من أعلام الإخوان في العراق
عبد الوهاب الحاج حسن
إن الاحتكاك الأساسي بدأ بدعوة الإخوان المسلمين في العراق عندما جاء إلى بغداد الدكتور حسين كمال الدين وعين أستاذا في كلية الهندسة فرأي طلابه فيه داعية ثبتا للإسلام جلبهم إليه بعمق ثقافته الإسلامية والعصرية وحسن خلقه وتواضعه وتمكنه من الموضوع الذي يدرسه .
فلندع هذا الكلام لأحد تلامذته المقربين منه وهو المهندس عبد الوهاب الحاج حسن الذي يقول: (كانت مجلة الإخوان المسلمون) تصل إلى العراق في الأربعينات وتوزع على المكتبات في المدن العراقية ويتكاثر قراؤها يوما بعد آخر باعتبارها مجلة إسلامية حرة تنشر العقيدة الإسلامية والثقافة القرآنية وتعرض المبادئ الإسلامية الذي يدعو إليها الإخوان المسلمون
قال وفي سنة 1944 م انتدبت مصر عدد من الأساتذة للتدريس في العراق بناء على طلب وزارة المعارف العراقية وكان عدد من هؤلاء من جماعة الإخوان المسلمين وأذكر منهم :
المرحوم الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين الذي كان رئيس منظمة الجوالة التابعة للإخوان المسلمين في مصر وكان يدرس (المساحة) في كلية الهندسة في بغداد .
الأستاذ علي عبد الحفيظ وكان يدرس علم الري في كلية الهندسة.
الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد وكان يدس في المدارس الثانوية ولا سيما في ثانوية الميتم الإسلامي .
الأستاذ محمود يوسف وكان يدرس اللغة العربية في المدارس الثانوية .
ثم سألت الأستاذ عبد الوهاب عن كيفية انتشار دعوة الإخوان بين شباب الكليات في بغداد .
فأجاب: في سنة 1945 م كنا طلابا في كلية الهندسة وفي أحد الأيام قمنا بسفرة مدرسية إلى معمل نسيج (فتاح باشا) في الكاظمية ومعنا الأستاذ حسين كمال الدين وفي طريق العودة أخذ الأستاذ ينتقد إدارة المعمل بسبب الظروف السيئة التي كان يعيشها العمال حيث ظهر أن عدد العمال كان يزيد على (700عامل) وفيهم الأطفال والنساء وكانوا يشتغلون (13 ساعة) في اليوم ويتقاضون أجورا زهيدة ثم تحدث عن حقوق العمال في الإسلام وواجب أرباب العمل في منح هذه الحقوق .
قال: فتقربت إليه وأخذت أمطره بوابل من الأسئلة حول السياسة والاقتصاد والمبادئ وأخذ يشرح النقاط التي أثرتها بالتفصيل ووضع الحلول التي وضعها الإسلام لكل هذه الأمور بصورة واضحة وقابلة للتطوير .
قال: وعندما عدنا إلى الكلية طلب مني أن أقابله فقابلته فناولني عددا من الرسائل الصغيرة بقلم المرحوم الإمام حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان في مصر وهو مؤسس الجماعة أيضا وأتذكر إن إحدى هذه الرسائل كانت بعنوان (بين الأمس واليوم) والأخرى بعنوان (من أين نبدأ)
وقال: لقد أعجبت بعد قراءتي هذه الرسائل بدعوة الإخوان وفكرهم وكأنني لم أكن أعرف شيئا عن الإسلام من قبل وزاد إعجابي عندما علمت أن دعوة الإخوان بعيدة عن الطائفية والمذهبية والعنصرية فهي تجمع بين جمع الطوائف وكافة المذاهب والقوميات حول القرآن الكريم وحول محمد صلي الله عليه وسلم إخوة متحابين متفقين يحملون قلوبا نقية متوحدة ويسعون إلى هدف واحد وهو رفع شأن الإسلام ونشره بين العالم .
ثم يقول: فبدأت بنشر الفكرة في كلية الهندسة وخارجها وأثرت على العشرات أذكر منهم توفيق الوتاري وتحسين عبد القادر وعدنان رانية وعبد الله الحاج سليم وحامد حسين ونافع حمودات .
ويقول: بعد أن انتشرت الدعوة بين طلاب كلية الهندسة والكليات الأخرى بدأنا نعقد اجتماعات أسبوعية في إحدي الدور في محلة السفينة بالأعظمية وكان الأستاذ حسين كمال الدين يحضر هذه الاجتماعات ويلقي محاضرات قيمة في شرح مبادئ الإسلام في مختلف شؤون الحياة وكان يجيب على الأسئلة التي نطرحها على بساط البحث حول النقاط التي ترد في هذه المحاضرات وبعد أن نصلي صلاة المغرب ننهي الاجتماع .
ويقول: كثر عدد المصليين في الكلية فقدمنا عريضة إلى العميد وكان انجليزيا اسمه (وليم مارش) لتخصيص غرفة في القسم الداخلي لإقامة الصلاة فيها فلم يستجب للطلب وبعد العطلة الصيفية راجعته مرة أخي لنفس الطلب فقال: (أرجو ألا تكرر مراجعتي مرة أخري في هذا الموضوع)
فاضطرت إلى نشر احتجاج ضد العميد في مجلة الهداية الإسلامية أشكو تعنت العميد في تحقيق طلبنا وأيد بعض علماء الدين هذا الطلب منهم سماحة المرحوم الشيخ قاسم القيسي رئيس جمعية الهداية الإسلامية والشيخ عبد الله الشيخلي رئيس تحرير مجلة الهداية الإسلامية؛
وعندئذ أبلغت وزارة الأشغال التي كانت كلية الهندسة العميد بوجوب تخصيص غرفة للصلاة وتم تخصيص الغرفة وبدأنا نصلي الصلوات الخمس جماعة في تلك الغرفة .
كثر الذين تقبلوا الدعوة في بغداد ولم تستوعب الدار التي كان يجتمع فيها هذا العدد الكبير لذا انتقلنا إلى حدائق وقاعات جمعية الشبان المسلمين وعقدنا الاجتماعات هناك وحضر الاجتماع الأول الأساتذة المصريون (حسين كمال الدين ومحمد عبد الحميد محمد يوسف)؛
وعدد كبير من الطلاب أتذكر منهم (ياسين سعودي من كلية الحقوق وعبد الله العنيزي من كلية الطب ونشأت محمد من دار المعلمين العالية وتوفيق الوتاري وأنا من كلية الهندسة)
والظاهر أن حركة الإخوان بجهود الدكتور حسين كمال الدين والأساتذة الآخرين بدأت تنتشر في كلية الهندسة والطب والحقوق ودار العلوم ووصل الأمر في النهاية إلى عقد اجتماعات متواصلة بين الدكتور حسين وطلبة الإخوان في بغداد في دور متعددة في منطقة الأعظمية ولا سيما في بيت عدنان رانية رحمه الله وكان من ضمن هؤلاء أخي الأستاذ نظام الدين عبد الحميد الذي كان يومئذ طالبا في دار العلوم بالأعظمية .
وكان هؤلاء الطلبة يحاولون أن يؤثروا في الآخرين ويأخذوهم إلى تلك الاجتماعات ليستمعوا إلى شرح الدكتور حسين كمال الدين للدعوة وقراءة رسائل الإمام حسن البنا .
حدثني الأخ المرحوم سليمان القابلي من قيادة الإخوان في كركوك الذي كان طالبا يومئذ في كلية الحقوق ببغداد فقال : رأيت يوما في سوق الأعظمية أخاك نظام الدين وكان زميلي في كركوك أيام الدراسة الابتدائية والمتوسطة...
فقال لى يا سليمان يوجد اجتماع إسلامي مهم تعال معي واستمع فاعتذرت إليه ولكنه لم يدعني وأمسك بقوة على يدي فأخذني إلى ذلك الاجتماع فلما استمعت إلى كلام الدكتور حسين كمال الدين تأثرت به جدا وقررت الحضور في كل اجتماع وانخرطت في دعوة الإخوان المسلمين .
انتشار الدعوة في مدينة أربيل
فيحدثنا الأستاذ عبد الوهاب الحاج حسن فيقول:
(وفي العطلة الصيفية من عام 1945 م حملنا الدعوة إلى أربيل وأول من اتصلنا به كان العالم الديني فضيلة الملا صالح الكوزه بانكي أمام مسجد نور الدين وكان هذا عالما شهيرا له بعض المؤلفات وشرحنا له بإيجاز أهداف الدعوة وأغراضها ..
فرحب بنا كثيرا ووضع المسجد تحت تصرفنا فنظمنا في هذا المسجد اجتماعات يومية بعد صلاة المغرب وكثر الذين تقبلوا الدعوة وضاق المسجد بنا فانتقلنا إلى تكية الشيخ محي الدين الشيخ صالح وكان هو إنسانا فاضلا يشع نور الإسلام من سحناته فرحب بنا ووضع التكية تحت تصرفنا أيضا) .
وأذكر فيما يلي بعض الأنشطة التي مارسناها في سبيل نشر الفكرة:
مكافحة الأمية: أعلنا عن فتح مدرسة لمكافحة الأمية في مدينة أربيل وذلك في بناية مدرسة أربيل الأول الواقع قرب مصرف الرافدين فأقبل الأهلون بالالتحاق بهذه المدرسة وتطوع عدد من المدرسين والمعلمين للتدريس فيها مجانا منهم الأستاذ المرحوم نشأت محمد صفوة وعادل مصطفي والمرحوم عبد الله الحاج سليم والمرحوم جهاد عبد الرزاق وأنور محمد الدباغ وأنا وغيرهم وفي أثناء التدريس كنا نشرح للطلبة مبادئ الإسلام ودعوة الإخوان .
كنا نزور القرى القريبة من أربيل ونلقي الكلمات والخطب المناسبة لنشر الدعوة .
وفي كل المناسبات الدينية كذكري ولادة المصطفي صلي الله عليه وسلم وهجرة الرسول ومعركة بدر ومعركة أحد وفتح مكة والإسراء والمعراج وغيرها كنا نقيم احتفالات كبيرة لتفهيم الناس حقيقة الإسلام وكيف إنه يلائم كل زمان ومكان ويقدم حلولا صحيحة وصائبة لمشاكل العالم كالفقر والجهل والمرض وكيف أن تعاليمه تنظيم الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية .
كتبت رسالة إلى الأستاذ حسين كمال الدين في القاهرة وشرحت فيها كل ما قمنا به خلال العطلة الصيفية ووصلتني رسالة جوابية يقول فيها:إنه عرض رسالتي على الأستاذ البنا وفرح بذلك كثيرا وقال : (الله أكبر ولله الحمد) لقد انتشرت الدعوة بين الأقوام الأخرى أيضا بارك الله فيهم أرجو تبليغ سلامي إليهم .
وفي هذه الفترة أيضا يدخل طلبة الإخوان في مواجهة مشهودة مع تيار الفساد الذي كان يشجعه الإنجليز في بغداد .
وسبب ذلك أن عميد الكلية الطبية في بغداد الدكتور (سندرسن) الإنجليزي يأذن بإقامة حفلة مختلطة ليلية بحدائق الكلية فتدور كؤوس الخمر ويسود الرقص الماجن وتستمر الحفلة إلي الصباح وهنا يلجأ الإخوان إلى مسئولهم عبد الوهاب الحاج محسن
فكيتب مقالا ينشره في جريدة السجل للأستاذ المرحوم محمد طه الفياض بعنوان (حدود الاستهتار) يفضح فيه هذه الحفلة الماجنة على الوجه الآتي :
يشاهد المرء بين حين وآخر بعض الحوادث المخزية والأعمال السيئة التي تذكي في نفسه جذوة الثورة ضدها ومكافحتها والوقوف في وجهها فإن هو سكت عنها فكأنما كبت شعوره قسرا وكأنما شاطر الذين يقومون بها .
وإنني أتحدث هنا عن مثال لهذه الأعمال يتجسم في حفلة قام بها طلاب وطالبات كلية الطب والتي كانت حقا دليلا ساطعا على تدهور الأخلاق والانحطاط فيها إلى درجة مؤلمة:
بدأت الحفلة مساء وقد حضر جوق بغدادي وأخذ يعزف الموسيقي التافهة والألحان الساقطة حتى منتصف الليل وكانت الرقصات الخليعة والأدب المكشوف والأغاني المهيجة للشهوات سائدة خلال هذه المدة .
وبعد منتصف الليل انصرف العميد وآخرون ودارت على الباقين كؤوس الخمر إلى فقدوا وعيهم فكانوا يتمايلون ويتخبطون على وجوههم حتى الساعة الرابعة صباحا ثم غلبهم النعاس والنوم فإذا بهم مشتتون هنا وهنا هائمون يتمرغون على الأعشاب وعلى الأرض الخالية إلى وقت متأخر من النهار .
بهذه الصورة المزرية انتهت الحفلة التي أقامها أرقي معهد من معاهدنا العالية ..ثم يتحدث المقال عن قيمة الأخلاق في المجتمع وكيف أن فرنسا انهارت أمام ألمانيا نتيجة لفساد أخلاق جيلها الناشئ وكيف أن بلادنا تحتاج إلى البناء والأعمال ونشر الفضائل حتى تستيقظ من تأخرها .
ويدعو المقال في الأخير إلى التمسك بالأخلاق الإسلامية حتى يتكون جيل قوي يستطيع إنقاذ البلاد من أيدي الأعداء .ولقد كان لهذا المقال تأثير كبير نزل كالصاعقة على عميد الكلية والطلبة الذين أقاموا ذلك الاحتفال فهاجوا على طلبة الإخوان وعلى رأسهم داوه الصانع .
فلما ذهب هو وبعض إخوانه إلى العميد الإنجليزي يشكون إليه هذا الاعتداء فبدل أن ينصفهم قال لهم بالحرف الواحد:(كان يجب عليهم أن يحرقوكم ولا يكتفوا بضربكم) .
لقد كان ظهور الإخوان في هذه الفترة مفاجئة للحركة الشيوعية في العراق لأنهم كان من قبل منفردين بشباب الأمة لم ينافسهم في ذلك منافس قوي وكانوا يقودون شباب الأمة إلى الإلحاد اللادينية والحياة اللاهية في ضوء ما كانوا يؤمنون به من مبادئ؛
فلما ظهرت دعوة الإخوان وبدأت تنتشر بين الشباب خاف الشيوعيون على مستقبلهم وعرفوا أن معرفة المسلمين للإسلام الحق الذي يعرضه الإخوان كفيل بالقضاء عليهم فبدأوا يكتبون في صحفهم السرية مقالات يهاجمون فيها الإخوان ويفترون عليهم من منطلق قاعدتهم (اكذب اكذب حتى يصدقك الناس) .
يقول الأستاذ عبد الوهاب الحاج حسن نشرت احدي الجرائد السرية الشيوعية مقالا قالت فيه :
(في الآونة الأخيرة أخذت تنتشر بعض الدعوات المشبوهة في العراق غايتها ضرب مبادئ التقدمية والإضرار بالحركة خدمة للاستعمار الأجنبي .
ومن بين هذه الدعوات ما تسمي بدعوة (الإخوان المسلمون) فقد أخذ أحد القادمين من مصر واسمه (حسين كمال الدين) بنشر مبادئ الإخوان وعقد اجتماعات سرية في البيوت. مع العلم أن الإنجليز يدعمون هذه الجماعة ويصرفون عليها بسخاء لمكافحة الأفكار التحررية والمبادئ
فرع أربيل: يقول الأستاذ عبد الوهاب الحاج حسن :
(في هذه الفترة وبمناسبة قرار تقسيم فلسطين عام 1947 م قام الإخوان في أربيل بمظاهرة كبري لم تشهد المدينة مثلها أبدأ اشترك فيها جميع سكان المدينة وكان الشيخ محي الدين والشيخ صالح وعلماء أجلاء آخرون يمشون في مقدمة المظاهرة وكانوا يحملون لافتة كتب عليها نريد السلاح أيتها الحكومة وخرج المتصرف وشكرهم على هذا الشعور الفياض)
لقد انتشرت دعوة الإخوان في أربيل على الرغم من محاربة الشيوعيين واللادينيين العنصريين لها .ثم انحسرت الحركة نتيجة لاستبداد المسئول الأول يومئذ برأيه وعدم تحمله أى توجيه من أحد إخوانه أو معارضته مما أدي إلى كثرة المعارضين وتجمع عدد من الإخوان حول المعارض الذي كانوا مقتعنين برأيه فأدي ذلك إلى إصدار أوامر الفصل فتزعزع صف الإخوان في أربيل .
ثم لما عين المسئول الأول الأستاذ محمد صادق المختار قاضيا في الموصل عين الأخ خليل عبد الله مكانه ولما قبل في كلية الشريعة في بغداد؛ونقل الأستاذ نظام الدين عبد الحميد (1955م) من البصرة إلى أربيل كلف من الأستاذ الصواف بتولي مسؤولية إخوان أربيل بعد النكسة التي حلت بالإخوان في هذه المدينة؛
فحاول جمع الصف ورتق الفتق واللجوء إلى تربية الباقين من جديد في ضوء منهج الدعوة الإسلامية الشامل فلم يحدث بعد ذلك خروج وانشقاق في فترة الخمسينيات التي كانت الشيوعية والقومية مسيطرة على المثقفين في أربيل .
يقول محسن عبد الحميد: سألت عددا من الإخوة الذين رافقوه من المرحلة الأولي: هل انتخب الصواف مراقبا عاما للإخوان أم فرض نفسه فرضا من الخارج؟
يقول الأستاذ الوهاب: (نعم انتخب انتخابا شرعيا ولم يفرض الرجل نفسه)
ويقول الأستاذ الواعظ:(تم تعين الأستاذ الصواف مراقبا عاما للإخوان في العراق بالانتخاب)
وأيد هذا كل من عبد الوهاب الحاج حسن ،وعبد القادر الجنابي ،وإبراهيم المدرس ،ووليد الأعظمي وداود العيثاوي،وعبد الملك محمد أمين .
وكانت للإخوان هيئة تأسيسية عامة تتكون من مسئول وأعضاء مكاتب الفروع والشعب في العراق كافة وهم الذين ينتخبون أعضاء اللجنة المركزية التي كانت أعلي هيئة في تنظيم الإخوان وهم الذين كانوا يخططون سياسة الجماعة ويأمرون بتنفيذها .
ويقول الأستاذ عبد الوهاب في مذكراته:
(كانت دروس المرحوم الصواف في جامع الإمام الأعظم (حديث الثلاثاء) لا تفي بالغرض المطلوب حيث انخرط كثير من الشباب المسلم المتعطش إلى معرفة أحكام الإسلام في شتي ميادين الحياة؛
كما لم يتسع المجال في وقت الدرس الأسبوعي إلى توجيه الأسئلة التي تدور في أذهان هؤلاء الشباب لذلك ارتأينا أن نطلب من المرحوم طه الفياض أن يقنع الدكتور الهلالي إلى التكرم بتلبية مبتغانا في قيام الهلالي بإلقاء الدرس ليلة كل خميس في مسجد (الملاخطاب)؛
لإدراكنا أنه علامة عصره في التفسير والحديث واللغة وبالفعل قام المرحوم الفياض بإقناع الدكتور الهلالي رحمه الله اعتماده على روح المعاني وفي اللغة والنحو والصرف شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك وفي الحديث مشكاة المصابيح للبغوي بشرح الدهلوي وكانت هذه الدروس بحق دروسا قيمة ومفيدة أغنانا بها المرحوم الهلالي بعلمه الغزير .
وافتتح أيضا جمع من الشباب اليافع بتوجيه من الأخ منيب عبد الواحد الدروبي الذي ظل على العهد.ومجمل القول أن إخوان الأعظمية ظلوا نشيطين في نشر الدعوة وكان لهم مسبح صيفي على نهر دجلة خلف المقبرة الملكية وكانوا يزاولون فيه الرياضة والسباحة والصلوات الجماعية والدروس الروحية والدعوي المتنوعة؛
وقد زرت هذا المسبح في عام 1955 م عندما جئت إلى بغداد كي أقدم أوراقي إلى الكليات وجاء الأستاذ الصواف قبل المغرب وصلي بنا صلاة الجماعة؛
ثم ألقي درسا دعويا بأسلوبه الخطابي المتحمس عرض فيه جراحات الإسلام في هذا العصر وواجب الشباب المسلم نحو أمته الغافلة ثم صلي بنا صلاة العشاء وبعدها غادر المسبح بين هتافات الإخوان الله أكبر .. ولله الحمد ،الله غايتنا،والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا،والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمي أمانينا .
وفيما بعد افتتح الإخوان في الأعظمية مسبحا آخر في نهاية شارع (20) على دجلة وناديا رياضيا سمي بنادي التربية الرياضي ثم انتقل إلى شارع المغرب .
ولم ينحصر وجود الإخوان في الأعظمية وإنما أسست شعب أخري في بغداد كشعبة باب الشيخ وشعبة الكرخ وغيرها كانت تقوم بالنشاطات عينها التي كانت تقوم في شعبة الأعظمية .
ولما اشتري الإخوان دار جعفر العسكري في باب المعظم من تبرعات الإخوان والمحسنين ب (6150) دينارا غدا مركز استقطاب لجميع الإخوان في بغداد والذين كانوا يزورون بغداد
وكانت تقام فيها الحفلات الدينية والمحاضرات الأسبوعية والكتائب العلمية الروحية الليلية وكانت فيها غرف كثيرة كانت تؤجر لبعض الموظفين من الإخوان وطلبة الكليات بأسعار رمزية .
وقد أجرت أنا وعرفان عبد الحميد غرفة صغيرة سكنا فيها عدة أشهر قبل انتقالنا إلى القسم الداخلي في دار المعلمين العالية .وكان هذا المركز أيضا مقرا لجمعية إنقاذ فلسطين وألحقت به مطبعة لنشر الكتب والرسائل الإسلامية .