من أجل الكرسي

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
من أجل الكرسي


بقلم : فادي شامية

سر غريب يشد الناس إلى الكراسي، ليس لأنها وسيلة للتغلب على التعب كشأن تلك الكراسي التي توجد في بيوتنا، ولكن لأنها وسيلة لاعتلاء السلطة، تلك الفتنة التي قلما ينجو منها الصالحون، ويقع في حبائلها كل ما دون ذلك.

حكام دولنا العربية يصلون إلى الكرسي إما على ظهر دبابة... وإما عن طريق السباحة في بحور الدماء، وإما يحطون عليها فجأة بقرار من سلطة حاكمة، أو بـ"توريثة" من والد حنون... ولكن بعضهم يأتيها زحفاً بلعق الأقدام، وقلة من يأتون بأصوات الناس الحرة، ولا مانع لدى البعض أن تقوم كراسيهم فوق الجماجم والرؤوس... المهم أن يصل "القائد الملهم" إلى الكرسي، فإذا ما وصل إليها أقسم يمين الوفاء ألا يبارحها إلا محمولاً، أو يوصي بها لبنيه من بعده.

وحتى لا "نطيل اللسان" على أشقائنا العرب المحترمين، سنقصر الكلام على وطننا الحبيب لبنان، ففي قصة عشق كرسيه الأولى "نكهة لبنانية" خاصة، إذ جرى العرف الدستوري أن يجلس رئيس ماروني على الكرسي الأولى، ينتخبه النواب الذين لطالما انتظروا "كلمة السر" لتأتيهم من الشقيق والصديق، القريب والبعيد، حسب الظروف والأجواء، و"كلمة السر" هذه هي التي حملت معظم الرؤساء إلى القصر المنيف في بعبدا، وآخرهم "الرئيس المفدى"، إميل لحود، وقد اقتضى الأمر تعديل الدستور لفخامته، "لمرة واحدة واستثنائية"، كونه كان قائداً للجيش ولا يحق أن يكون رئيساً ما لم يستقل من منصبه قبل سنتين، كما تنص المادة 49 من الدستور، لكن المقام طاب للرجل الذي أعلن أنه لا يريد "شيئاً لنفسه"، ولم يكن يقصد الكرسي طبعاً، فجرى التمديد له خلافاً للدستور، الذي لا يجيز إعادة انتخابه، فجرى التعديل "لمرة واحدة واستثنائية" أيضاً.

بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري خرج السوريون الذين أتوا بلحود ودعموه، وُسجن أربعة ضباط كبار من أعوان الرئيس للاشتباه بتورطهم بالجريمة، وبدا أن البلد دخل في أزمة حادة نتيجة هذا التمديد القسري، ووقّع مليون لبناني عريضة من أجل أن يرحل، وتظاهروا مراراً وتكراراً، لكنه ظل وفياً للكرسي، متمسكاً بها "حتى آخر لحظة" في ولايته الممدة.

ظن الناس أن حالة "الوفاء" هذه فريدة من نوعها، لكنهم فوجئوا بعاشق آخر، حفظ وفاءه للكرسي مذ ُأخرج عنوة من قصر بعبدا بعدما أعلن "حرب التحرير" على سوريا بمساندة من صدام حسين الذي أرسل له السلاح بواسطة البحر، فكان أن نـُفي إلى فرنسا بعدما أخرجه الجيش السوري والجيش اللبناني بقيادة لحود من بعبدا في 13-10-1990.

في فرنسا، التي استضافته 15 عاماً، قاد الجنرال عون تياراً من الشباب نادى "بالسيادة والحرية والاستقلال"، وقد تعرض هؤلاء للقمع على يد أجهزة الأمن التابعة للجنرال لحود التي آلت إليه الكرسي بعد الهراوي، وعبر وزير الداخلية ميشال المر، وكلما وقعت حادثة مجهولة أو معلومة كان الجنرال يلقي باللائمة على سوريا، بدليل أو بدون، وكان الجنرال لحود بالمقابل يتهم هؤلاء بأنهم طابور خامس في مواجهة "جبهة الممانعة السورية –اللبنانية"... حوكم الشباب وعذبوا، ومنع عون من الظهور التلفزيوني مرات عدة، كما ُمنع من العودة إلى لبنان بعد انتهاء فترة النفي بدعوى سرقة المال العام، ولما طار الرجل إلى واشنطن في 13-9-2003 وشهد أمام الكونغرس الأميركي ضد سوريا، في إطار قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، وقال "لا مفر من أن يترافق الانسحاب السوري مع نزع سلاحٍ كاملٍ لكل العناصر المسلحة"، ُخوّن من "الجميع" وتحركت النيابة العامة تجاهه بتهمة "الخيانة" و"تعكير العلاقات مع دولة صديقة"، وعلق حزب الله وغيره يافطات التنديد بـ "عميل أميركا وإسرائيل"، ثم صدر القرار 1559 الذي يدعو لرفض التمديد لإميل لحود وإخراج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح المقاومة والفلسطينيين، فتحدى عون"الجميع" بنسبة الفضل له في ذلك، معلناً أنه: "أبو القرار 1559" داعياً الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى كسر حاجز الخوف والانتقال من "المعارضة الصامتة إلى المعارضة الناطقة"، لكن الرجل ُقتل قبل أن ينطق بما كان يريده عون، ولما سئل عون عن قاتله على شاشة الجزيرة، قال: "إن سجل سوريا حافل"، وبعدما حصل الزلزال الشهير في 14 شباط 2004، وسقطت حكومة كرامي وخرج الجيش السوري على عجل، عاد عون إلى الوطن، فتبين فجأة أن الرجل مبرّأ من أية تهمة، وقد استُقبل في المطار استقبال الأبطال المحررين!.

جرت الانتخابات النيابية، وفق قانون غازي كنعان، ضابط المخابرات السوري الذي كان مكلفاً بالملف اللبناني قبل أن يقتل في مكتبه بظروف غامضة، فأراد عون الإطاحة بكل الحلفاء السابقين ممن عرفوا بأركان قرنة شهوان، ولو بالتحالف مع ميشال المر، وزير داخلية زمن الوصاية، وذلك تمهيداً لعودته إلى بعبدا، وقد كرسته الانتخابات زعيماً للمسيحيين، في حينه، بعدما قدّم نفسه على أنه الحامي لهم، والذي يرفض أي سلاح غير سلاح الشرعية، ولو كان سلاحاً للمقاومة الذي وصفه في برنامجه الانتخابي المطبوع بـ" سلاح الفتنة والتقسيم"، ولما بدا للرجل أن طريق بعبدا غير سالكة مع قوى 14 آذار، حلفائه، خرج عليهم وانتقل إلى المقلب الآخر بسرعة بموجب "ورقة تفاهم مع حزب الله"!، الذي "تفاهم" مع عون لـ "صدقه"!، وصار عون يدعو إلى عدم التسرع بإطلاق الاتهامات ضد سوريا، ثم تماهى بالخطاب مع حلفائه الجدد، حلفاء سوريا: حزب الله وحركة أمل، وسليمان فرنجية وطلال إرسلان.. وسليم الحص الذي كان يساجله قبل مدة وجيزة من عودته إلى لبنان حول مسؤوليته في قصف بيروت الغربية بالمدفعية الثقيلة، يوم كان عون رئيساً للحكومة الانتقالية المكونة من ثلاثة وزراء من طائفة واحدة، ولا يعترف بحكومة الحص "غير الشرعية"، فينفي عون قصفه بيروت ويؤكد الحص، ثم ينتهي الأمر.

في جلسات الحوار قيل لعون سمِّ مرشحاً للرئاسة، فسمى نفسه مرشحاً وحيداً باعتباره الزعيم المسيحي الأقوى، وقبل أسابيع وصف عون الرئيس السنيورة بالـ"ممسحة"، وقوى الأمن بـ"الزعران"، وفي 27 الجاري وصف أحد أعضاء قرنة شهوان، ممن كانوا يطالبون بعودته من المنفى "زمن الوصاية السورية" بأنه "بيسوا فرنكَين"!.

الأغرب في الأمر أن الجنرال لحود، وبعد التغير الجذري في طروحات عون، أعلن قبوله التخلي عن الكرسي، إذا كان الذي سيجلس عليها الجنرال عون، وليس أي شخص آخر، لأنه وعون "ينتميان إلى نفس المدرسة"!، وطالما أن الغالبية النيابية لا تقبل بعون، فهو باقٍ فوق كرسيه العتيد.

إنها الكرسي أيها الناس، ربما يصل من يسعى إليها وربما لا يصل، لكن السعي من أجلها يستأهل كل عناء، واقرؤوا باقي سيَر الوصول إليها لو أردتم التوسع، وحسبنا القول: وقانا الله وإياكم من فتنتها، ومن شر من باع نفسه قبل غيره من أجلها.

29-11-2006

المصدر