من القاهرة إلى شرم الشيخ
بقلم : معتصم حمادة
يعود للفلسطينيين وحدهم أن يقرروا كيف سيتعاملون مع نتائج مؤتمر شرم الشيخ.
فهم إن حافظوا على نتائج حوار القاهرة وصانوها، فوتوا على الكثيرين، ممن حضروا شرم الشيخ، اللعب على وتر الخلافات الفلسطينية، ووفروا الفرص الضرورية لإطلاق ورشة إعادة إعمار القطاع.
حدثان بارزان شهدتهما الحالة الفلسطينية خلال أقل من عشرة أيام.
- الحدث الأول، انطلاق الحوار الوطني في القاهرة ، واعتماد مشروع اللجان الخمس لمعالجة القضايا المدرجة على جدول الأعمال، وبما يقود إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.
وقد شكل تظاهرة سياسية كبرى شاركت فيها معظم دول العالم التي وعدت بتقديم مساعدات سخية لإعادة إعمار ما هدمه العمل العدواني الإسرائيلي في القطاع.
وبين الحدثين تراوحت ردود الفعل، وتنوعت وجهات النظر، وبدا واضحا أن الحالة الفلسطينية تمر في مخاض سياسي له طابع إستراتيجي، وتداعياته بعيدة المدى.
- في الحدث الأول لا يمكن النظر إلى ما جرى في القاهرة سوى على أنه خطوة مهمة على طريق استعادة الوحدة الداخلية وإخراج الحالة الفلسطينية من المأزق الداخلي الذي علقت بين براثنه.
كثيرون اتهموا القاهرة ، بالتواطؤ مع الاحتلال والعدوان، وكالوا لها الانتقادات اللاذعة وصولا إلى التخوين، والتطاول على الشخصيات الأولى في الدولة..
إلا أنهم سرعان ما حزموا حقائبهم نحو القاهرة، في اعتذار غير مباشر حيث ألقوا كلمات أشادت بالدور المصري الذي وصفوه بالقومي والمهم في دعم القضية الفلسطينية وحقوق شعبها.
وكثيرون اتهموا السلطة الفلسطينية بالاشتراك بالعدوان، بما في ذلك تكليف «أتباعها» في قطاع غزة في التجسس على المقاومة، ونقل المعلومات إلى مقر المقاطعة في رام الله، ومن هناك إلى غرفة عمليات جيش الاحتلال..
إلا أنهم سرعان ما جلسوا مع ممثلي رام الله، ولم يقتصر الحديث والنقاش على وقف الاعتقالات السياسية وإطلاق سراح المعتقلين على هذه الخلفية، بل امتد النقاش ليطال اتجاهات العمل لمعالجة قضايا الخلاف.
وهكذا وجدت فتح و حماس طريقهما إلى «التفاهم» على أسس حل الخلافات حتى قبل أن ينعقد مؤتمر الحوار بكل أطرافه.
وعلى إيجابية ما حصل في القاهرة إلا أن الواقع يقول إن ما تمّ الاتفاق عليه لا يشكل إلا خطوة أولى نحو الحل.
فمازالت أمام القوى الفلسطينية أشواط لابد من قطعها للوصول إلى معالجة الملفات كافة.
ومثل هذا الأمر يحتاج إلى حكمة في التحرك، وروية في المعالجة واستقبال اقتراحات الآخرين، ومرونة في صوغ القرارات، إذ لابد من الاقتناع أن ما من طرف يستطيع أن يفرض رأيه منفردا على باقي الأطراف. وأن الحل لابد أن يكون محصلة وجهات النظر المختلفة.
وحتى لا يتوه الحوار، وحتى لا تشكل القواسم المشتركة «بدعا» سياسية، لابد من إعادة التأكيد على أن المرجعية السياسية للحوار، ولعمل اللجان الخمس هي وثيقة «إعلان القاهرة ـ 2005 » و«وثيقة الوفاق الوطني 2006 » وهما وثيقتان تتضمنان ما يكفي من الضوابط السياسة والتنظيمية الكفيلة بتوفير القاسم المشترك الوطني، في السياسة، وبتوفير الأسس لبناء المؤسسات على قاعدة ائتلافية ديمقراطية عبر اللجوء إلى الانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي.
ومع هذا نقول، إن القادم من الأيام، مرشح أن يحمل لنا المزيد من الخضات، والمنغصات، وأن ترتفع أصوات بالتهديد والابتزاز، قبل الوصول إلى «خط النهاية».
ومن وضع نفسه في مثل هذه الأجواء، سهّل على نفسه الأمر، وجهّز نفسه لدفع الأمور نحو الوجهة الصحيحة، دون أن يقع ضحية لمفاجأة من هناك، أو مباغتة من هناك.
- في الحدث الثاني لابد من إيراد بضعة ملاحظات من موقع التعليق.
ـ أولا: أجادت القاهرة حين دعت إلى جولة الحوار قبل انعقاد مؤتمر شرم الشيخ .
لأنها بذلك وفرت أرضية فلسطينية لتقبل الجانب الإيجابي من أعمال المؤتمر، وتطويق الجانب السلبي منها.
وكان واضحا أن أجواء المؤتمر تأثرت، بشكل أو بآخر، بنتائج مؤتمر الحوار الفلسطيني في القاهرة .
ولعل هذا لعب دورا معينا في إنجاح أعمال المؤتمر، خاصة في رصد المليارات الخمس لإطلاق ورشة إعادة إعمار القطاع.
ـ ثانيا: صحيح أن المؤتمر، على لسان ممثلي دول الغرب، لم يتوقف أمام جرائم إسرائيل الهمجية ضد أبناء القطاع. لكن الصحيح أيضا، أنه بقدر ما تتحرك الحالتان العربية والفلسطينية في تزخيم ملف إدانة الجريمة الإسرائيلية والإصرار على إحالتها إلى القضاء الدولي، بقدر ما يتأثر المجتمع الدولي بهذا التحرك، لصالح الانحياز نحو الفلسطينيين ودعمهم في شكواهم.
ـ ثالثا: صحيح (أيضا) أن هيلاري كلينتون ، وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، اشترطت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدم السماح بتسريب أي مبلغ من المساهمة الأميركية في الإعمار إلى حركة حماس .
إلا أن الصحيح أيضا أن مثل هذا الأمر ليس بجديد.
ففي زمن حكومة هنية الأولى وحين فرض الحصار على المناطق الفلسطينية، استحدثت آلية دولية لتوصيل المال إلى مؤسسة الرئاسة في السلطة الفلسطينية على أن تتولى هي بدورها تغطية نفقات الإدارات الرسمية مع ضمان عدم وصول المال إلى حركة حماس .
حقيقة الأمر أن مثل هذه الاشتراطات تدخل في باب الضغط السياسي الأميركي والأوروبي وكذلك اللجنة الرباعية الدولية.
نعتقد أن على الفلسطينيين أن يتحلوا بالمرونة، وأن يرفضوا الاشتراطات السياسية الغربية (بما في ذلك اشتراطات اللجنة الرباعية) وأن يسخروا المال، بعد ذلك، في خدمة المصالح الوطنية الفلسطينية، وبأسلوب لا يوفر للمانحين الفرصة لتخلي عن واجباتهم.
ـ رابعا: نعتقد أن على الفلسطينيين ألا ينجروا إلى الفخ الذي حاول البعض حفره في شرم الشيخ تحت أقدام الحالة الفلسطينية، في التمييز بين السلطة الفلسطينية في رام الله، وبين حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة . وبالتالي نفترض أن لا يثير الفلسطينيون قضية «لمن ستصرف الأموال؟».
نعتقد أن بإمكان الحالة الفلسطينية أن تنجح في ابتداع الصيغ العملية لتنظيم آليات استلام أموال المانحين وتسخيرها في خدمة مشاريع الإعمار دون أن يشكل ذلك محور صراع بين أطراف الحالة الفلسطينية وبالتالي فإننا نرى أنه لم يكن من داع لتلك التصريحات حول «لمن ستصرف المساعدات؟» لأنها ألقت بظلال الشك حول جدية ما جرى من حوار في القاهرة ، وحول احتمالات نجاح أعمال اللجان الخمس أو فشلها.
لقد تناسى كثيرون أن الحالة الفلسطينية مقبلة على تشكيل حكومة وفاق وطني (أو وحدة وطنية) وأن هذه الحكومة ستكون الصيغة المثلى للإشراف (الوطني) على مشاريع إعادة الإعمار.
ـ خامسا (وأخيرا): إن ما وعد المجتمع الدولي بتقديمه من مساعدات لإعادة إعمار القطاع، لا يدخل في باب المنة، بل هو واجب سياسي وأخلاقي وإنساني، يؤديه هذا المجتمع. فلقد وقفت حكوماته المؤثرة في السياسة، في موقع المتفرج على المجازر الإسرائيلية في القطاع.
بل إن الولايات المتحدة شرعت لهذه المجازر على أنها تندرج في باب الدفاع عن النفس.
إن المليارات الخمس، حين تدفع، لا تشكل ثمنا لدماء الأطفال التي سالت في القطاع.
أو ثمنا لحياة الرعب التي عاشها هؤلاء الأطفال طوال أيام الحرب.
بل هي جزء بسيط من التعويض الواجب على المجتمع الدولي أن يدفعه ثمنا لتقاعسه في ردع العدوان ومعاقبة مرتكبيه.
المصدر
- مقال:من القاهرة إلى شرم الشيخالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات