوة والوحشية، ويفتقد الإنسانية والأخلاقية.
وهذا يضاعف المسؤولية على أهل العلم والبصيرة أن يبذلوا المزيد من الجهد، حتى ينيروا الطريق للحائرين. والله أعلم.
ومثل فتوى القرضاوي توجد فتاوى كثيرة.. كلها تجمع على النتيجة التي وصل إليها الأستاذ القرضاوي.
يبقى السؤال الآخر: ما الذي حققته هذه العمليات للمسلمين؟
· ما الذي حققته العمليات الإرهابية في المغرب؟
لا نجد فائدة على الإطلاق.. أما الأضرار فأكثر من أن تحصى.. فقد وضعت هذه الأحداث الحركات الإسلامية وخاصة المعتدلة منها في قفص الاتهام.. وبعد النصر المؤزر الذي حققه حزب العدالة في الانتخابات البرلمانية في المغرب.. وإذا به يوضع في قفص الاتهام بعد أحداث التفجيرات في الدار البيضاء.
· ما الذي حققته العمليات الإرهابية في السعودية؟
لا يستطيع عاقل أن يستخلص من هذا الفعل أية فائدة.. أما الأضرار فأكثر مما تحصى.. فقد قوّت الأحداث الأمريكان ضد النظام السعودي الذي كان يحاول إلى حد ما البعد عن الهيمنة الأمريكية.. ثم لنفرض أن الغرض من هذه التفجيرات هو إسقاط النظام، فمن يتوقع الفاعلون أن يكون البديل؟ أليس اللعب بمقدرات بلد الحرمين الشريفين مغامرة شديدة التعاسة؟!
· ما الذي حققته عمليات خطف الطائرات واحتجاز الرهائن وقتل السياح؟
· ما الذي حققه العنف الذي استخدمه الثوريون في الوصول إلى الحكم وإلغاء كل المظاهر الحضارية في الأمة مثل: إلغاء الدستور، وتعليق البرلمان، وفرض هيمنة الحزب الواحد، والقائد الأوحد؟
· ما الذي أفادته فتاوى الظواهري وهو يتصور نفسه هتلر يوزع الموت ويزرعه في كل مكان استطاعه.. وإن لم يستطع أن يفعل، فليصدر كتباً تكفر الدنيا كلها.. وعلى رأس من كفرهم حركة الإخوان المسلمين لأنها استنكرت هذا الأسلوب الهمجي..؟
· جبهة المجاهدين الإسلامية.. أصدرت بياناً تهدد فيه سلامة البابا أثناء زيارته لكرواتيا.. والسؤال: لماذا؟ ومواقف البابا لا تعادلها مواقف حتى بالنسبة لمعظم الدول الإسلامية والعربية.. هل يحبون أن تصبح كلمة مسلم وإسلامي ممجوجة في كل أنحاء الدنيا؟
· هل يتناسب ذلك مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده)؟
· أختم هذه المقالة بنقطتين:
الأولى- للأستاذ جاسم مهلهل جاء فيها:
(ونقولها بصراحة مدوية ومعلنة إن الصحوة الإسلامية اليوم، ونقصد به جسم الصحوة الأساسي وهو التيار المعتدل الملتزم بمنهج أهل السنة والجماعة، مدعوة اليوم بكافة أطيافها وتجمعاتها وأحزابها وقادتها وأفرادها ومؤسساتها إلى وقفة جادة واضحة جلية، لا كما عودتنا في سالف وقتها عندما كانت تمارس تمييع الأمور من خلال عباراتها العامة الفضفاضة والتي تجامل فيها الجميع فلا تشفي عليلاً ولا تداوي جرحاً، فالظرف الحالي يتطلب تجرد وشفافية ووضوح كل الأطراف، وحزماً في المواقف والتزاماً بالشرع بعيداً عن التأزمات النفسية التي تعيشها الحركة مع أنظمة الحكم التي تعيش في ظلها، وبعيداً كذلك عن هموم الانحسار الشعبي عنها، ومحاولة جمع عوامل الجاذبية من حولها من جديد.
يجب أن يكون الكلام في هذا الأمر دافعه وحاديه النصح للأمة فقط، ولا يخشون في الله لومة لائم، فيجب أن يقولوا للمخطئ: أنت أخطأت وللمصيب: أنت أصبت، فلا يخشون من بطش منتسبي الفكر الخارجي ومستبيحي دماء المسلمين لأنهم إن ذبحوا بسكينهم فهم إن شاء الله مع سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله التجديد المغربية 22/5/2003.
والثانية- للأستاذ القرضاوي حفظه الله.. جاءت في بحثه الذي قدمه لمجمع الفقه الإسلامي الذي عقد في الدوحة جاء فيه:
أما كيفية ترشيد الصحوة الإسلامية فيمكن تلخيصها في عشر نقاط أبرزها:
الانتقال من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، ومن التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير، ومن الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد، ومن التعصب والانغلاق إلى التسامح والإنطلاق، ومن العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة، ومن الاختلاف والتشاحن إلى الائتلاف والتضامن.
وفي خطوة ذات دلالات، قال في إطار تشديـده على أهمية (الجدال بالتي هي أحسـن) في الخطاب
الإسلامي دعا إلى عدم مخاطبة المخالفين لنا باسم الكفار وإن كنا نعتقد بكفرهم ولاسيما المخالفين من أهل الكتاب، ودعا إلى مخاطبة الآخرين وفقاً لما جاء في القرآن الكريم: ]يا أيها الناس[.
وكان لافتاً أن البحث تضمن دعوة القرضاوي إلى (مواطنون بدل أهل الذمة). وقال: (إن هناك كلمات لم تعد مقبولة لدى إخواننا من الأقليات غير المسلمة مثل الأقباط في مصر ومثلهم في البلاد العربية والإسلامية وهي مصطلح أهل الذمة على رغم أنه مصطلح إيجابي. وأضاف في فتوى جديدة: (لا أجد مانعاً من استخدام كلمة المواطنة والمواطن، فالفقهاء يتفقون على أن أهل الذمة من أهل دار الإسلام).
وقال أيضا إن من التعبيرات المطلوبة في عصر العولمة (التعبير بالأخوة عن العلاقات بين البشر). وتابع: (المراد بها الأخوة الوطنية أو القومية وليس الأخوة الدينية، وهي الأخوة الوحيدة بين البشر. وتحدث القرضاوي عن عشر خصائص مطلوبة في الخطاب الإسلامي في عصر العولمة، بينها تبني العالمية وعدم إغفال المحلية، وتبني التيسير في التقوى والتبشير في الدعوة، وأن ينكر هذا الخطاب (الإرهاب الممنوع ويؤيد الجهاد المشروع).
ورأى أن الإرهاب هو استخدام العنف مع من ليس بينك وبينه قضية، وهو وسيلة لإرهاب آخرين. (ودان خطف الطائرات واحتجاز الرهائن والتهديد بقتلهم وقتل السياح كما حدث في مذبحة الأقصر في مصر)، كما رأى أن ما حدث في جزيرة بالي في إندونيسيا هو الإرهاب، إذ أنه ليست هناك مشكلة بين الذين ارتكبوا هذه الجريمة والسياح. ودان أيضاً ما اقترفته (جماعة أبو سياف).
وقال: (إن من الإرهاب أحداث 11 (سبتمبر) في أمريكا واختطاف طائرات مدنية بركابها، وكذلك ضرب برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، وشدد على أن أول إرهاب يجب أن يدان هو إرهاب الدولة الصهيونية المتجبرة، ونبه إلى أنه ليس من الإرهاب في شيء الدفاع عن الوطن وقتال الغاصب المعتدي).
وقال: (إن أمريكا التي ساندت الدولة التي قامت على الدم والإرهاب منذ اليوم الأول (إسرائيل) تمارس نوعاً من الإرهاب) 15/1/2003.
وأخيراً..
فهذا موضوع في غاية الخطورة.. والمطلوب أن ترفع الأمة.. وعلى رأسها الحركات الإسلامية الواعية.. صوتها في وجه هذا الإرهاب.. وتشير بأصبعها إلى الإرهابيين.
المصدر
- مقال:معاناة الشعوب الإسلاميةموقع:الشبكة الدعوية