يا حكام العرب والمسلمين: ارفضوا خريطة الطريق.. والاحتلال الأمريكي للعراق
بقلم : المستشار مأمون الهضيبي
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم- وبعد:
تأخذ هذه الرسالة طريقها إلى قرائها في أعقاب قمتين جرى عقدهما في شرم الشيخ والعقبة، ضمت الأولى: الرئيس الأمريكي والزعامات العربية في مصر، والسعودية، والأردن، والبحرين، ورئيس حكومة السلطة الفلسطينية، والمغرب، الذي اعتذر عن الحضور، وقد ركزت على خطة "خارطة الطريق" والدور العربي المطلوب فيها، كما تعرضت للعراق الخاضع للاحتلال الأمريكي، والأدوار العربية إزاءه.
أما الثانية: فقد شارك فيها الرئيس الأمريكي "بوش" والسيد "محمود عباس أبو مازن" رئيس حكومة السلطة الفلسطينية، ورئيس حكومة الكيان الصهيوني الغاصب، للالتقاء على تنفيذ خطة "خارطة الطريق" الأمريكية.
وقد شهدت الساحة العربية ضجة إعلامية كبيرة سبقت وصاحبت القمتين، وروجت لخارطة الطريق والمساعي الأمريكية لإنجاحها، والضغوط الأمريكية المزعومة على الكيان الصهيوني لتنفيذها، والحرص الأمريكي المزعوم على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
كما ترددت قبل القمتين أصداء التصريحات والرسائل الأمريكية على الساحة العربية وخارجها، وأيضًا أخبار الممارسات الأمريكية في العراق -والتي تقوم بها القوات الأمريكية والحكام الأمريكيون الذين نصبتهم أمريكا على رأس السلطة في العراق- تهدف إلى محاولة تجميل الصورة الأمريكية من ناحية وأيضًا لتأكيد أن ما يجري في العراق إنما هو شأن أمريكي لا ينبغي لأحد أن يتدخل فيه، أو يعرقله أو يعترض عليه أو يسعى للمشاركة فيه.
إلا أنه رغم الضجة الكبيرة التي سبقت القمتين وصاحبتهما، ورغم التأكيدات الأمريكية بالعزم الأمريكي على متابعة "خطة الطريق" والحرص الأمريكي المتمثل في اهتمام الرئيس الأمريكي بهذه المتابعة، إضافة إلى محاولات تزيين الوجه الأمريكي في العراق في ظل التعتيم على أحداثه وتطوراته، بالإضافة إلى مشاركة الإعلام العربي الرسمي في الترويج لخطة "خارطة الطريق"، فقد تعذَّر تسويق وتمرير "خطة خارطة" الطريق أو الوجود الأمريكي والممارسات الأمريكية في العراق على مستوى الشعوب العربية والإسلامية؛ لأن هناك مجموعة من الحقائق المهمة التي تفرض نفسها على أرض الواقع لا يستطيع الإعلام الأمريكي أو العربي أن يخفيها أو يواريها ومن ذلك:
1- أن قراءة مُتأنية لخطة "خارطة الطريق" الأمريكية تؤكد كما قلنا من قبل أنها لا تعدو أن تكون خطة لتفريغ القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها، وضمان قبول السلطة الفلسطينية لها مع التزام العرب على مستوى الحكومات بها، ونهوضهم بأدوارهم فيها مع ممارسة الضغوط على السلطة الفلسطينية للالتزام بها.
2- أن خطة "خارطة الطريق" فرضت على الفلسطينيين العديد من الالتزامات، وأهمها وأخطرها الالتزامات الأمنية؛ لضمان أمن الكيان الصهيوني الغاصب من خلال وقف الانتفاضة وكافة أشكال المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، بعد أن وصفتها الإدارة الأمريكية على كافة مستوياتها بأنها (الإرهاب الذي يجب القضاء عليه)، وتفكيك واعتقال منظماته، وهو الأمر الذي قد يشعل في نفس الوقت حربًا أهلية فلسطينية أو صراعًا فلسطينيًا داميًا يوفر الاستقرار والأمن للكيان الصهيوني الغاصب، ويوقف تدهور اقتصاده، دونما أن يوقف التوسع في بناء المستعمرات أو التوغل في عدوانه الإجرامي.
3 - وإذا كانت خطة "خارطة الطريق" لا تحمل في طياتها إلا الوهم للفلسطينببن، ولم تفرض أي التزامات على الكيان الصهيوني الغاصب توقف عدوانه الإجرامي على الشعب الفلسطيني الأعزل، أو توقف هدمه للبيوت أو تجريفة للأرض، أو توقف اعتقالاته واغتيالاته للشباب، أو تدفعه لفك الحصار الخانق حول المدن والقرى الفلسطينية في الضفة وغزة. فإنها لم تنص في وضوح وصراحة على قيام دولة أو دويلة فلسطينية، ولو على رقعة من الأرض الفلسطينية ذات حدود معلومة ومحددة وذات سيادة وفي موعد محدد، بل تركت الأمر يلفه الغموض فلا يعدو أن يكون الوهم أو السراب. كما أن التحفظات الصهيونية التي اشترطها الكيان الصهيوني لإعلان موافقته على الخطة الأمريكية الجوفاء ضاعفت الغموض، وبالتالى ضاعفت الوهم، وحملت في طياتها التأكيد على أن الأمريكيين والصهاينة لا يسعون إلا إلى تصفية القضية وإغلاق ملفها.
• لقد اشترط الكيان الصهيوني لقبول خريطة الطريق وقف المقاومة الفلسطينية ومصادرة سلاحها كثمن أو كمقدمة للتقدم نحو حل.
• أيضًا اشترط الكيان الصهيوني الغاصب أن يقوم مراقبون أمريكيون بتقرير مدى سير الأمور في إطار الالتزام الفلسطيني بالخطة، وفي إطار تقويم الأوضاع، كما أكد على ضرورة اعتراف السلطة الفلسطينية بالكيان الصهيوني "دولة يهودية"، الأمر الذي يعني في طياته اعتراف السلطة بإسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، كما يفتح المجال أمام طرد الشعب الفلسطيني من أرضه التي تم احتلالها سنة 1948م
• كما اشترط في التحفظ الخامس أن تكون الدولة أو الدويلة الفلسطينية المزعومة منزوعة السلاح لا تملك أي قوة عسكرية ويسيطر الكيان الصهيوني على مداخلها ومخارجها ومجالها الجوي دون تفكيك للمستعمرات، ودون تواصل بين أجزائها، الأمر الذي يعني كانتونات فلسطينية معزولة وسط كيان صهيوني يحاصرها من كل صوب، ولا تملك أسبابًا للنهوض أو البقاء.
• وقد أبلغ الرئيس الأمريكي الكيان الصهيوني تفهمه وقبوله للتحفظات الصهيونية، أما وزير الخارجية الأمريكي وسكرتيرة الرئيس الأمريكي للأمن القومى فقد أصدرا بيانًا في 23 من مايو الماضي أعلنا فيه: أن أمريكا تشاطر الكيان الصهيوني الغاصب الرأي في أن المخاوف الصهيونية من خطة خريطة الطريق حقيقية، وستأخذها أمريكا كليًا في الاعتبار عند تطبيق الخطة.
إضافة إلى هذا فإن وزير الدفاع الكيان الصهيوني -وهو أحد الجزارين الذين يعملون السلاح في رقاب الشعب الفلسطيني، ويهدمون ويخربون أرضه ودياره- أعرب عن أمله قبل انعقاد قمة العقبة في أن تأتي القمة بالتزام فلسطيني بتفكيك البنية التحتية لمنظمات المقاومة الفلسطينية، وإلا اضطر الكيان الصهيوني الغاصب للقيام بهذه المهمة.
كما ذكرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الصهيونية أنه بعد مصادقة حكومة الكيان الصهيوني على خطة "خارطة الطريق" بيوم واحد فقد أعلنت عزمها على بناء 20 ألف مسكنٍ في المناطق الفلسطينية إضافة إلى بناء حي يهودي في القدس الشرقية.
وإلى جوار ذلك فقد سُئل الرئيس الأمريكي قبل قمة شرم الشيخ عما سيطلبه ويتوقعه من الزعماء العرب في القمة فقال: إنه يسعى لمعرفة مدى رغبتهم في مشاركة أمريكا في منع التمويل والمساعدة عن فصائل الإرهاب (المقاومة) الفلسطينية، وأن المهمة الآن ملقاة على الشعب الفلسطيني في مقاومة الإرهاب. وهذا ما يتوقعه من الزعماء العرب.
العراق في مهب الأطماع التوسعية الأمريكية
وإذا كانت المحاولة الأمريكية والصهيونية قد فشلت في تجميل أو تزيين خطة الطريق فإن المحاولات الأمريكية في تزيين الوجه الأمريكي في العراق على ساحة العرب والمسلمين هي الأخرى قد فشلت.
فالوعود الأمريكية بإطلاق الحرية للشعب العراقي كي يختار حكامه ومسئوليه قد تبخرت. التأكيدات الأمريكية التي تتابعت قبل الغزو تؤكد على حسن النوايا الأمريكية إزاء العراق، وتعلن أن الهدف الأمريكي من الغزو لا يعدو إسقاط الديكتاتور ورفع راية الحريات قد تلاشت. أما إحكام الحصار الإعلامي حول العراق لإخفاء حقيقة ما يجري على ساحته فلم يُفلح في حجب الحقائق أو مواراة المآسي التي ارتكبها ويرتكبها الاحتلال الأمريكي، وأيضًا لم يُفلح في حجب حقيقة المقاومة التي صار الشعب العراقي يواجه بها جيوش الاحتلال الأمريكي، كما لم يفلح في حجب السعي الأمريكي المحموم للسيطرة على البترول والثروات العراقية، أو حجب البلطجة والغطرسة الأمريكية في التعامل مع الشعب الشقيق والسعي لقهره وإذلاله.
بل لقد كان واضحًا أن أمريكا تسعى لنشر الفوضى في العراق، وزعزعة الأمن فيه، وإطلاق الفرصة لعناصر السوء واللصوص؛ ليشيعوا فيه أجواء النهب والسلب والخطف، لإيجاد الذريعة؛ لتعاون قوات الاحتلال وتثبيت جذوره، أو لدفع الناس لمطالبتها بحفظ الأمن ومواجهة مظاهر السلب والفوضى.
كما صار واضحًا أن أمريكا تسعى وبمختلف السبل لنشر الفتنة والصراع بين طوائف وفئات الشعب العراقي الشقيق؛ لتتذرع بالبقاء، ولتنقض ما قطعته من وعود وعهود بترك الحرية لأبناء العراق في تشكيل حكومتهم الوطنية واستغلالهم لثرواتهم وجلاء جيوشها عن أرضه ودياره.
أما التقارير والتصريحات الأمريكية والبريطانية التي ظلت تؤكد لشهور أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ويهدد الأمن الأمريكي قد افتضح أمرها وتبين أنها لم تكن إلا مجرد المزاعم والأباطيل؛ لتوفير الذريعة للغزو، والاجتياح، وتدمير القرى والمدن، وقتل الألوف وتعريض الناس للفوضى، ثم التجويع والحرمان، حتى يُفاجأ العالم اليوم بتخصيص أمريكا لألف وأربعمائة خبير أمريكي وأسترالي وبريطاني في محاولة لإعادة البحث والتنقيب في العراق، من أجل العثور على أسلحة الدمار الشامل المزعومة، والإفلات من المأزق.
الشعوب والحكام أمام مسئوليات جسام
السعي الأمريكي لتثبيت الجذور في العراق، ومصادرة حق شعبه في الأمن والحرية واختيار حكومته، واستغلاله لثرواته، يجب أن يقابل من الحكام العرب بالرفض والاستنكار.
كما أن السعي الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية من خلال مُسلسل المفاوضات والاتفاقيات ومشروعات الحلول السياسية تحت العديد من العناوين والشعارات، ومنها خطة "خارطة الطريق" يجب أن يُقابل من حكامنا بالرفض والاستنكار فذلك واجب تاريخي. حكامنا مسئولون عنه أمام أجيال الحاضر وأجيال المستقبل وأمام الله -عز وجل-.
كما أن استنكار الاحتلال الأمريكي للعراق، وأيضًا استنكار الخطط والمخططات الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية، يجب أن يصاحبهما سياسة عربية إسلامية تنهض بها كل حكومات العرب والمسلمين لتوفير الفاعلية والآلية التي تكفل دعم الشعب العراقي والشعب الفلسطيني لمواصلة المقاومة؛ حتى يتم تحرير الأرض والديار.
سياسة عربية وإسلامية تعني كما قلنا وقال معنا كل المخلصين وأصحاب الفكر والرأى في هذه الأمة إعادة ترتيب البيت بما يوحد الصف، وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك والوحدة الاقتصادية، وبناء نظام إقليمي عربي وإسلامي على أسس متينة يوفر للأمة كافة أسباب الدفاع عن الأرض والعرض، وردع العدوان.
وإذا كانت الشعوب قد أعلنت في أكثر من مناسبة انحيازها للقضية الفلسطينية ولقضية العراق، وكل قضايا المسلمين وساهمت في العطاء، وشاركت مشاركة فعالة في مقاطعة العدو الصهيوني، فإنها مطالبة بمزاولة الضغوط على الحكام لدفعهم لإصلاح الحال وإصلاح السياسات؛ سعيًا لتغيير ما بالنفوس حتى يغير الله ما حل بالناس من الشر والفتن والعدوان والظلم إلى حال من الأمن والاستقرار والعدل والحرية والعزة والكرامة.
إن الشعوب مطالبة بتشديد وتفعيل المقاطعة للعدو الصهيوني ولأمريكا التي تدعمه مع مواصلة الضغوط على الحكام؛ لإحكام الحصار حول الكيان الصهيوني الغاصب وإعداد الأمة لمواجهة تدافع فيها عن الوجود والحرمات والأمن والحريات.
في الأمة رجال
لا يجوز لامرئ يؤمن بالله وبالقرآن أن يجد اليأس إلى نفسه وقلبه طريقًا أو منفذًا مهما ادلهمت الخطوب أو اشتدت وطأة وثقل الأحداث، أو اعترضت طريقه العقبات أو وضعت أمامه الصعاب، والله سبحانه يقول: ?وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ? (الحجر: من الآية56) وإذا كانت الأيام دولاً بين الناس، وإذا كانت الحياة ومسيرتها أدوارًا وأطوارًا تعترض الأمم والشعوب فإن حكمة الله هي أن يبلو المؤمنين ويختبر الصادقين، وينبه الغافلين، ويميز الخبيث من الطيب، ويجزل الأجر والثواب للصابرين المجاهدين، وسبحانه هو القائل: ?وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ? (محمد:31)، وهو أيضًا القائل عز وجل: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ? (البقرة:214).
ولم تختلف قاعدة ربانية في الأمم السابقة؛ لتبقى العبرة والعظة والدرس للأمم اللاحقة.
والقرآن كلام الله يمد الصابرين العاملين الآملين الذين لا يجد اليأس أو القنوط إلى نفوسهم وقلوبهم طريقًا بأسباب ومعاني ومعالم القوة تفيض من رحمة الله وقدرته والإيمان به وعظمته، تتلاشى أمامها قوى الخلائق، وترتفع بها هامات أهل الحق، فلا يركعون ولا يسجدون إلا لله، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لا يخشون في الله لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وما كان الله ليتخلى عن عباده ماداموا على الطاعة والولاء والإيمان والتحرر وصفاء النفوس وطهارة القلوب واستقامة الوجهة، ينهضون بالواجب هاتفين من الأعماق "الله هو الغاية، والرسول هو الإمام والزعيم والقدوة" مدركين وعاملين وممتثلين لقول الرب: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? (آل عمران:200).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصدر
- مقال:يا حكام العرب والمسلمين: ارفضوا خريطة الطريق.. والاحتلال الأمريكي للعراقموقع:الشبكة الدعوية