مهدي عاكف ورحيل ترك أثر
ملأ مهدي عاكف كتابه ومسيرة حياته بتاريخ مشرف وبطولات عظيمة منذ أن وقف في ساحات الجهاد بالجامعات مدربا حتى اعتقاله وانخراطه في الحياة السياسية والتربوية حتى كان على رأس هرم جماعة الإخوان المسلمين ثم تركها طوعا ليعلن أنه جندي في خدمة دعوته مع خلفه قبل أن يرحل في صمت داخل السجون الظالمة.
رحل الأستاذ محمد مهدي عاكف يوم 22 سبتمبر 2017م وترك من خلفه مدرسة تربوية عبر عنها في جميع مواقف حياته، وبعد مماته حيث أشعلت في نفوس الناس عامة والشباب خاصة جذوة حب هذا الدين والعمل له، بل والتضحية في سبيله.
مهدي عاكف الذي كان قد شارف على التسعين عاما وبالرغم من ذلك ظل نموذجا للتربية العملية التي تربى عليها خلال مسيرته الحياتية، ومع ذلك مات جلاديه وظل عاكف يكمل مسيرة العمل في دعوته ووسط الناس والشباب.
على أرض المنصورة نشأ
في جو امتاز بصفاء الطبيعة وروعة الحياة وبساطة المعيشة وصدق المشاعر بين أبناء القرية نشأ محمد مهدي عاكف وسط أسرة متدينة حرص رب الأسرة على تربية أبناءه تربية إسلامية، فقد ولدت في يوم 12 يوليو من عام 1928م بقرية كفر عوض السنيطة مركز أجا محافظة الدقهلية، ويصف أسرته بقوله[ولدت في أسرية ثرية وهي أسرة عاكف حيث كان جدي عثمان عاكف الطبيب الخاص للخديوي وللسلطان غير أن الانجليز قتلوه في عام 1900م وكان والدي عمره سنتين]
ولننظر لوصف بيته وكيف كان في الصغر بقوله:[ كان بيتنا الكبير مملوءًا دائمًا بالخيرات وكان والدي محط احترام أهل القرية وإجلالهم، وما يكاد يخرج من البيت لعمله حتى تدب الحركة، ويعلو صياحنا -نحن الأطفال- حتى يملأ البيت، وتبدأ أمي الحبيبة تلك الملاك الجميل، الباسم الوجه، المشرقة، المحبة -يومها بعد صلاة الفجر بتجهيز طعام الإفطار الشهي، وإيقاظ النائمين، ثم تبدأ في أعمال البيت بكلِّ همة ونشاط.
و أتاح لنا مرور الترعة من أمام البيت أن نتدرب على فنون صيد الأسماك فكنا نخرج بالساعات نقضيها على الترعة في صيد السمك، وكانت هذه المهنة لها عامل كبير في تعليمنا فنون الصبر والتريث].
لقد تشكلت مقومات شخصية عاكف على يد والده الذي حرص على تعليم أولاده معنى الرجولة الحقه وفنون الحياة العزيز والقوة وفنون الحوار مع العاقل والإعراض عن السفيه والجاهل، كما تعرف غض الطرف عن التفاهة والسفاهة .. والالتزام بما يرفع المقام والمكانة، فقد كان والده يعطيهم الفرصة لنعبر عن أرائهم بكل شجاعة دون الإخلال بالأدب في الحديث أو علو الصوت أو عدم احترام الكبير.
تخرج في مدرسة المنصورة الابتدائية وبعدها كانت رحلة في عالم كبير هو عالم المدينة الكبيرة.
انتقل إخوته للدراسة في الجامعة فاتخذ والده قرار بانتقال الأسرة كلها لتكون لحمة واحدة غير متفرقة وقطنوا في حي السكاكيني والتحق بالفرقة الأولى الثانوية بمدرسة فؤاد الأول.
بين الجموع المؤمنة
في مدرسته وفي مسجدها كانت جموع الشباب تلتقي لتقف بين يدي ربها وبعدها تتلاقى القلوب لتتعارف وكان وسط هؤلاء من يرتفع مقامه وتلتف حوله القلوب ويستمع له الجميع ..انه واحد من طلاب الإخوان المسلمين- الذين حملوا هم دعوتهم فنشروا عبيرها وسط القلوب الطاهرة النضرة فتلقفها بعضهم وكان مهدي عاكف منهم، وقد حرص على المساهمة معهم في كل فنون الرياضة حيث كان يحرص على مباريات كرة القدم ولم تتوقف العلاقة على ذلك بل توسعت دائرة المعرفة فتعرف على الإخوان في السكاكيني أمثال أحمد السكري وأحمد عادل كمال وإبراهيم الطيب وذلك كان عام 1941م، والتقى بالأستاذ البنا بالمركز العام .
لقد تفرد مهدي عاكف عن أقران جيله بأنه ظل عاملا مجاهد متفاعلا جنديا وقائدا ونموذجا للثبات أمام المحن التي لم تحص ولا تعد في مسيرة حياته، حيث خلف مواقف من عظمة شخصيته، ستظل الأجيال تتحاكى بها بل وتسجلها في صفحات التاريخ بمداد من ذهب لأنه نحسبه ولا نزكي على الله أحد كان واحد من الذين قضوا نحبهم وحب دعوته يتملك كيانه، ولنقف في ذكرى رحيله مع بعض المعاني التربوية التي تميز بها في حياته:
بين الجندية والقيادة
ما أن انخرط عاكف – وهو شاب في المدرسة الثانوية – لركب الدعاة رغم حياته الميسورة، إلا وقد تملكه حب الانطلاق والإبداع للوصول لقلوب الناس بدعوته التي ما أن عرفها حتى كان جنديا في الميدان يزود عنها ويعمل تحت لواء القادة.
لقد ضرب عاكف المثل العالي في الجندية حينما اختار عن طيب خاطر أن تكون فترة ولايته كمرشد فترة واحدة ويترك المجال لجيل أخر يحمل ويقود مسيرة هذه الدعوة.
لم يركن عاكف لكبر سنة أو للأمراض التي حلت به لكن قال كلمته التي دونها التاريخ حينما تم اختيار مرشد جديد، وأثناء تسليمه راية القيادة للمرشد الجديد قال له (كما جاء في مذكراته: كنت أول من نادى الدكتور محمد بديع بفضيلة المرشد العام، وأثناء خروجي من المكتب ناديته، وقلت: يا فضيلة المرشد.. أنا رهنت إشارتك في وقت تحتاجني الدعوة فيه.
ليس من السهولة على النفس أن تلزم نفسها رهن القيادة الجديدة إلا النماذج التي تجردت لله رب العالمين.
مواقف سطرها التاريخ
الثبات
ضرب مهدي عاكف النموذج الحي والعملي للثبات على المواقف، فبعدما ساءت العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر حتى تم اعتقال عاكف وتم تعذيبه بصورة وحشية جعلته يذكر أن الذي كان يطعمه خلسة أحد اليهود المحبوسين لما رأى من شدة التعذيب عليه، ومع ذلك ورغم اعتقاله قبل حادث المنشية عام 1954م بشهور إلا أن عبد الناصر زج به في المحاكمات والتي حكمت عليه بالإعدام شنقا، حيث يصف موقف الإعدام بقوله: ذهبوا بنا إلى حجرة الإعدام، ولم يكن بها شيء، حتى الجوارب أخذوها، وأخذوا كل ملابسي حتى المناديل، ولم يكن مسموحًا لنا بشيء، وسرعان ما أعدموا الستة الأوائل رحمة الله عليهم، وكنت أنا السابع، وجاءني مدير البوليس الحربي، وكان اسمه أحمد أنور، فحدثته بشدة، وعدم اكتراث؛ لأنه فعل بي الكثير بالإضافة إلى أنني سأُعدم فلماذا أخاف! وماذا سيفعلون بي بعد ذلك.
وبهذه الروح عاش عاكف ومع ذلك ظل عاكف ثابتا على دعوته يعمل لها وقد مات كل هؤلاء، حتى في أواخر حياته ظل ثابتا حتى توفاه الله في السجون لم يلن ولم يطلب من أحد العفو.
مجاهدا
لم يترجم مهدي عاكف شعار والجهاد سبيلنا ترجمة قوليه أو إعلامية، لكنه حققها في نفسه ترجمة فعلية بحيث كان مجاهدا في ساحات الوغى يزود عن وطنه ضد المحتلين، فقد وكل له مهمة جمع السلاح من الصحراء الغربية وصحاري مصر أثناء حرب فلسطين، والدفع بها للهيئة العليا للدفاع عن فلسطين، حيث كانوا يزودون بها متطوعي الإخوان هناك.
بل حمل راية الجهاد على عاتقه وسط جامعة القائد إبراهيم (عين شمس حاليا) وجمع الطلاب وفي ساحة الجامعة – وبعد استئذان رؤسائها – افتتح معسكر لتدريب المجاهدين في حرب القنال عام 1951م وكانت له صولات وجولات وسط جامعة القاهرة وجامعة عين شمس، وخرج الكثير من المجاهدين الذين أبلوا بلاء حسنا على أرض المعركة ومنهم من استشهد في سبيل وطنه.
قياديا
وهب الله عاكف العديد من الصفات القيادية منذ أن كان طالبا، ومنها الجرأة في الحق واللين لكل من يعمل لهذا الدين والانفتاح وغيرها، فبالرغم من كونه شارف على التسعين إلا أن الجميع كان يرى فيه روح الشباب، وحكمة القائد، وصبر الجندي، والأخوة الصادقة.
وبهذه الصفات تملك مهدي عاكف قلب من يعرفه، سواء في سجن الواحات أو سجن المحاريق، أو فترة عمله في الخارج خاصة المركز الإسلامي بميونيخ، أو نائبا في البرلمان، أو مرشدا لأكبر حركة إسلامية.
استطاع بريادته للعمل الإسلامي والتربوي أن يقدم نموذجا حيا للمربي والداعية في كل الميادين ولذلك له علاقات طيبة بمعظم الدعاة والمربين وقادة العمل الإسلامي في العالم.
ومن المعروف عنه دعمه الشديد للقضية الفلسطينية والمقاومة في لبنان ضد الاحتلال الصهيوني، والوقوف بجوار كل مسلم على وجه الأرض والعمل من اجل الإنسانية كلها.
متجردا
لم يسع مهدي عاكف للزعامة في يوم من الأيام بل كان يعمل وخلال العمل تسند له المهام، حيث كان يتجرد بهذه الأعمال لله رب العالمين، لم ينتظر ثناء ولا مدحا من احد، ب كان يقول: إن ظاهرةَ التنازع والشقاق والتشرذم التي تصيب بعض العاملين في حقل الدعوة تشير إلى نقص في التجرد الحقيقي لله، حين تختلف آراؤُنا واجتهاداتُنا ورؤانا ونحن متجردون لله وللحق، فسنحتكم إلى الضوابط والثوابت التي ارتضيناها، وسيقلُّ التنازعُ والشقاقُ والتشرذم دون شك حين نكون متجردين لله، نقبل النصيحة، ونحتمل النقد، سواء كان لأشخاصنا أو لأفكارنا أو لتصرفاتنا، وحين نكون متجردين لله لا تكون ذواتنا محور اهتمامنا ولا محور تحركنا، وحين نكون متجردين لله تكون طريقة الحكم على الآخرين هي الطريقة التي أمر الله بها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).
لقد سعى مهدي عاكف على درب نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يعبأ بالحياة ومتعها حيث كانت الآخرة نصب عينه حتى قال: "من أراد الجنة فلا يرى لنفسه حقاً على أحد.. ولا ينقص من أقدارنا أن يهاجمنا بعض الناس، ويتهموننا بالباطل، ولكن الذي ينقص من أقدارنا هو أن نخطئ نحن..".
رحل مهدي عاكف ولم يشيعه أحد، ولم يقف على قبره احد، مات وقد دفن في جوف الليل، بعدما رسم بمواقفه طريقا من نور يسير عليه كل من أراد أن يعمل لدين الله متجردا.