مَن المسؤول عن سرقة النفط العراقي ؟
مع استمرار عمليات تهريب وسرقة النفط العراقي والأضرار الواسعة التي تصيب الاقتصاد الوطني نتيجة ذلك، أعترف وزير النفط بتفاقم هذه الممارسة وضعف الإجراءات المتخذة للحد منها، كما أن العديد من الشخصيات أدانت هذه الظاهرة ومنهم السيد أحمد الصافي الوكيل الشرعي للمرجع الديني السيد السيستاني في كربلاء الذي أشار في خطبة الجمعة الأخيرة إلى الفساد وتهريب النفط من موانئ البصرة، وتساءل :لماذا لا تتخذ الإجراءات الصارمة مع السارقين؟
و أن المشكلة تكمن في وجود تكتلات وعصابات مهيمنة على عمليات التهريب والسرقة، وان ثروة البلد تتبدد.
وتأتي إثارة هذا الموضوع بشكل واسع وحتى من قبل الأوساط الرسمية المسؤولة نتيجة استفحال وتنوع وتوسع السرقات والتهريب وصيرورتها فضيحة تزكم الأنوف، في ظروف أمنية متدهورة تعيشها البلاد،ومشاكل اقتصادية ومعيشية يعاني منها المواطن العراقي.
فمن المعروف ان ايرادات النفط تمثل 95% من ميزانية الدولة وبحسب تصريحات وزير التخطيط،لذلك فأن سرقة أو تهريب النفط تؤثر بشكل مباشر وخطير على امكانات الدولة ومدى قدرتها على معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة في البلاد، ففي الوقت الذي يشكو فيه المواطنون من البطالة والتضخم وانعدام الخدمات الرئيسة فأن أسعار النفط قد وصلت إلى أرقام قياسية وتعدى برميل النفط 96 دولاراً الآن بعد أن كان11 دولاراً عام 1989 كما أن العراق كان ينتج 3.5 مليون برميل يومياً في حين أن معدل الإنتاج لا يتعدى المليونين الآن وهذا يقودنا إلى التساؤل: ترى كم هي المشاريع التنموية والخدمية والإنتاجية وغيرها التي يمكن أن تُنشأ لو جرى تطوير وزيادة الإنتاج واستثمار عائدات النفط بشكل سليم وايقاف عمليات التهريب والسرقة لزيادة تلك العائدات ودخولها ميزانية الدولة بدلاً من جيوب السراق الذين يستندون على ميليشيات طائفية مسلحة تحمي عملياتهم وتجني ثمار ذلك في الحصول على ملايين الدولارات على حساب المواطن الفقير وانعدام الخدمات المقدمة له في جميع المجالات وفي مقدمتها السكن والمياه والطاقة والغذاء وغيرها؟
وبحسب تصريحات المسؤولين فأن تخمينات الميزانية المالية بلغت 44 مليار دولار في ميزانية 2008 وهي اكبر من ميزانيات الكثير من دول المنطقة وحتى ذات الكثافة السكانية الكبيرة والثروة النفطية،ومع ذلك فأن هذا الرقم المالي لا يمثل الواقع اذ تم اعتماد قيمة برميل النفط بـ52 دولار في هذه الميزانية مقارنة بالسعر الذي ذكرناه وهو يتجاوز 96 دولاراً فكم هي المشاريع التي يمكن انشاؤها والخدمات التي يمكن تقديمها نتيجة ذلك؟
علاوة على أن القضاء على عمليات السرقة والتهريب في النفط ستوفر مبالغ مضاعفة ، وكل ذلك يجب أن يوجه قسم منه إلى تطوير المنشآت النفطية القديمة والمستهلكة وتوفير مصاف حديثة وموزعة على عموم البلاد، واعتماد أساليب متطورة في الإنتاج والتصدير والاستهلاك المحلي، واستثمار العائدات الكبيرة في معالجة الاختناقات في قطاعات واسعة من المشاريع الانتاجية وتحديثها وتوسيعها لتحقيق المناسيب التي تتلاءم وحاجة البلاد والمواطن من السلع والخدمات في جميع الميادين التي يفتقر إليها حالياً.
وبالعودة إلى سرقة وتهريب النفط وخصوصاً من مياه وموانئ البصرة نقول إن قوى متنفذة وميليشيات مسلحة تقف وراء ذلك وتجني مبالغ كبيرة ،وأن الأمر يتطلب إجراءات حازمة للحد من ذلك وكشف القائمين بهذه العمليات مهما كانت مراكزهم ومسمياتهم، وبحسب معلومات المراكز الدولية المتخصصة فأن اختلاس جزء من العوائد النفطية يجري من داخل القطاع النفطي نفسه، كما أن جزءاً مهماً آخر يعاد توجيهه أو سرقته بواسطة الشاحنات أو ناقلات النفط والزوارق من قبل عصابات وقطاع طرق أو بعض الميليشيات المنتمية لتنظيمات سياسية أو طائفية ،
وتؤخذ الكميات المسروقة إلى موانئ البصرة بالعمق نحو الجنوب ومنها ترسل إلى أسواق النفط في بلدان أخرى،في حين تقف القوات العسكرية المخصصة لمعالجة التهريب ومطاردة المهربين عاجزة عن إيقافها نظراً لضعف أمكاناتها ومعداتها وتدريباتها، وبالمقابل فأن القوى السياسية التي تمارس التهريب تملك امكانات أوسع وبأساليب مختلفة في ظل حالة ضعف السيطرة والرقابة الحكومية على الإنتاج واستمرار عمليات التخريب لخطوط نقل النفط ومنشآته وتأثير انقطاع الكهرباء ونقص الوقود في المحطات في انخفاض معدلات الإنتاج وتسهيل السرقة والتهريب.
إننا نقف مع اي توجه جاد ومخلص للقضاء على ظاهرة التهريب والسرقة في القطاع النفطي ، فهناك إجراءات عملية وواقعية معلنة ومقترحة يمكن اتخاذها للحد، على الأقل من هذه الظاهرة ومنها:
1-إعادة النظر في الأجهزة المسؤولة عن المنشآت النفطية ومنافذ التصدير وتطهيرها من العناصر السيئة والمتواطئة مع المهربين.
2-الإيعاز بتشكيل غرفة عمليات مشتركة من وزارات المالية والنفط والنقل والجهات العسكرية والأمنية من اجل التنسيق والمتابعة للسيطرة على عمليات التهريب.
3-وضع نظام حوافز ومكافآت للعاملين في مجال الرقابة والسيطرة والعاملين في المواقع والمنافذ البرية والبحرية بأعمال الرقابة والمتابعة والسيطرة والتفتيش.
4-إصدار تشريعات جديدة تؤمن مستوى مناسب من الردع والعقوبات لأعمال التهريب باعتبارها من جرائم التخريب الاقتصادي الكبرى.
5-إنشاء اتفاقيات بين العراق والدول المجاورة للتنسيق والتعاون لمكافحة عمليات التهريب.
6-العمل بشكل جاد وسريع لتصليح وإدامة وتطوير المصافي العراقية وشبكة خطوط الانابيب الناقلة للمنتوجات. 7 -تضمين عقود استيراد المنتوجات من الجهات المصدرة للعراق؛ الإجراءات القانونية والقضائية لحالات التلاعب والغش والسرقة بحجز الشاحنات الناقلة ومصادرة المنتوج والاحالة إلى القضاء العراقي واعتبارها من عمليات التخريب الاقتصادي المتعمد.
وأخيراً نقول لابد من اتخاذ إجراءات سريعة وقوية لوقف هذا النزيف للاقتصاد العراقي، والاتجاه نحو نصرة الوطن والمواطن ضد قوى التخريب والنهب والإرهاب.
جريدة " الجريدة "
لسان حال الحركة الاشتراكية العربية في العراق