الوحدة الوطنية في جنازة الإمام حسن البنا
مقدمة
جاء فكر ومفهوم حسن البنا لمعاني الإسلام الشاملة والمتسامحة مع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وسار على نهجه الصحابة والتابعين مع الأخذ بالحداثة والحياة وفق معطيات العصر الذي عاش فيه دون تميع أو ذوبان أو انكار للمفاهيم الإسلامية التي آمن بها وعاش ومات من أجلها.
لم يفرق حسن البنا بين فئات المجتمع، وعاش بمفهوم المواطنة الحقيقية بينه وبين الأقباط في مصر، ولم يسعى للعنصرية الطائفة التي حاول الغرب بثها بين أبناء الشعب المصري حتى ولو على حساب أتباع ملتهم، لكن كانت مصالحهم فوق كل اعتبار حتى ولو أحرقت الأرض ومات الشعب بكل طوائفه.
الوطن في قلب حسن البنا
لا يستطيع باحث أو دارس منصف لفكرة "الوطن والوطنية " أن ينسى أو يتناسى جهود الإمام حسن البنا في هذا المضمار ، فقد اتضح مفهوم الوطن والوطنية لديه من خلال النظرة الموسوعية لهذا المفهوم ، واعتبار أن الوطن والوطنية جزء لا يتجزأ لفهم المسلم لإسلامه وتجرده وحبه له ، وأن هذا أصل مهم في عقيدة الإخوان المسلمين.
ومهما تقول المتقولين فلن يستطيعوا تقديم دليل واحد على خيانة حسن البنا للوطن، أو الدعوة ضد فئات الوطن خاصة الإخوة الإقباط. فأين كانت هذه الأبواق الناعقة من هذه الاتهامات من قبل طيلة ما يزيد عن 40 سنة فترة حكم السادات ومبارك؟.
لماذا لم يقدم إخواني واحد طيلة هذه الفترة بل فترة حكم عبد الناصر بل لو شئت فكل منذ نشأت الجماعة إلى القضاء بتهمة خيانة الوطن، حتى القضية الوحيدة التي اتهم فيها الإستعمار الإخوان بأنهم تعاونوا مع روميل والألمان أثناء الحرب العالمية الثانية لم يستطيعوا تقديم دليل واحد مما دفع القضاء المصري بالحكم ببراءة الإخوان، فيما عرف بالقضية العسكرية العليا 883 لسنة 1942م قسم الجمرك. (1)
ولماذا لم تكتب صحيفة أو موقع او قناة عن خيانة الإخوان المسلمين قبل ذلك؟ كيف لخونة ومرتزقة وتاريخهم معروف منذ بداية دعوتهم أن يدخلوا البرلمان عقود طويلة، ويسيطروا على انتخابات النقابات المهنية، بل ويشكلوا الحكومة ويصبح منهم رئيس للجمهورية؟.
وإن كان الأب الروحى للجماعة الإرهابية حسن البنا، والذي قام بعمليات تجسس لصالح بلدان أجنبية، لماذا كرمه عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة وزاروا قبره في فبراير 1954م
ووصفهم جمال عبدالناصر بقوله:
- نعم أذكر فى هذا الوقت، وفى هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقى مع الجميع ليعمل الجميع فى سبيل المبادئ العالية، والأهداف السامية، لا فى سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا، ثم قال فى نهاية كلمته: وأشهد الله أنى أعمل - إن كنت أعمل - لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد فى سبيلها؟ (2)
البنا والأقباط
كانت علاقة الإخوان بالأقباط تتسم بالتعاون بينهم في وأد الفتن الطائفية التي كان ينفخ فيها المستعمر ليسعر نار الحقد بين الطرفين، ولقد اهتم الإمام البنا بالأقباط في الحديث عنهم ليوضح العلاقة بين الطرفين، وطريقة التخاطب بينهما.
لقد تحدث الأستاذ البنا عن هذه العلاقة في ملخص بسيط، حين قال تحت عنوان (أمة موحدة فى الجهاد). وسيرى أولئك الشاكون أننا ننهض بهذا العبء جميعا أمة واحدة متراصة الصفوف موحدة الجهود، وها هى ذى بشائر هذه الوحدة تتجلى فى هذا الاجتماع الذى يحضره الآباء الكرام ممثلو غبطة البطريرك ومواطنينا الأعزة الأقباط.
وإنى لأبعث إليهم من هذا المنبر تحية التقدير والإكبار لهذه المشاركة المباركة التى أعادت إلى نفوسنا أجمل الذكريات. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ على هذا الوطن وحدته ويضاعف قوته حتى يصل إلى حقه كاملا بإذن الله.
وفي رسالته إلى الشباب يقطع الإمام أي توجه طائفي لجماعته قائلاً:
- إن الإسلام عُني أدق العناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بني الإنسان كما أنه جاء لخير الناس جميعًا ورحمة من الله للعالمين، وحرَّم الاعتداء حتى في حالات الغضب والخصومة، وأوصى بالبر والإحسان بين المواطنين وإن اختلفت عقائدُهم وأديانهم، وإنصاف الذميين وحسن معاملتهم، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.. نعلم كل هذا فلا ندعو إلى تفرقة عنصرية ولا إلى عصبية طائفية. (3)
لم يفرق حسن البنا بين الأقباط والمسلمين بل اعتبرهم كيان واحد لكل منهما عقائده التي يؤمن منها ولا شأن لأحد في التدخل فيها أو فرض رؤيته على الأخر، لكن تجمع بينهم حب الوطن والخوف عليه والعمل على تحريره من المحتل الأجنبي أو أذنابه في الحكم، وجعل الدولة ساحة من السلام والرخاء يتعايش فيه كل فئات المجتمع.
ولذا لم نجد حادثة واحدة بدليل حقيقي اتهم فيها الإخوان بالتعرض للأقباط منذ عهد حسن البنا أو كان للإخوان يد في تهييج المشاعر بين الطرفين.
الوحدة الوطنية في جنازة [[البنا]
حاول الجميع تشويه سيرة ومسيرة حسن البنا، وما زالت مئات المراكز البحثية العربية والأجنبية تحلل شخصية وفكر حسن البنا، ورصدت مليارات الدولارات من أجل ذلك في ظاهر غريبة لشخصية فرضت نفسها على الجميع رغم أنه مات على عمر ناهز الأربعين بقليل لكن ما تركه من أثر كان عظيم جعل الجميع يكتب ويحل ويرصد انتشاره.
حاولوا ويحاولون إظهار الإمام حسن البنا بمظهر المعادي للأقباط، المفرق للجماعات، المتربص بالدولة (حيث يعتبرون الحاكم ونظامه هم الدولة) لكن هل ما يكتبوه وما يحاولون ترويجه هو الحقيقة؟
الحقيقة أتت من كتابات الأقباط أنفسهم مثل الزعيم صاحب الشخصية المميزة بين صفوف الأقباط وهو المحامي الزعيم مكرم عبيد (1989 - 1961) والذي سطر بيده دون إملاء من أحد أو مجاملة لأحد أو خوف من أحد حيث كان الإخوان في صراع مع رجال الثورة بعد ثورة يوليو، ولذا كتب كلماته بما رأه في الأستاذ حسن البنا، وبما عاشه معه وعاشره.
كتب مكرم عبيد كل كلمة وكل سطر معبرا عن حقيقة الإمام حسن البنا الذي لمسها فيه فقال:
- "تفضلت مجلة "الدعوة" الغراء فطلبت إلىّ أن أكتب كلمة فى ذكرى الراحل الكريم، الذى شاءت له رحمة الله أن يغادر هذه الدنيا الغادرة، إلى جوار ربه الرحمن الرحيم، كما شاءت لنا نحن رحمة الله أن يظل الراحل الذى فقدناه، ماثلا بيننا بذكراه، وبتقواه.
- وهل هذا الراحل الماثل، إلا فضيلة المرشد المغفور له الشيخ حسن البنا؟ إى نعم، فإذا كنتم أيها الإخوان المسلمون، قد فقدتم الحاكم الأكبر، الخالد الذكر، فحسبكم أن تذكروا أن هذا الرجل الذى أسلم وجهه لله حنيفًا، قد أسلم روحه للوطن عفيفًا، حسبكم أن تذكروه حيًّا فى مجده، كلما ذكرتموه ميتًا فى لحده.
- وإذا كان الموت والحياة يتنازعان السيطرة فى مملكة الإنسان، ويتبادلان النصر والهزيمة فيتساويان، فالغلبة للحياة مع الذكرى، وللموت مع النسيان، ولهذا فالميت حى لديك إذا ذكرته، والحى ميت لديك إذا نسيته.
- وما من شك أن فضيلة الشيخ حسن البنا هو حى لدينا جميعًا فى ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد فى حياته رجل استوحى فى الدين هدى ربه، ففى ذكره حياة له ولكم. ومن ذا الذى يقول بهذا هو مكرم عبيد صديقه المسيحى الذى عرف فى أخيه المسلم الكريم الصدق والصداقة معًا، ولئن ذكرت فكيف لا أذكر كم تزاورنا وتآزرنا إبان حياته، ولئن شهدت فكيف لا أشهد بفضله بعد مماته، وما هى - وأيم الحق - إلا شهادة صدق أُشْهد عليها ربى؛ إذ ينطق بها لسانى من وحى قلبى.
- بل هى شهادة رجل يجمع بينه وبين الفقيد العزيز الإيمان بوحدة ربه، وبوحدة شعبه، والتوحيد فى جميع الأديان المنـزَّلة لا يكفى فيه أن نوحد الله بل يجب أن نتوحد فى الله كما أن وحدة الوطن لا يكفى فيها وحدة أرجائه، بل يجب أن تتوافر لها قبل كل شىء وحدة أبنائه!.
- ولقد كان الإخوان المسلمون والكتلة الوفدية هما الهيئتين الوحيدتين اللتين تبادلتا الزيارة فى دار الإخوان ونادى الكتلة، بل كان لى الحظ أن يزورنى - رحمه الله - فى منزلى، وأن نتبادل خلال حديث طويلٍ المشاعرَ الشخصية والوطنية، وكنت أراه فى حديثه أبعد ما يكون عن الشكليات والصغائر، مما جعلنى أعتقد أنه رجل قَلَّ مثيله بيننا فى التعمق تفكيرًا، وفى التنزه ضميرًا.
- ولقد زرته - رحمه الله - إثر موته فى منزله، فكانت زيارة لن أنسى - ما حييت - أثرها الفاجع والدامع، ولقد هالنى أن أجد قوة من البوليس تحاصر الشارع الذى به منزل الفقيد، ولولا أن ضابط البوليس عرفنى فسمح لى بالمرور لما تيسر لى أن أؤدى واجب العزاء.
- ولئن نسيت فلن أنسى كيف كان والده الشيخ البار متأثرًا بهذه الزيارة، حتى إنه قصَّ علينا - والدمع يفيض من عينيه - كيف منعوا الناس من تشييع جنازة الفقيد، ولم يسمح لغير والده بالسير وراء نعشه، كما لم يسمح للمُعَزّين بالعزاء فى منزله، وراح الوالد الكريم يشكرنى، ويدعو لى دعواته المباركات التى ما زلت أتبرك بها، ولو أنى قلت له إن واجب العزاء هو فرض واجب الأداء، فإذا ما قصرت فيه أنا أو أى مصرى كان فى ذلك تنكُّر لتقاليدنا وأوليات الوفاء.
- إخوانى:
- إى نعم، فأنتم إخوانى أيها الإخوان المسلمون.
- أنتم إخوانى وطنًا وجنسًا، بل إخوانى نفسًا وحسًا، بل أنتم لى إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم فى الوطنية إخوانى إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان فنحن إذن إخوان فى الله الواحد المنان.
وإذا ما ذكرتم اليوم الفضيلة فى قبرها، فاذكروا أيضًا ما كان يذكره هو على الدوام؛ إذ يذكر الحرية فى سجنها.
- فلنطالب إذن بتحرير بلادنا، وتحرير أولادنا المساجين المساكين، فإن الإفراج عنهم عزاء، وجزاء فى وقت معًا".
هذه حقيقة حسن البنا الذي يحاول الانقلابيون قديما وحديثا أن يخفوها بل ويعملون جاهدين على محاولة الصاق التهم الكاذبة به من أجل إرضاء أسيادهم في الغرب، أو حفاظا على عروشهم من هبة شعوبهم التي قد تحدث في أي لحظة يفيق فيه الشعب. (5)
كتب الأستاذ مريت بطرس غالي –وهو من كبار المفكرين والمثقفين وتوفى عام 1991م - تحت عنوان (فى ذكرى الإمام الشهيد) فيقول:
- عرفت المغفور له الأستاذ حسن البنا منذ سنوات عدة، فعرفت فيه الرجولة التامة، ورأيت فيه - على الدوام - رجلا فذًا من الناحيتين الخلقية والإنسانية، وقد كان - رحمه الله - على ثقافة واسعة، يتمتع بشخصية جذابة ويأخذ بأسباب القلوب، ولا شك أن رجلا هذه طباعه وتلك كفايته كان ذخرًا قيمًا لبلاده، فجاء مصرعه خسارة كبيرة، ويزيد الخسارة فداحة أن وقع فريسة اغتيال مدبر، وقد تفشى بيننا داء الاغتيال السياسى البغيض منذ أوائل هذا القرن.
- وهؤلاء الذين يقيمون من أنفسهم مدعين وقضاة ومنفذين وجلادين بدافع من هواهم أو رأيهم الشخصى إنما هم أخطر الناس على النظام والاستقرار والمدنية، ولابد أن يؤخذوا أخذة رابية يعتبر بها الغير، حتى لا يتطلعوا إلى اغتصاب حق الدولة وحدها فى مظاهرة العدالة والاقتصاص من كل من يتهيج عليها. (5)
حقيقة دامغة
هذه حقيقة حسن البنا الذي عرفها العلماء وحفظها الأقباط وعاشها المصريين وتفاعل معها المسلمين الذين التفوا حول أفكاره المستمدة من الفكر الإسلامي الصحيح، فحرص بعضهم على حضور جنازته تأكيدا على معنى الوحدة بين المسلمين والأقباط وأن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن يوما ضد وحدة الوطن، ولم يدعوا الإمام حسن البنا يوما ما ضد الأقباط.
المراجع
- محمود عبد الحليم: (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ) – جـ1 – دار الدعوة، الإسكندرية، 1999م، صـ219.
- شريط نادر يجمع نجيب وناصر والسادات على قبر حسن البنا: موقع العربية نت، 4 ديسمبر 2008م
- حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.
- مجلة الدعوة: السنة الثانية، العدد (52)، 16 جمادى الأولى 1371هـ - 12 فبراير 1952م.
- مجلة الدعوة: المرجع السابق.