هل يعملون لقيام «الدولة» ذات الحدود المؤقتة؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
هل يعملون لقيام «الدولة» ذات الحدود المؤقتة؟
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.jpg


بقلم : معتصم حمادة

ثلاث إشارات توحي وكأنهم يعملون لقيام «الدولة» الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة: تعيين بلير مبعوثاً للرباعية، مشروع أولمرت للانسحاب من 90% من الضفة، ودعوة فتح لإحياء لجنة الدستور الفلسطيني. زيارة توني بلير للمنطقة، هذه المرة، تختلف في طبيعتها، ووظيفتها عن زياراته السابقة.

بلير كان يأتينا باعتباره رئيساً للحكومة البريطانية، الشريك الأصغر، والأكثر وفاء للولايات المتحدة، والطرف الأكثر قدرة على التنظير لسياسات الرئيس بوش والترويج لها في الشرق الأوسط، وتلميعها في عيون الحكام، وتزييف مضمونها أمام أعين الناس العاديين.

بلير زار المنطقة، هذه المرة، بصفته مبعوثاً للجنة الرباعية المسماة «راعياً لعملية السلام في الشرق الأوسط». وكان بوش نفسه هو من اختار بلير لهذا المنصب المهم والحساس، بعدما اضطر هذا الأخير لمغادرة مكتبه في 10 داوننغ ستريت، نزولاً عند ضغوط خصومه في حزب العمال البريطاني، وذلك حرصاً منهم على ما تبقى من شعبية هذا الحزب، والتي تدهورت مؤخراً على يد سياسة بلير، التابعة للولايات المتحدة.

وأن يختار بوش صديقه بلير مبعوثاً للجنة الرباعية، ليس لأن الرجل بات عاطلاً عن العمل، بعدما أخلى مكانه في رئاسة حكومة لندن.

فباستطاعة هذا الرجل أن ينكب على كتابة مذكراته وخبراته السياسية في العديد من المجلات. وباستطاعته أن يجول على الجامعات ليلقي المحاضرات مقابل مبالغ خيالية.

بل وبإمكانه أن يقبل العضوية في أكثر من مجلس إدارة في شركات عالمية وضخمة، مقابل مكافآت مالية قد تكون أكثر سخاء من تلك التي كان يؤمنها له منصبه في رئاسة الحكومة.

بوش اختار صديقه بلير لهذا المنصب الجديد، لأن الرجلين يلتقيان عند رؤية واحدة، وموحدة، للحل في الشرق الأوسط، خاصة على الجبهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية.

الاثنان يتحدثان عن حل يقوم على «دولتين لشعبين».

أي، حسب ادعاء بوش، دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

لكن الاثنين، يتهربان من استحقاق قيام الدولة الفلسطينية، ويحاولان أن يستغلا موقفهما اللفظي، لصالح الدولة الفلسطينية، في خدمة سياسة أميركا في، المنطقة، دون أن يتحول مشروع الدولة إلى واقع سياسي حقيقي يلبي الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني.

بوش وبلير، يدركان أن الطريق إلى الدولة الفلسطينية مليئة بالألغام. لذلك نراهما يحاذران السير على هذه الطريق حتى لا ينفجر بهما لغم هنا أو لغم هناك.

هما يدركان أن ثمة قضايا، إذا ما أثيرت، سوف تلهب المنطقة، أو بتعبير أوضح، سوف تزيد المنطقة التهاباً. من هذه القضايا: جدار الفصل العنصري ومستقبله، والمستوطنات، والحدود، والمياه، ومدينة القدس، الشرقية المحتلة، وقضية اللاجئين.. وغيرها.

وكلها قضايا ما زال الخلاف الفلسطيني ـ الإسرائيلي حولها محتدماً، ولم يتم التوصل بشأنها إلى «حلول وسط» ـ كما يريد الأميركيون والإسرائيليون على سبيل المثال ـ وأن تلتهب الجبهة الفلسطينية، تحت هذه العناوين الحيوية، والمصيرية، معناه أن اللهب سوف يمتد إلى العديد من بقاع هذه المنطقة، غير المستقرة أساساً.

لذلك لا يخفي بوش (وإلى جانبه بلير) رغبته في تخفيف حدة الصدام والعنف في المناطق الفلسطينية المحتلة، وتخدير مشاعر الفلسطينيين، إلى إشعار آخر، ريثما تتمكن الولايات المتحدة من إخراج نفسها من المستنقعات التي أوقعت فيها نفسها (العراق ـ الصدام السياسي مع إيران ـ التورط في أفغانستان ..)

ولعل بلير هو الشخص الأكثر قدرة على استبعاد قضية الدولة المستقلة لسنوات قادمة، دون أن يبدو ذلك وكأنه تجاوز للحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية (أو هكذا هو يظن، ويظن مثله صديقه بوش).

وواحدة من المناورات الحثيثة التي لجأ إليها بلير، يوم كان رئيساً للحكومة دعوته إلى مؤتمر في لندن لبحث الموضوع الفلسطيني مستقبل القضية.

وقد خرج المؤتمر آنذاك بسلسلة توصيات تتمحور كلها حول إصلاح أوضاع السلطة الفلسطينية، والعمل على بناء البنية التحتية الضرورية، لقيام الدولة الفلسطينية بما في ذلك مكافحة «الإرهاب» ومقاومته وإجتثاثه، بذريعة أنه لا يمكن لدولة مستقلة أن تقوم في جو من الإرهاب.

وكان واضحاً أن مؤتمر لندن كان من أهدافه الكبرى إعادة صياغة عمل الحركة الوطنية الفلسطينية والانتقال إلى حالة مقاومة «الإرهاب» (أي تصدي السلطة لأذرع المقاومة الفلسطينية وتجريدها من أسلحتها)، ثم بناء المؤسسات، وفقاً للشروط الأميركية ـ الإسرائيلية (في الآليات والبنية والأشخاص وكبار المسؤولين) تحضيراً للدولة الفلسطينية.

وعندما تنتفي المقاومة الفلسطينية المسلحة. وعندما يتم استبعاد الحالات المتماسكة والمتمسكة بالحقوق الوطنية الكاملة.

وعندما يتم تدجين مؤسسات السلطة، سياسياً ووظيفياً، وتكريس ارتباطها بالجانب الإسرائيلي وتبعيتها له.

وعندما تفقد السلطة كل أوراق القوة في مواجهة الاحتلال: عندها يعاد صياغة مفهوم الدولة الفلسطينية.. وفي الجعبة العديد من الوثائق والأفكار الصالحة لمثل هكذا ظرف: هناك وثيقة «جنيف ـ البحر الميت» التي اكتفت بدولة تعيش في بطن الدولة الإسرائيلية وتحت هيمنتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية. (مقابل شطب حق العودة لصالح التوطين).

وهناك /أيضاً/ وثيقة أحمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الحكومة السابق، والعضو في القيادة السياسية لحركة حماس ، إسماعيل هنية، التي رحبت بدولة ذات حدود مؤقتة، مقابل هدنة /أي وقف المقاومة/ لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد.

هذه الأفكار نفسها، ولكن بلغة أخرى، وبلباس ومظهر آخر، أعاد بلير طرحها في الاجتماع الأخير للجنة الرباعية، والذي نصب فيه بلير مبعوثاً رسمياً للجنة.

بلير لم يتحدث عن استئناف العملية التفاوضية، لأنه يدرك أن ذلك معناه تسخين الأجواء، وربما تفجيرها.

اكتفى بالحديث حول ضرورة مكافحة الإرهاب، ومساعدة الفلسطينيين على بناء البنية التحتية والضرورية لقيام دولة فلسطينية لم يحدد زمن قيامها.

وفي عبارات بلير، وكذلك بوش، تظهر العقلية الاستعمارية الاستعلائية العنصرية الفظة. فالفلسطينيون ـ حسب تقديرات الرجلين ـ بحاجة إلى من يعلمهم كيف يبنون دولتهم.

لذلك عليهم أن يبقوا تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلى فترة قادمة، مفتوحة زمنياً، وتحت الوصاية الأميركية إلى أن يثبتوا جدارتهم، وفقاً لمقاييس بوش ـ بلير ـ أولمرت، في إدارة دولة «لا تشكل خطراً على إسرائيل، ولا تكون قاعدة للإرهاب الدولي».

وفي زيارته إلى عواصم المنطقة، أعاد بلير طرح الأفكار نفسها بما في ذلك عند لقائه مع رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله. وحتى لا يحمل نفسه أعباء معينة والتزامات واضحة ادعى بلير أنه أتى إلى المنطقة كي يستمع.. وكأنه لم يكن على صلة مباشرة بملف الشرق الأوسط، من موقعه رئيساً لحكومة لندن (!).

حدثان لهما دلالات معينة رافقا زيارة بلير إلى المنطقة.

@ الحدث الأول إصرار وفد فتح في المجلس المركزي في م.ت.ف على تفعيل لجنة صياغة الدستور الفلسطيني والتي كانت توقفت عن أعمالها عام 1993.

أصحاب الاقتراح لم يستطيعوا أن يدافعوا عن اقتراحاتهم بشكل جريء، ولم يقدموا الأسباب التي دفعتهم لتقديم اقتراحاتهم: هل هناك ما يؤشر إلى أن العملية التفاوضية سوف تستأنف قريبا؟

هل هناك ما يؤشر إلى استعداد رئيس السلطة الفلسطينية إعلان السيادة الوطنية من طرف واحد، إعلان قيام دولة فلسطين المستقلة فوق الأرض المحتلة عام 67، والدعوة إلى تحرير الأرض من الاحتلال ( وفي هذا السياق يفترض أن يكون باليد دستور للدولة جاهز)؟.

بقيت الأسئلة معلقة في الهواء ودون جواب. ولعل الصمت مرده أن من يملك الجواب لا يستطيع أن يفصح عنه لإدراكه أن مثل هذا الإفصاح سيستدعي ردود فعل صاخبة، لا تستطيع فتح، في ظل حالتها الراهنة، أن تتحمل وطأتها.

@ الحدث الثاني استعداد أولمرت، كما قالت هآرتس (25 / 7 / 2007 )، لإخلاء حوالي 90 % من الضفة وتسليمها إلى السلطة مع الاحتفاظ بالمستوطنات وبجدار الفصل، ودون الدخول الآن في مفاوضات.

مثل هذا الاقتراح يحمل في طياته ملامح خطة الانطواء. لكن الفارق بين الاثنين أن خطة الانطواء كان يفترض أن تتم بقرار إسرائيلي، ودون التشاور مع الجانب الفلسطيني. بينما مشروع أولمرت الجديد، يتطلب موافقة فلسطينية.

بعد هذه الموافقة وبعد أن تتأكد إسرائيل أن الفلسطينيين نجحوا في امتحان إدارة مناطقهم، وأن عباس قضى على الإرهاب، وأنه لم يعد للتعامل مع حماس، وأن المناطق الفلسطينية أكدت قدرتها على صون أمن إسرائيل..

عندها يتم الانتقال إلى وضع اللمسات على الحدود، عبر «تبادل أراضي».

أي عبر الاعتراف، فلسطينياُ بحق إسرائيل في ضم ما تشاء من الأرض الفلسطينية.

والأرض لا تقاس هنا بالأمتار فقط.

بل بموقعها الاستراتيجي، وغناها بالماء، وخصبها زراعياً الخ..

وهذه هي مواصفات الأرض التي تصر إسرائيل على ضمها والتي تقول أنها حوالي 10% من الضفة (دون القدس التي قررت بشكل مسبق ضمها كعاصمة لدولة إسرائيل).

الآن لنوحد الصورة:

@ بلير يدعو لبناء البنية التحتية للدولة. ويعتبر أن مهمته الرئيسية تتمحور حول هذه القضية.

@ أولمرت على استعداد لإعادة الانتشار من فوق 90 % من أرض الضفة.

@ عباس يدعو لإحياء لجنة الدستور.

ألا يوحي هذا وكأننا مقبلون على «دولة فلسطينية بحدود مؤقتة»؟

هل من المستبعد أن يكون القبول بهذه «الدولة» هو رد عباس على انقلاب حماس في القطاع وانفصالها على مناطق السلطة؟

الأمر يحتاج إلى متابعة يقظة وانتباه دائمين.

المصدر