موقف جماعة الإخوان المسلمين من طبقة الأغنياء

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

تعد جماعة الإخوان المسلمين من أقدم وأكبر الحركات الإسلامية في العالم العربي، وقد تأثرت مواقفها وأيديولوجياتها بتطورات تاريخية واجتماعية وسياسية، حيث تشكلت مواقفها من قضايا عديدة، ومن بينها موقفها من طبقة الأغنياء في المجتمع المصري والعربي. منذ تأسيسها على يد الأستاذ حسن البنا في عام 1928م حتى الوقت الحاضر من تاريخ الجماعة.

وعلى الرغم من أن البنا والجماعة اهتموا بجميع فئات وطبقات المجتمع حيث اعتبروا أن الطبقة الوسطى صمام أمان للمجتمع، وأن الطبقة الفقيرة لها أهميتها ويجب العناية بها وتوفير مقومات الحياة إلا أنهم اهتموا أيضا بالطبقة الغنية لإحداث توازن طبقي بين جميع طبقات الشعب.

كيف نظر الإسلام للمال؟

تحدث الإمام البنا عن المال وأهميته في الحياة وقيمته مع المسلم الذي يرعى فيه حق الله، وعن مفهوم الزهد الحقيقي في المال، فيقول:

امتدح الإسلام المال الصالح، وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره، وأشاد بمنزلة الغنى الشاكر الذى يستخدم ماله فى نفع الناس ومرضاة الله، وليس فى الإسلام هذا المعنى الذى يدفع الناس إلى الفقر والفاقة من فهم الزهد على غير معناه.

وما ورد فى ذم الدنيا والمال والغنى والثروة إنما يراد به ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف، ويستعان به على الإثم والمعصية والجور وكفران نعمة الله، وفى الحديث [نعم المال الصالح للرجل الصالح](حديث صحيح).

وفى ذلك الإشارة إلى أن الأموال قوام الأعمال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فى غير وجهه، فقال: [إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ](صحيح مسلم) [١].

ثم يوضح الإطار العام الذي أحاط به الإسلام حياة المسلم للحفاظ على حياته وماله، فيقول الشيخ البنا مبينا ما يعرض المال للخراب: ومن تعاليمه: تحريم موارد الكسب الخبيثة، وتحديد الخبث فى الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل: كالربا والقمار واليانصيب ونحوها. أو كان بغير حق: كالنصب والسرقة والغش ونحوها. أو كان عوضًا لما يضر: كثمن الخمر والخنزير والمخدر ونحوها. فكل هذه موارد للكسب لا يبيحها الإسلام ولا يعترف بها[٢].

الإسلام ومحاربة الفوارق الاجتماعية

يوضح الإمام البنا العدالة التي أقرها الإسلام في العلاقة بين أفراد المجتمع والتعاون بين الجميع حتى لا ينتشر داء الفوارق الطبقية، فيقول: وقد عمل الإسلام على التقريب بين الطبقات بتحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم فى مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملى لذلك، حيث كفلت الشريعة الملكية الفردية مادام صاحبها حصل عليها من حلال وأخرج زكاتها مستحقاتها.

ثم تكلم عن الملكيات والحفاظ عليها بقوله: وقرر حرمة المال، واحترام الملكية الخاصة ما دامت لا تتعارض مع المصلحة العامة: [كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ مالُه وعِرضُه ودمُه](أبو داود) [٣].

أولا: موقف حسن البنا من طبقة الأغنياء وكيف تأثر بتوجهات الحركة الإسلامية في ذلك الوقت

نظر الأستاذ حسن البنا إلى الطبقات الاجتماعية في المجتمع المصري بشكل مختلف عن العديد من المفكرين والسياسيين في عصره. فقد كان يؤمن بأن الإسلام يفرض توازناً بين العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الفقراء والضعفاء، وفي الوقت ذاته، كان يدرك أن الأغنياء يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم الاجتماعية.

ومن ثم كان البنا يرى أن الأغنياء يجب عليهم أن يسهموا في تحسين أوضاع الفقراء والمساكين من خلال الزكاة، والصدقات، والمساهمة في المشاريع التنموية التي تحسن حياة الناس.

وليس ذلك فحسب بل كان يرى أن المجتمع يجب أن يكون مجتمعاً متعاوناً، حيث يكون للأغنياء دور مهم في تحسين حياة الفقراء وتخفيف معاناتهم.

وفي الوقت ذاته انتقد الإمام البنا النظام الرأسمالي بشدة والذي كان سائداً في العديد من الدول في تلك الفترة. حيث كان يرى أن الرأسمالية تؤدي إلى التفاوت الكبير بين طبقات المجتمع وتزيد من فقر الضعفاء. وبالتالي دعى الإمام البنا وأكد إلى ضرورة إيجاد نظام اقتصادي إسلامي يقوم على العدالة الاجتماعية ويعزز توزيع الثروات بشكل أكثر إنصافاً.

يقول في إحدى رسائله:( فالعالمية، والقومية، والاشتراكية، والرأسمالية، والبلشفية، والحرب والسلام، وتوزيع الثروة، والصلة بين المنتج والمستهلك، وما يمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى هذه البحوث التى تشغل بال ساسة الأمم وفلاسفة الاجتماع، كل هذه نعتقد أن الإسلام خاض فى لبها، ووضع للعالم النظم التى تكفل له الانتفاع بما فيها من محاسن، وتجنب ما تستتبعه من خطر وويلات)[٤].

وبالرغم من نقده للنظام الاقتصادي السائد، كان الأستاذ البنا يرى أن الأغنياء يمكنهم أن يكونوا جزءاً من الحل إذا تغيرت النفوس والعقول من خلال الدعوة الإسلامية والذي من الممكن أن يؤدي إلى تحول تدريجي في المجتمع، ويجعل الأغنياء أكثر التزاماً بالقيم الإسلامية، مثل الزكاة والعدل. حيث يذكر ذلك في إحدى رسائله بقوله:( وتقترح لجنة الدفاع عن العمال بالغربية بدار الإخوان المسلمين بطنطا مطالبة الحكومة بإصدار التشريعات الخاصة بإنقاذ العمال وتحسين حالهم، ومطالبة الأغنياء بالاكتتاب لمساعدة أسر العاطلين منهم) [٥].

ويضيف في رسالة أخرى:( وقد عمل الإسلام على التقريب بين الطبقات بتحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم فى مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملى لذلك).

ثم يضيف:( فلا بد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدى -بحسب المال لا بحسب الربح- يعفى منها الفقراء طبعًا، وتجبى من الأغنياء الموسرين، وتنفق فى رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة.. ومن لطائف عُمر رضى الله عنه، أنه كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب لأنه فاكهة الأغنياء، والضريبة التى لا تذكر على التمر لأنه طعام الفقراء، فكان أول من لاحظ هذا المعنى الاجتماعى فى الحكام والأمراء رضى الله عنه)[٦].

ولقد تأثر الإمام حسن البنا بتوجهات الحركة الإسلامية في مصر والعالم الإسلامي في فترة بداية القرن العشرين، والتي كانت تبحث عن حلول لأزمات العالم الإسلامي في مواجهة الاستعمار والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.

حيث تأثر بعدد من المفكرين الإسلاميين الذين كانوا يطالبون بالإصلاح الاجتماعي والسياسي بناءً على مبادئ الإسلام، مثل محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وغيرهم من علماء الإسلام حيث كان هؤلاء المفكرون يدعون إلى تجديد الفكر الإسلامي وتطبيقه في مواجهة التحديات الحديثة.

حيث أهتموا بالعدالة الاجتماعية والتركيز على تحقيق العدالة الاجتماعية، وكان البنا جزءاً من هذا التوجه. ولذلك كان له اهتمام كبير بالطبقات الاجتماعية الضعيفة والمحرومة، وكان يعتقد أن المجتمع الإسلامي يجب أن يسعى لتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية للأغنياء وحقوق الفقراء.

ثانيا: نظرة حسن البنا إلى الطبقات الاجتماعية بشكل عام

نظرة الإمام حسن البنا – مؤسس جماعة الإخوان المسلمين – إلى الطبقات الاجتماعية كانت متأثرة بفكره الإسلامي الإصلاحي الذي سعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن بين أفراد المجتمع دون إلغاء الفوارق الطبيعية بينهم، وقد اتضح ذلك في عدة أمور منها:

1. رفض الصراع الطبقي

لقد رفض الأستاذ حسن البنا فكرة الصراع بين الطبقات كما طرحتها الماركسية، واعتبرها فكرة مدمّرة لوحدة الأمة.

كما كان يرى أن الإسلام لا يعترف بـ"طبقة عاملة" و"طبقة مالكة" في صراع دائم، بل يعتبر الجميع شركاء في بناء المجتمع، ولكل منهم دوره ومسؤوليته.

يقول البنا: (نريد أن نعيد إلى الناس معنى الأخوة الصادقة والتكافل الصحيح، وأن نضع حدًّا لهذا التناحر الطبقي البغيض الذي مزّق الأمم شر ممزّق)[٧].

وهو ما طبقه عمليا في الشركات التي أسسها الإخوان حيث تخلى عن مبدأ أن يكون أصحاب رأس المال هم أصحاب الشركة لكنه جعل تأسيس الشركات قائم على نظام الأسهم وجميع من يعمل في الشركات يساهم –واو بنصيب بسيط- في أسهم الشركة ويوزع عليهم أرباح الشركة في نهاية العام حسب نسبة كل واحد وهو ما جعل الجميع يحرصون على نجاح شركتهم سواء كان رئيس مجلس إدارة أو عامل في الشركة، وهو النظام الذي جعل الجميع في الشركة في ألفة وتوافق وسعيا لنجاح الشركة[٨].

2. العدالة الاجتماعية لا المساواة المطلقة

دعا البنا إلى تحقيق العدالة في توزيع الثروة والفرص، وليس إلى المساواة المطلقة التي تلغي الجهد أو الكفاءة.

حيث يرى البنا أن الإسلام يقرّ بوجود فروق طبيعية في القدرات والملكات، لكن يوجب على القادر أن يعين المحتاج، وعلى الدولة أن تضمن حدًّا أدنى من العيش الكريم للجميع.

وهو المعنى الذي تبناه الإمام البنا وجماعة الإخوان حيث يقول:( فالعدالة الاجتماعية في الإسلام هي عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية، فلا يمكن إدراكها إلا ضمن التصور العام للإسلام حول الكون والحياة والإنسان والمجتمع، باعتبار أن الإسلام يمثل تصورا شاملا ومتكاملا يعالج مختلف مجالات الحياة. العدالة الاجتماعية بحسب الرؤية القرآنية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات والتوزيع العادل للثروات بين الناس والمساواة في الفرص وتوفير الحاجات الرئيسة بشكل عادل واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية)[٩].

3. الملكية الفردية بضوابط شرعية

رفض البنا فكرة تأميم الملكيات الخاصة على النمط الاشتراكي، لكنه دعا إلى تقنين الملكية الفردية بما لا يضرّ المجتمع.

واعتبر أن المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، وعليه أن ينفقه في الخير، ويمنع احتكاره أو اكتنازه.

فقال: توجب علينا روح الإسلام الحنيف، وقواعده الأساسية فى الاقتصاد القومى، أن نعيد النظر فى نظام الملكيات فى مصر، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، ونشجع الملكيات الصغيرة، حتى يشعر الفقراء المعدمون بأن قد أصبح لهم فى هذا الوطن ما يعنيهم أمره، ويهمهم شأنه.. وأن توزع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا[١٠].

ويذكر عبد الهادي عبد الحكيم قوله: قامت الفكرة الاقتصادية الإسلامية عند الإخوان على أساس عنصرين هما: حرية الملكية الفردية مع عدم إغفال العدالة الاجتماعية، ومن ثم نادى الإخوان باختصار الملكيات الكبيرة مع تعويض أصحابها، وتوزيع هذه الأملاك على الفقراء المعدمين لزراعتها، كما توزع الأراضي الأميرية المستصلحة على صغار الملاك والمعدمين خاصة[١١]. ومن أجل تحقيق المساواة نادى الإخوان بفكرة تنظيم الزكاة؛ لأنها العلاج الاقتصادي السليم للقضاء على الفقر، فكتبت "النذير" تحت عنوان: "الضرائب الجديدة وهل منها ما يخالف الشريعة الإسلامية؟" تحث الحكومة على الأخذ بنظام الزكاة، وأنها أعدل من نظام الضرائب[١٢].

4. دور الدولة في تحقيق التكافل الاجتماعي

رأى الأستاذ البنا أن على الدولة أن تقوم بدور فعّال في تحقيق التكافل، من خلال الزكاة والضرائب العادلة ورعاية الفقراء والعاجزين، لكنه أكد أن التكافل لا يقوم فقط على الدولة، بل أيضًا على المجتمع ومؤسساته الخيرية.

يقول الكاتب إسحاق موسى الحسيني في كتابه قوله: عمل الإخوان على إيجاد نظام اقتصادي صحيح يقوم على أسس اعتبار المال الصالح قوام الحياة، ويجب حسن استثماره، والكشف عن منابع الثروات الطبيعية والاستفادة بها، وإزالة الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع، واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة، وإن الثروات العامة هي ملك الأمة لا يجوز للدولة أن تمنح استثمارها لأي شركة أجنبية[١٣].

ويقول الدكتور عثمان رسلان: وحيال ذلك رأى الإخوان أن إصلاح القرية يتطلب إصلاحات أساسية منها: تحديد الملكيات الزراعية الكبيرة بوضع حد أعلى للملكية الزراعية -تتراوح بين مائة إلى ثلاثمائة فدان- ويوزع الزائد على ذلك على المعدمين وصغار الملاك بأسعار معقولة تؤدى على آجال طويلة، وتكون الدولة مسئولة عن ذلك لإعادة التوزان، كما تكون مسئولة عن توزيع جميع الأطيان المستصلحة والتي تستصلح على صغار الملاك والمعدمين خاصة، وأن توزع أملاك الدولة -فورًا- عليهم[١٤].

5. موقفه من الأغنياء والفقراء

دعا الأغنياء إلى أداء حقوق الفقراء طوعًا من منطلق ديني وأخلاقي، كما نادى بتربية الفقراء على العمل والاعتماد على النفس، حتى لا يتحول التكافل إلى اتكالية.

وهو المعنى الذي عبر عنه الإمام البنا بقوله: فيقول الإمام البنا: لم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد، ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات، فانتقص من مال الغنى بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء، ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء، وقرر للفقير حقًّا معلومًا، وجعله في كفالة الدولة أولاً، وفى كفالة الأقارب ثانيًا، وفى كفالة المجتمع بعد ذلك. ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريرًا عجيبًا في دقته وشموله وآثاره ونتائجه[١٥].

6. إصلاح المجتمع من القاعدة إلى القمة

اعتقد البنا أن الإصلاح الاجتماعي يبدأ من إصلاح الفرد والأسرة، ثم الطبقات المختلفة، وصولًا إلى إصلاح النظام الاقتصادي والسياسي ككل.

لقد كانت نظرة حسن البنا إلى الطبقات الاجتماعية نظرة توفيقية تجمع بين القيم الإسلامية ومبادئ العدالة الاجتماعية، وترفض التطرفين: الرأسمالية الجشعة من جهة، والاشتراكية الثورية من جهة أخرى.

ثالثا: العلاقة بين الفقراء والأغنياء في خطاب البنا

تناول الإمام البنا قضية الفقر والغنى باعتبارها قضية أخلاقية واجتماعية في صميم مشروع "إحياء الأمة" على أساس العدالة والتكافل.

كما لم يكن الإمام البنا ضد الغنى في ذاته، لكنه كان ضد الترف والإسراف واستغلال النفوذ المالي، فكان يرى أن الغني المسلم يجب أن يؤدي الزكاة بوصفها واجبًا شرعيًا لا منّة فيه، ويساهم في الوقف الخيري والمشاريع الاجتماعية، ويشعر بمسؤولية دينية تجاه المجتمع، فالثروة في نظره أمانة وابتلاء.

فيقول: وقد عمل الإسلام على التقريب بين الطبقات بتحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم فى مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملى لذلك، حيث كفلت الشريعة الملكية الفردية مادام صاحبها حصل عليها من حلال وأخرج زكاتها مستحقاتها[١٦].

بل إن الإمام البنا دعا الفقراء إلى العمل والصبر والإنتاج، وعدم اليأس أو الحقد الطبقي، لكنه في الوقت نفسه، طالب الدولة والمجتمع بإزالة أسباب الظلم، وحيال ذلك رأى الإخوان أن إصلاح القرية يتطلب إصلاحات أساسية منها: تحديد الملكيات الزراعية الكبيرة بوضع حد أعلى للملكية الزراعية -تتراوح بين مائة إلى ثلاثمائة فدان- ويوزع الزائد على ذلك على المعدمين وصغار الملاك بأسعار معقولة تؤدى على آجال طويلة، وتكون الدولة مسئولة عن ذلك لإعادة التوزان، كما تكون مسئولة عن توزيع جميع الأطيان المستصلحة والتي تستصلح على صغار الملاك والمعدمين خاصة، وأن توزع أملاك الدولة -فورًا- عليهم.

كما رأوا ضرورة تحديد العلاقة بين المالك الزراعي والمستأجر بما يحقق العدل بين الطرفين، واقترح الإخوان في ذلك نظام المزارعة، وطالبوا باستكمال التشريعات العمالية لتشمل العمال الزراعيين، ولتكفل للعامل الزراعي وأسرته التأمينات ضد البطالة والعجز والوفاة، إضافة إلى تشجيع الإرشاد الزراعي، وعمل نقابات للعمال الزراعيين.[١٧]

لقد كانت نظرة الإمام البنا إلى الأغنياء والفقراء على أساس قائم على التراحم والتكافل فيما فينهما حتى يستقر المجتمع ويشعر الجميع بالعدل. وكان يرى أن العلاقة بين الفقراء والأغنياء ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل وتكافل، يضبطها مبدأ الأخوة الإسلامية. فهي دعوة إلى بناء مجتمع متراحم لا متصارع، متعاون لا متفاخر، قائم على العدل لا على الامتياز الطبقي.

رابعا: موقف الإخوان من طبقة الأغنياء خلال مرحلة ما بعد انقلاب 1952.

تغيرت قيادة جماعة الإخوان كما تغير الوضع العام في البلاد، فقد استشهد الإمام حسن البنا –مؤسس الجماعة- وظلت الجماعة فترة طويلة في المحن ودون قيادية، حتى تم انتخاب المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما جديدا للإخوان أواخر عام 1951م.

وهو الوقت الذي تغير في حدث فيه تغير جيوسياسي بتغير النظام الملكي وقيام الجمهورية بعد انقلاب شعبي عسكري عام 1952م.

وخلال المرحلة التي تلت الثورة مباشرة (1952–1954)، حاول الإخوان في البداية التقارب مع النظام الجديد، كونهم اعتقدوا أن الضباط الأحرار ينفذون مشروع "الإصلاح الاجتماعي" الذي نادوا به هم أنفسهم — أي العدالة الاجتماعية في إطار الإسلام.

لكن كان تقديرهم لم يكن في محله حيث انقلب الضباط على وعودهم، وتمسكوا بالسلطة، وأصبحوا ملوك أكثر من الملك فاروق- على حسب وصف اللواء محمد نجيب.

ولذا عندما بدأ عبد الناصر والضباط الأحرار يؤممون الملكيات الكبرى ويضربون نفوذ القطاع الخاص، تغيّر ميزان القوى، فأصبح الأغنياء منقسمين إلى:

أغنياء مرتبطون بالنظام (رجال الدولة والجيش والبيروقراطية الجديدة).

أغنياء تقليديون من رجال الأعمال والملّاك السابقين، فقدوا نفوذهم.

ولذا أصدر مجلس قيادة الثورة قانون الاصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952م، حيث اعترض عليه الإخوان المسلمون واللواء نجيب وغيرهم كونه كان ملئ بالعوار الذي يسبب خسارة كبيرة سواء للملاك الجدد أو الأرض وجودتها.

هذا القانون الذي رأى فيه الرئيس محمد نجيب أنه سيدفع الفلاح للكسل وعدم الاهتمام بالأرض ولعجزه عن الوفاء بمتطلبات الأرض الكثيرة حيث قال محمد نجيب: كنت أرى أن تطبيق القانون سيفرض علينا إنشاء وزارة جديدة لمباشرة تنفيذ «وزارة الاصلاح الزراعى» وهذا سيكلفنا أعباء مالية وإدارية لا مبرر لتحملها.

وتابع نجيب: كان من رأيي أن وجود الملاك الجدد بجانب الملاك الأصليين سيثير الكثير من المتاعب والصراعات الطبقية[١٨]

كان للاخوان رأى في قانون الإصلاح الزراعي قائم على العدالة بين الجميع، بحيث يحافظ على جزء من الملكية الخاصة بالناس، ويوزع الباقي على المعدومين بطريقة يستطيعون المحافظة على ما في أيديهم.

أصدر الإخوان بيان أيدوا فيه الثورة ووضعوا رؤية للاصلاح الزراعي وهو البيان الذي صدر في يوم الجمعة 10 من ذي العقدة 1371 أول أغسطس 1952، يحمل الكثير من بنود الإصلاح ومنها الملكيات الفردية حيث رأوا فيه أن الملكيات الكبيرة التي أضرت أبلغ الضرر بالفلاحين والعمال الزراعيين وسدت في وجوههم فرص التملك وصيرتهم إلى حالة أشبه بحال الأرقاء، وأعلن الإخوان أنه لا سبيل إلى إصلاح جدي في هذا الميدان إلا بتقرير حد أعلى للملكية الفردية الزراعية وبيع الزائد عنه إلى المعدمين بأسعار معقولة تؤدي إلى آجال طويلة مع توزيع جميع الأطيان الأميرية المستصلحة والتي ستستصلح مستقبلا على المعدمين، حتى يستطيع الفلاح الوفاء بالتزاماته الجديدة، ولا تحدث الفرقة بين طبقات المجتمع[١٩]).

ويضيف القيادي في جماعة الإخوان الأستاذ محمود عبدالحليم قوله: ولما طلب رأي الإخوان في المشروع وأبدوا رأيهم فيه ، تبين أن هناك نقطة معينة يختلف الإخوان مع الحكومة حولها ، وهي مقدار الحد الأعلى للملكية ، فالحكومة تراه مائتي فدان والإخوان يرونه خمسمائة فدان، ورأي الإخوان في ذلك كان يقوم علي الأسس التالية:

   1 – تجنب ما تحدثه الطفرة من آثار ، فالانتقال من الملكيات الضخمة إلي خمسمائة فدان أخف وقعًا علي النفوس من انتقالها إلي مائتين .

   2 – أن وضع ملكيات من خمسمائة فدان في أيدي أشخاص قادرين علي الصرف عليها يعود بالخير علي البلاد . أما تفتيت الملكيات ووضعها في أيدي معدمين فسيحرم البلاد من إنتاج هذه الملكيات ويحرم من آلت إليهم كذلك .

   3 – أن نظام الميراث الإسلامي سوف يتكفل بتفتيت هذه الملكيات ذوات الخمسمائة فدان ولكن بطريقة غير متعجلة وتدريجية وليس فيها مصادمة للنفوس ، وسيرفع عن كاهل الدولة عبء المساعدات المالية التي يجب أن تقدمها للمعدمين حتى يستطيعوا زراعة ما آل إليهم[٢٠].

وهي الرؤية التي أيدها بشدة الدكتور عبدالعزيز أحمد بقوله: نخلص مما تقدم أن الحرص علي أموال الدولة ، وتحقيق العدالة في توزيع الأراضي ، والمحافظة علي مستوي الإنتاج الزراعي حتى لا يصاب بالنقص – كل ذلك يقضي بالتدرج في تحديد الملكية عند تنفيذ[٢١].

وحينما كلفته الحكومة بتحري أسباب تدهور محصول القطن حيث كان يعمل في وزارة الزراعة، فسأل موظف خبير وباشخولى ناحية أبو حمص عن السبب فكانت إجابته: المزارع الثري الذي أخذ أرضًا من الإصلاح الزراعي استطاع أن يصرف عليها من جيبه فأعطاها حقها من الخدمة والتقاوي والسماد ، فأنتجت إنتاجًا طيبًا . أما المزارع الفقير المعدم الذي أخذ أرضًا من الإصلاح الزراعي والذي يعتمد علي ما تمده به هيئة الإصلاح الزراعي من لوازم الزراعة فإنه ازداد فقرًا لأن هيئة الإصلاح الزراعي لا تمده إلا بجزء ضئيل من لوازم الزراعة ، ولما كانت الأرض في حاجة إلي استكمال حقها من هذه اللوازم وليس عنده ما يشتري به فإن أرضه لا تكاد تنتج ما يكفيه شخصيًا لطعامه ولا يستطيع أن يسدد شيئًا مما عليه لهيئة الإصلاح ، فتتراكم عليه الديون .  ولما كانت الكثرة الغالبة من المنتفعين بالإصلاح الزراعي من الصنف الأخير فإن الإنتاج الزراعي في مجموعه قد تدهور كماً وصنفًا[٢٢]

ومن ثم المستشار حسن الهضيبي والإخوان لم يرفضوا قانون الإصلاح الزراعي لكن كانت نقطة الخلاف الحد الأقصى للملكية، حيث رأها الإخوان 500 فدان يتملكها الأغنياء حتى يستطيعوا الانفاق عليها ثم بعد تحسن الوضع تقل بعض الشيء وهكذا، لكي يستطيع الفلاح الفقير الانفاق على قدر استطاعته على الأراضي التي سيحصل عليها[٢٣].

لم يستمع العسكر لنصائح أحد وصدر قانون الاصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952 الصادر في 9 سبتمبر 1952 كان مائتي فدان ثم عدل إلى مائة فدان بالقانون الصادر في 25 يوليو 1961.

خامسا: موقف الإخوان من قرارات التأميم وتأثير تأثيرها على موقف الجماعة من طبقة الأغنياء

بعد ثورة 23 يوليو 1952، تبنى نظام عبد الناصر سياسات اشتراكية قومية، شملت تأميم الأراضي الكبرى (إصلاح زراعي)، وتأميم البنوك والشركات الكبرى، وتوسيع القطاع العام في الصناعة والتجارة، وتحكم الدولة في الأسعار والأجور والتوزيع.

وهذه السياسات أثرت بشكل مباشر على طبقة الأغنياء التقليدية والقطاع الخاص، مما أدى إلى توترات اجتماعية واقتصادية.

ولذا رفض التأميم القسري ومصادرة الملكية، حيث أن الإسلام يضمن حق الملكية الفردية، ولا يسمح بالمصادرة بدون تعويض شرعي. بل إنهم رفضوا السياسات الناصرية في هذا اشأن بهذه الصورة واعتُبرت تجاوزًا على الحقوق الفردية والشرعية.

و رفض الاقتصاد المركزي المفرط، ودعوا إلى اقتصاد إسلامي متوازن: قائم على الملكية الفردية + الإنتاج الحر + تكافل اجتماعي وفق الشريعة. ويكون دور الدولة تنظيمي ورقابي، وليس استحواذ كامل على الموارد.

وهذا الجدول يوضح الاختلاف بين رؤية الإخوان ورؤية عبدالناصر

المحور سياسات عبد الناصر (الناصرية) سياسات الإخوان المسلمين
الملكية الفردية التأميم واسع للأراضي والبنوك والشركات الكبرى، محدودية الحق الفردي في الملكية الحفاظ على الملكية الفردية، مع التأكيد على الحقوق الشرعية والتكافل الاجتماعي
التأميم تأميم واسع للقطاعات الكبرى، الصناعة والبنوك والخدمات رفض التأميم القسري، مع التأكيد على الزكاة والوقف كوسائل لتقليل الفجوة الاقتصادية
القطاع الخاص محدود ودوره في الاقتصاد قليل، خاضع لرقابة الدولة مهم للإنتاج والمبادرة، يجب حمايته ضمن ضوابط شرعية
العدالة الاجتماعية تحقق عن طريق الدولة والسيطرة على التوزيع، إصلاح زراعي شامل، دعم الفقراء تحقق عبر التكافل الاجتماعي الإسلامي (الزكاة، الوقف)، العمل الخيري، دعم الفقراء ضمن إطار شرعي
الاقتصاد المركزي دولة قوية تسيطر على معظم القطاعات، تخطيط مركزي شامل معارض للسيطرة المركزية الكاملة، يفضل تنظيم الدولة وترك المبادرة الاقتصادية للأفراد ضمن إطار أخلاقي
الفقراء والطبقة العاملة دعم مباشر عبر الدولة، سياسات الرعاية الاجتماعية، توزيع الأراضي دعم عبر التكافل الاجتماعي، دور المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، التأكيد على مسؤولية الأغنياء
الأسس الأخلاقية والشرعية علمانية، تستند على مبدأ الدولة القوية والتنمية الاشتراكية مستمدة من الشريعة الإسلامية، التأكيد على العدالة والأخلاق في التعامل مع المال

سادسا: موقف الجماعة في ظل التوسع الرأسمالي بعد الانفتاح الاقتصادي

عانى الإخوان كما عانى الشعب من سياسات عبدالناصر السياسية والاقتصاية والاجتماعية والعسكرية، حتى جاء السادات الذي انتهج منهج مغايير لسياسات عبدالناصر كونه اتجه نحو الغرب والرأسمالية والانفتاح الاقتصادي الذي زاد من ثارء الأغنياء وأفقر مزيدا من الفقراء.

في هذه الفترة خرج الإخوان من السجون وعادوا لحياتهم الطبيعية والدعوية ومن ثم رحب الإخوان بالاستثمار المشروع، كما لم يعارض الإخوان الرأسمالية بحد ذاتها، طالما أنها تتم وفق مبادئ شرعية.ودعموا دور رجال الأعمال في التنمية والمشاريع الاجتماعية، خاصة إذا ساهمت في دفع الاقتصاد وتحقيق فرص عمل.

لكنهم في نفس الوقت انتقدوا الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، ودعوا إلى التكافل الاجتماعي الإسلامي عبر الزكاة والوقف والجمعيات الخيرية لتعويض أوجه الظلم الاقتصادي.

وهو المعني الذي عبر عنه الأستاذ عمر التلمساني بقوله:( هذه الثروات الضخمة التي تتراءى مظاهرها الكمالية في إنفاقات الأثرياء الترفيهية، أليس فيها ما يرفع هذه الضائقة عن المعوزين، قبل أن نبيح لأفراد الشعب إقراض الحكومة بالربا؟! وإذا لم نأخذ من الأغنياء للإنفاق على الفقراء التزامًا بتوجيهات القرآن الكريم، ألا نكون بذلك قد عرضنا أمتنا وحكومتنا لمقت الله سبحانه، هذا إذا استحال علينا جمع الزكاة، أو الأمر بالصدقات) [٢٤].

ثم كتب في موضع أخر قوله:( ارجعوا إلى شعوبكم.. قووا الروابط بينكم وبينهم.. واجعلوهم يلمسون حقًّا أنكم تعملون لصالحهم.. اتركوا مظاهر البذخ والعظمة حتى لا تستثيروا الفقراء في شعوبكم وتمكنوا للشيوعيين من تسميم أفكارهم وعقائدهم. أصلحوا أمر شعوبكم بتنظيفها من المبادئ الهدامة، والأخلاق المعوجة، والميوعة المهلكة)[٢٥]

سابعا: النقد الموجه من قبل الإخوان للفساد السياسي والاقتصادي في عهد السادات ومبارك

منذ أن عادت الجماعة مرة أخرى في السبعينيات وقد سارت على منهجها في قول الحق والعمل من أجل الإصلاح، فحينما كانت ترى انحراف في السلطة كانت توجه لها النقد الحاد، كان يعكس تزايد الاستياء من السياسات التي أدت إلى تفشي الفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، والممارسات الاستبدادية. رغم أن كل من السادات ومبارك قادا مصر في فترات مختلفة، فإن العديد من النقاط التي انتقدها الإخوان كانت متشابهة بين العهدين.

ففي عهد السادات شهد غياب للديمقراطية وكان هناك تقليص واضح للحرية السياسية، وتم استبعاد القوى المعارضة سواء كانت إسلامية أو يسارية أو ليبرالية. وأدى ذلك إلى تهميش الحياة السياسية.

كما انتقد الإخوان سياسة الانفتاح الاقتصادي، والذي ركز على تحرير السوق وجذب الاستثمارات الأجنبية، هذه السياسات أدت إلى تفشي الفقر وزيادة التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء.

وساعد السادات رجال الأعمال المقربين منه في التوسع الاقتصادي، مما أدى إلى تنامي فساد المحسوبية والرشوة. ولذا شعر الإخوان أن هذا النظام سمح بالثراء الفاحش لقلة بينما عانت الأغلبية من الفقر والبطالة. مما أسفرت عن ارتفاع حاد في الأسعار، وأثر على الطبقات الشعبية بشكل كبير، وأدى إلى تدهور مستوى المعيشة للكثير من المواطنين.

كتب الأستاذ عمر التلمساني يقول:( إنَّ الانفتاح الاقتصادي -ونحن نرضاه ونؤيده- كان كفيلاً بفكِّ جانب كبير من الأزمة الطاحنة التي نعانيها، لو أنه اقتصر على الأشياء الإنتاجية بدلاً من هذه المواد الكمالية التي لا تزيد الضنك إلا ضنكًا؟

إنَّ هذه الاختلاسات التي نقرأ عن بعضها يومًا بعد يوم، ألا يقطع دابرها بأيدٍ نظيفة طاهرة مؤمنة تقوم على أمرها؟

إنَّ الحرام لا يربو معه المال، ولكنه يأخذ الحلال معه ويمضيان إلى غير رجعة، فلا نزداد إلا فقرًا من ورائه فقر، من ورائه قلق، من ورائه كارثة)[٢٦].

وفي فترة مبارك، ازداد القمع السياسي، وتزايد التنكيل بالمعارضين السياسيين. كما أن انتخابات مجلس الشعب والرئاسة كانت تتم تحت إشراف حكومي مباشر، مما جعلها خالية من أي نوع من المنافسة الحقيقية، أضافة لمشروع التوريث الذي تبناه مبارك ونظامه وقرب له رجال الأعمال وأفسح لهم المجال في السياسة والاقتصاد مما كان له تأثير كبير على الشعب حتى أن مصر شهدت عملية كبيرة لخصخصة الشركات الحكومية، التي أدت إلى بيع الأصول العامة لمجموعة من رجال الأعمال المقربين من السلطة.

وقد تبين أن العديد من هؤلاء رجال الأعمال كانوا يستغلون علاقاتهم مع الحكومة لتحقيق مصالحهم الشخصية، مما أدى إلى زيادة الفساد وتدهور الاقتصاد، وهي الأمور التي دفعت الإخوان لنقد ما يحدث ومحاربته مما سبب صداما مع النظام ورجال أعماله.

ورغم النمو الاقتصادي الظاهر في بداية حكم مبارك، فإن النمو لم يكن متوازنًا، بل كان لصالح فئة قليلة جدًا من المجتمع. ازداد الفقر والبطالة في المناطق الريفية والشعبية، وكان هناك تزايد في التفاوت الطبقي.

وهي المعاني التي ركز عليها الأستاذ محمد حامد أبو النصر- مرشد الإخوان أنذاك- بقوله:( وإذا كانت الأمة تعاني اليوم العوز وتواجه محنة الحاجة والفقر لديها فإن المخرج الوحيد هو العودة بها إلى إسلامها شريعة تطبق ونهجًا...وإن الخطوة الرئيسية والأهم لتأتي على درب الأمن بإلغاء كافة القوانين الاستثنائية ومنها قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين ووقف أي نمط من أنماط التعذيب مع إفساح المجال لأصحاب العلم والخبرة من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة لعلاج الأمور تصحيحًا للأفهام والمسيرة وتوحيدًا للجهود الخيرة)[٢٧].

ويضيف:( فالنظام يعني أحزاب الأغلبية والأقلية، والحكم والمعارضة، ومؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع". وأعظم ضمانات الصحافة أن يترك للرأي العام الحكم على كل الآراء وضوابط الضمير لحرية الصحافة أن تكون في خدمة الصالح العام وأن تعلو فوق المصالح الشخصية وأن ترعى حرية الرأي ولا تصبح سبيلا لمعارك ثأر لتصفية حسابات قديمة".

"ومطلوب الكشف عن بؤر الفساد، ومواطن الخلل والاستغلال والعبث، والارتقاء بالحوار الوطني بعيدًا عن التجريح والسباب، وتنوير الرأي العام مع الثقة في فطنته وذكائه". "والمسئولون ليسوا فوق الخطأ وفوق الانتقاد، فالكل بشر يخطئون ويصيبون) [٢٨].

أخيرا

حاول الإخوان ترجمة ما كانوا يطالبون به في فترات السادات ومبارك حينما وصلوا للسلطة بعد ثورة يناير 2011م إلا أن التحديات الاقتصادية والتوترات السياسية التي افتعلها أنصار الثورة المضادة بمعاونة الأحزاب العلمانية وحزب النور السلفي بتخطيط من القوى الإقليمية والدولية كانت سببا في إجهاض التجربة بعد عامها الأول.

لقد كان الخطاب الاقتصادي في عهد الرئيس محمد مرسي محورًا مركزيًا في استراتيجيته للتعامل مع الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها مصر.

ولقد ركز مرسي على العدالة الاجتماعية، والتحسينات الاجتماعية، وتشجيع الاستثمارات، وفتح قنوات جديدة مع دول الخليج. لكن هذه الجهود كانت تواجه معارضة شديدة، سواء بسبب التحديات الاقتصادية الحقيقية أو بسبب التوترات السياسية التي شكلت عبئًا على الحكومة. ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في فترته القصيرة، أدت الاحتجاجات المتزايدة إلى تصاعد القلق الشعبي، مما ساهم في الإطاحة به من قبل الجيش في 2013.

المصادر :

  1. مجموعة رسائل الإمام البنا: دار التوزيع والنشر الإسلامية: صـ791.
  2. المرجع السابق.
  3. المرجع السابق، صـ792
  4. حسن البنا: رسالة إلى أي شيء ندعو الناس، مجموعة الرسائل، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2002.
  5. حسن البنا: رسالة المؤتمر السادس.
  6. حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
  7. حسن البنا: رسالة إلى أي شيء ندعو الناس، مرجع سابق.
  8. محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، 1952م، صـ(201-204).
  9. معراج احمد الندوي: مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام، https://www.almothaqaf.com/
  10. مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، طبعة دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2008، صـ799
  11. عبد الهادي عبد الحكيم: الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 1980م، صـ308.
  12. مجلة النذير: العدد (13)، السنة الأولى، 26 جمادى الآخرة 1357ه/ 22 أغسطس 1938م، صـ9.
  13. إسحاق موسى الحسيني: الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة، دار بيروت للطباعة، 1952م، صـ93-94.
  14. عثمان عبد المعز رسلان: التربية السياسية عند جماعة الاخوان المسلمين : في الفترة من 1928 الى 1954 م. في مصر : دراسة تحليلية تقويمية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1990، صـ211- 214.
  15. رسالة مؤتمر رؤساء المناطق والشعب ومراكز جهاد الإخوان المسلمين على مستوى القطر المصري 2شوال 1364ه- 8 سبتمبر 1945م، صـ612.
  16. رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، مرجع سابق، صـ792
  17. عثمان عبد المعز رسلان: التربية السياسية عند جماعة الاخوان المسلمين : في الفترة من 1928 الى 1954 م. في مصر : دراسة تحليلية تقويمية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1990، صـ211- 214.
  18. محمد نجيب: مصير مصر، دار ديوان، مصر، 1955م.
  19. حسين محمد أحمد حمودة: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون، دار الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1994،  صـ143.
  20. محمود عبدالحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الثالث، دار الدعوة، 1999.
  21. عبدالعزيز أحمد: يجب أن يقترن تحديد الملكية بالتوسع الزراعي، أخبار اليوم، 23 أغسطس 1952م.
  22. محمود عبدالحليم: مرجع سابق.
  23. عبدالعظيم رمضان: الإخوان المسلمون والتنظيم السري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، صـ98
  24. عمر التلمساني: إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد، مجلة الدعوة، العدد (9)، السنة السادسة والعشرون، غرة ربيع الأول 1397هـ - فبراير 1977م، صـ7.
  25. المرجع السابق: العدد (20) – صفر 1398هـ / يناير 1978م.
  26. عمر التلمساني: إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد، مرجع سابق.
  27. محمد حامد أبو النصر: لواء الإسلام – العدد (8/43) – ربيع آخر 1409هـ / نوفمبر 1988م.
  28. المرجع السابق: لواء الإسلام – العدد (12/43) – شعبان 1409هـ / 9/3/1989م.