ورحل الأستاذ
بقلم : علاء سعد حسن
رحل عن عالمنا مساء الخميس الخامس والعشرين من فبراير 2004 الأخ الداعية المهندس حسام حميده وهو من مواليد مدينة دمنهور محافظة البحيرة – مائة وثمانين كيلومتر شمال القاهرة – في أوائل الستينات ، ولقد كان الأخ المهندس أبو معاذ يرحمه الله مثالا للداعية المتجرد الذي عاش حياته كلها لدعوته ، فلقد كان يومه كله خالصا لله عبادة ودعوة ، ولقد كان يلتقي إخوانه والشباب الإسلامي محاضرا ومعلما يوميا من بعد صلاة العصر إلى ما بعد منتصف الليل ، وكان الواحد منا يحتاجه في أي ساعة من ليل أو نهار ، فكان يجده نعم الأخ الوفي الحنون ، لقد كان بيته وشركته[1] دائما مفتوحين لاستقبال الشباب والدعاة والعاملين ، لقد كانا بحق بيتا الدعوة ، ولقد كان أبو معاذ رحمه الله رجل الدعوة ، ومات الرجل ولم يخلف وراءه إلا آلاف المحاضرات التي كان يجوب بها أرجاء المحافظة داعيا ومبلغا عن الله ورسوله .. ولقد كان الرجل أستاذا بمعنى الكلمة ..
فليست الأستاذية لقب مجرد من المعنى يمكن إطلاقه على أي أحد من الناس ، والأستاذ الحقيقي هو من يستطيع أن يغير شيئا جوهريا في حياة تلاميذه وأن ينتقل بهم من حال إلى حال .. إذا صح هذا المعنى للقب أستاذ فإن قليلا جدا من المعلمين والمربين يستحق هذا اللقب ، ولقد كان أبو معاذ رحمه الله هو الأستاذ الحقيقي ، ليس لي فحسب ، ولكن كان أستاذا لجيل كامل تتلمذوا على يديه وتأثروا به , استطاع بكلماته المؤثرة ولفتاته الكريمة ومواقفه التربوية الكثيرة أن يبني نفوسنا على منهج الإسلام ..
حقيقة أنا لا أجيد الرثاء ربما لأني لا أحب الغلو في الأشخاص والهيئات .. لكن أستاذي رحمه الله كان نموذجا وحده .. عندما بلغني خبر وفاته صدمت كانت صدمتي أشد من حزني ، لم تدمع عيني لأنها لا تريد أن تصدق ، وعدم تصديقي لا يرجع لأني أعتقد أن أستاذي كبير على الموت فالموت حقيقة خالدة لا مراء فيها ( كل نفس ذائقة الموت ) ، ولم يكن عدم تصديقي راجعا لصغر سنه رحمه الله ، فالآجال والأعمار بيد الله تعالى وحده ، ولعل صدمتي كانت لأن نهرا جاريا متدفقا بالعطاء قد توقف ، لقد كان حسام حميده رحمه الله نهرا جاريا فياضا بالعطاء .. لم نشعر يوما – رغم مرضه – بمرضه فقد كان يجوب الأنحاء يدعو إلى الله ويحبب الشباب في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، لقد كانت مواقف السيرة النبوية تنساب على شفتيه غضة ندية ، كنا نغوص في أعماق التاريخ ونحن نستمع إلى دروسه الكريمة كأننا نحياه واقعا معاشا ، كنا نعود بالزمن إلى الوراء حتى لكأنما نعيش الأحداث ونستعيد الذكريات .. كم من مرة رأيناه يبكي بكاء حارا على جراح أثخنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، فنشعر أن الجرح الثخين ما زال نازفا ، لقد كان يرحمه الله يروي لنا بعين يقينه عن أحداث كأنما كان يعايشها بنفسه ..
رحم الله أستاذنا حسام حميده فما سمعنا حديثا في السيرة أعذب من حديثه فيها .. وما تعلمنا الإسقاطات المعاصرة لوقائع السيرة على واقعنا المعاصر إلا منه .. كان رائد المدرسة التربوية في السيرة النبوية الشريفة ، ولئن قدر الله تعالى أن يمن علي بتحقيق حلم حياتي بكتابة المنهج التربوي في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فسيكون هذا بعض فضل أستاذي علي بعد فضل الله تعالى ..
كنا نشتاق إلى عاطفة الجمعة في مسجده الذي تعودنا أن نلقاه فيه شوقا جارفا .. لقد كنا نشعر – وهو المهندس في تخصصه المهني - أنه جراح ماهر يمسك بمبضع الجراح يستأصل بحنان وشفقة مناطق المرض والخبث من قلوبنا ، فكانت دروسه بفضل الله دواء وشفاء ..
لقد كان أستاذا وحده ، وأكثر الناس شعورا بهذه الأستاذية أولئك الذين اختارهم القدر ليجلسوا مكانه في حياته – حينما تتزاحم عليه الأعمال – ليلقوا نيابة عنه درس العاطفة ،كنا نشعر وقتها بعظم المسؤولية وجسامة الموقف ، فما لنا أن نرتقي مكانه ولا أن نخلف في الأسماع والقلوب أثره ..
لقد أفضى الأستاذ إلى ما قدمه والله تعالى حسيبه .. غير أن الوفاء يدعونا نحن تلامذته وإخوانه أن نعمل بما ترك فينا من علم نبلغه بعده حتى يبقى علمه علما ينتفع به إلى قيام الساعة ، يا تلامذة حسام حميده .. لقد رحل أستاذنا فلننظر ماذا نحن صانعين بعده ..
رحم الله أستاذي ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل كل كلمة قالها داعيا إلى الله ، وكل خطوة خطاها إلى درس من دروس الدعوة والعلم ، وكل حرف قرأه ليبلغه إخوانه ، وكل خاطرة شغل بها قلبه وفكره حاملا بها هم الإسلام .. أن يجعل ذلك كله علما نافعا ينتفع به في قبره رحمه الله ، فما أظنه خلف في حياته القصيرة الوامضة أعظم من هذا العلم العملي الذي لم تحتويه دفات الكتب ولا أسطر المقالات المنمقة ، ولكن وسعته قلوب أحبته وتلاميذه ..
رحم الله أستاذنا أبا معاذ وغفر له وأفسح له في قبره ووسع مدخله وأكرم نزله ، وأحسن عزاء أهله وإخوانه ، وعظّم الله أجر السيدة أم معاذ وأبنائه ، لقد كان بيتهم بيت دعوة وعلم وحب في الله .. اللهم أحسن عزاءنا فيه وأجرنا في مصيبتنا واخلف علينا بخير منها برحمتك يا أرحم الرحمن
[1] صاحب شركة كمبيوتر
المصدر
- مقال:ورحل الأستاذموقع:الشبكة الدعوية