نبيه عبد المنعم يكتب: عمرة شفيق وسجن مرسى
الشدة المستنصرية..
منذ سنة 1094 لم تشعر مصر بهذا الخوف من مجاعة..
كيف أوصل الفاسدون مصر لهذا المنزلق؟
العلاقة بين طول عمر الفساد والمجاعات مؤكد..
فالمستنصر الذي حكم 60 سنة لم يترك المصريين إلا وهم يأكلون الكلاب والقطط..
واليوم مصر محكومة بنفس النظام المستبد منذ أكثر من 60 سنة.. إلا سنتين حاول الشعب فيهما أن يحكم نفسه فسرقوه وعاقبوه وقمعوه..
ربما تغيرت وجوه الحاكم المستبد ... لكن المنظومة واحدة.. فلم يعد الحاكم فردا، بل نظاما في دولة حديثة تشكل في كيانها عضوا واحدا بشرطتها وجيشها ودواوينها ومصالحها وهيئاتها..
مصر اليوم محكومة بشبكة فساد لا تترك شاردة ولا واردة إلا اعتصرت منها كل منفعة..
فإيداعات المصريين بالبنوك تصبح نهبا للقروض بلا ضمانات وبلا دراسات وبلا مشروعات.. وتصبح ضحية لمغامرات الحكومة الجهلة في مشروعات وهمية.. وحتى ديون مصر تُصبح وسيلة للارتزاق والانتفاع، مرة عند إبرامها بصبها في حِجر ممثلي الفساد، ومرة عند ردها بإسنادها لوكلاء أو بالتنازل عنها وبيعها لسماسرة هم في حقيقتهم وكلاء للسلطة..
والبنية التحتية التي يدعون بذل الجهد فيها، تُسند مشروعاتها لفاشلين طالما دفعوا الرشا واشتروا الذمم.. ولا تعرف الدولة طريقا لمراقبة الأعمال المنفذة، لأن الدولة ليست كمبيوتر أصم بل رجال ونساء يدخلون بالتدريب والاعتياد منظومة الفساد، فتعمي أعينهم جنيهات قليلة.. وفي المقابل تضيع اموال الشعب في تراب البنية التحتية التي تظل ترابا..
والمشروعات الكبرى تقوم وتختفي وفقا لحاجة الحاكم المستبد في استعراض عضلاته على الفقراء من شعبه بأنه يعمل ليل نهار لأجلها، ويملك ذكاء مذهلا يجعله يقود مسيرة البناء، فيشق الترع ويمهد الطرق ويؤسس مشروعات فضائية ونواوية وتسليحية وإنتاجية، وعندما يذهب لا ترى من مشروعاته إلا فجوات سوداء ابتلعت مليارات..
وتسيطر الجيوش التي عليها أن تكون على الحدود على أفضل المناطق الجغرافية داخل المدن وعلى السواحل، لينتفع فاسدوها من المتاجرة فيها لفاسدين آخرين يدفعون ملايين ليتكسبوا من ورائها المليارات.. بينما الشعب يسمع الأرقام ولا يرى طحنا ولا طحينا..
أتخيل وأنا أرى السيدة التي تقف على مقدمة سيارة نصف نقل وتلوح برغيف في يدها وتدعو المستبد بأن يأكله.. امرأة أخرى في عصر المستنصر بعد أن باعت عقدا قيمته ألف دينار لأجل رغيف تصرخ أمام الجموع على باب قصره..
"يا أهل القاهرة! ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد اللّهُ الناسَ بأيامه حتى تقوّمت عليّ هذه القرصة بألف دينار..!!"
المصدر
- مقال: محمد محسوب يكتب: الشدة المستنصرية موقع الشرقية أون لاين