حقيقة ما حدث بين الإخوان ومأمور قسم الخليفة عام 1947م

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حقيقة ما حدث بين الإخوان ومأمور قسم الخليفة عام 1947م


إخوان ويكي

مقدمة

كثير من أحداث التاريخ يسطرها أرباب السلطة في سبيل تغيير الحقائق، بل والعجيب أن يسير أحفادهم على النبش في هذه الأكاذيب وتصديرها للناس على كونها كانت أحداث حقيقية وأن ما كتبه أجدادهم هو الصواب والعمل على طمس الحقيقة معتمدين في ذلك على ضعف الذاكرة الناس، أو جهلهم بالمعلومة والحدث مع إسكات جميع الأصوات التي تحدثت بالحقيقة وتصدير ما كتبه المرجفون من أرباب السلطة الذين لم يسجلوا يوما ما حقائق التاريخ خوفا من أن يعريهم التاريخ ويفضحهم فيما بعد.

وما حدث مع مأمور قسم الخليفة مثله مثل بعض الأحداث التي اتخذتها حكومة النقراشي باشا ذريعة للإستجابة للدول الغربية وحل جماعة الإخوان المسلمين خاصة بعدما برز دورهم في التصدي للحركات الصهيونية في فلسطين عام 1948م.

وهذه الحادثة لم تكن على الوجه الصحيح الذي ساقه عبدالرحمن عمار في مذكرته مثل باقي التهم لكنه ساقها كحدث من ضمن الحوادث حتى يتسنى لهم ضرب الإخوان المسلمين وتشتيت شملهم واعتقال أفرادهم.

أكاذيب تكذبها الأحداث

لقد استيقظت الصحافة والإعلام فجأة من سباتهما بعد الانقلاب العسكري - الذي وقعت أحداثه ضد الرئيس محمد مرسي يوم 3 يوليو 2013م والذي راح ضحيته آلاف الشهداء من أبناء الشعب المصري- ليستحضروا روح الأحداث القديمة ويفتشوا في دفاترهم وأكاذيبهم ليوهموا العامة بأنها حقائق، ومنهم حادثة مأمور قسم الخليفة.

حيث استحضرت جميع الصحف المؤيدة للإنقلاب مذكرة عبدالرحمن عمار التي كتبها عام 1948م لتكون ذريعة لحل جماعة الإخوان المسلمين والتي أدحضها القضاء المصري بعد ذلك وفندها وحكم بعودة الجماعة مرة أخرى وعودة ممتلكاتها.

حيث ذكروا ما جاء في المذكرة قولها حول الحادثة: (تعددت حوادث اشتباك أفراد هذه الجماعة مع رجال البوليس ومقاومتهم لهم.. بل والاعتداء عليهم وهم يؤدون واجبهم مثل ما حدث يوم 29 يونيو 1947 بدائرة قسم الخليفة من اعتداء فريق جوالة الإخوان على مأمور القسم ورجاله) (1)

من المعلوم بالضرورة

من المعلوم أن جماعة الإخوان جماعة رسمية شهرت وفق قوانين البلاد في العهد الملكي وأصبح لها شعبها التي تجاوزت 2500 شعبة في مصر فقط، وأصبحت ذات الشعبية الكبيرة في ذلك الوقت، ولم تكن جماعة دينية فحسب لكنها جاءت بمفهوم جديد للحياة والعمل في جميع نواحيها ولذا فقد اصطدمت مع كثير من جوانب الطبقات الموالية للمستعمر أو الأرستقراطية أو المحتل نفسه أو السلطة الحاكمة في ذلك الوقت.

لكن كان أكثرهم عداء لجماعة الإخوان المسلمين هو النقراشي باشا لكثير من مواقفهم الاعتراضية ضد سياسته القمعية وموقفه من قضية مصر. ولذا شهدت فترة ولايته لرئاسة الوزراء وأيضا كوزير للداخلية كثير من التجاذبات وانساق وراءه كثير الضباط تلبية لرغبته، وهو كان ديدن كثير من ضباط الشرطة الذين عملوا مع المحتل تارة حتى أنهم كانوا حربا ضروسا على كل ما هو وطني في البلاد سواء كان إخوان أو غيرهم من جموع الشعب، وهو موقف كشفه تاريخ هؤلاء الضباط في الشرطة.

وجاءت حادثة قسم الخليفة كاستمرارية لعنت السلطة ضد الإخوان دون مبرر، حيث أن جوالة الإخوان موجودة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، بل إن الإمام البنا سجلها ضمن الكشافة المصرية، بل إن دورها كان واضحا في كثير من الأحداث خاصة حينما انتشر وباء الكوليرا في مصر عام 1947م ومات من جراء آلاف المصريين فشاركت الجوالة عمليات التطهير

مما دفع وزير الصحة اسكندر نجيب بأن يرسل رسالة شكر لجوالة الإخوان والتي جاء فيها:

بالاحاطة الى خطابكم الخاص باستعداد مستوصفات الإخوان المسلمون بجميع نواحى القطر بعمليات التطعيم فى مناطقها ضد الكوليرا فانى أقدر بالعرفان هذا الواجب الوطنى لما ينطوى عليه من عاطفة كريمة وروح طيبة نحو مواطنينا الاعزاء وسوف لا تتأخر الوزارة عن قبول مساهمتكم فىالعمل الذى أشرتم فى خطابكم فى الوقت المناسب ولا سيما ازاء هذه الوقفة الكريمة الا أن نبعث لفضيلتكم بموفور الشكر مقدرين حسن معاونتكم لنا فى مقاومة وباء الكوليرا (2)

وكانت جوالة الإخوان تقوم باستعراضات بين الحين والأخر منذ نشأتها وكانت تحت عين وبصر الدولة والحكومة والشرطة، فلم يعترض عليها أحد، لكن يبدو أن وزارة النقراشي باشا كانت قد أعدت العدة لضرب الإخوان المسلمين وبدأت باختلاق الحجيج والمبرارات التي تصوغ لها فعل ذلك.

وتعالى معي للتمعن في تقرير مأمور قسم الخليفة الذي سطره بيده لكي يكون دليلا على ما يعده النقراشي حيث كتب يقول:

اليوم وبالتحديد فى الساعة السادسة مساء أخبرت اثناء تواجدى جهة الحجز أن جماعة من الإخوان المسلمون يرتدون ملابسهم الكشفية وتتقدمهم الأعلام يقومون بمسيرو فاتجهت اليهم بأقصى سرعة بقوة تتكون من عساكر بلوكات النظام وعساكر دورية السابعة مساء
التى كانت ستتحرك بقيادة الملازم أول عبد الرازق النقيب أفندى وقدت هذه القوة كلها بنفسى ابتداء من ميدان صلاح الدين أما القسم وطلبت منهم العدول عن هذه المسيرة وألححت فى الرجاء أملا فى أن يكفوا عن المسير ولكن دون جدوى لذلك لم أجد بدا من التصدى للمسيرة فأصدرت أمرى الى العساكر بالنزول والوقوف فى وجه المسيرة لمنعها من السير .
فما كان من الإخوان إلا أن هجموا على وعلى حضرة الضابط وعلى القوة التى كانت معنا بالطوب والعصى كما سمعنا طلقات نارية لم نستطع التعرف على مصدرها . لكننى تمكنت من القبض على الشخص الذى بدأ بالاعتداء علينا غير انه أصيب من عساكرنا ستى افراد وتم القبض على ثمانية منهم لكن أحد عساكرنا ويدعى حسن شوشة يدعى بأن الإخوان قد سرقت بندقيته، وهذا اخطار بذلك (3)

فلماذا جيش المأمور جيشه لاعتراض الجوالة رغم أنه امر عادي يحدث منذ سنين، وهل الجوالة اشتبكت معه دون مقدمات؟ وغيرها من التساؤلات التي تدل على كذب المأمور كديدن رجال الشرطة للأسف في مصر.

فما حقيقة الحدث؟

لقد خرجت جوالة الإخوان بمنطقة الخليفة لعمل استعراض أمام الناس حيث يسيرون في الشوراع بملابسهم الكاكي رافعين أعلام الجوالة ويتقدمهم شخص يحمل المصحف، وهو عمل للفت أنظار الناس إلى دعوة الإخوان وتعريفهم بها بطريقة صامته.

كانت الأحداث في البلاد في ذلك الوقت كثيرة مما دفع بالحكومة بأن ترسل منشور لأقسام البوليس بمنع عمل أى استعراض لأى هيئة أو حزب، لكن الغريب أن مأمور قسم الخليفة الصاغ رشدي بك الغمراوي لم يطبق المنشور إلا على جوالة الإخوان المسلمين فحسب.

حيث خرج بعساكره وجنوده ليحولوا بينهم وبين السير، فتحدث معه قائد الجوالة بأن الموكب لا يشكل أية مشكلة، فتنعت، فكان أن وقع بينهم صدام وقام بضرب حامل المصحف وإسقاط المصحف من حامله فثار الإخوان لحدوث ذلك.

وباشرت النيابة التحقيق فى ذلك، فقامت باستدعاء الصاغ رشدي الغمرواى مأمور القسم والملازم أول عبد الرزاق أحمد النقيب وبعض رجال البوليس الذين اشتركوا فى الحادث. وقد أرسل الإخوان فى أنحاء القطر المصري برقيات احتجاج على هذا التصرف. (4)

ولقد أثار هذا الحادث الأليم حفيظة الإخوان عامة والإمام البنا بصفة خاصة حتى كتب إلى الملك فاروق عريضة يستنكر فيها اعتداء البوليس على جوالة الإخوان. كما ذكر أن النيابة حين تولت التحقيق مع ذلك المأمور جعلت التحقيق سريا ومنعت المحامين من الحضور مع المتهمين بغير وجه حق.

كما أشار إلى موقف الحكومة من جريدة الإخوان التي أشارت إلى هذه الحوادث في عددها الصادر آنئذ فكان نصيبها المصادرة حيث بعثت الحكومة قوة من رجالها إلى دارها وجمعت كل ما فيها من أعداد للتوزيع أو الاشتراك وجمعتها كذلك من العربات المسافرة ومن أيدي الباعة في كل بلدان المملكة المصرية.

حيث كتب الإمام البنا يقول: يا صاحب الجلالة:

إن جوالة الإخوان المسلمين تتبع أقسام البر والخدمة الاجتماعية وهى أقسام مستقلة مسجلة تسجيلاً قانونيًّا بوزارة الشئون وتنص لائحة نظامها الأساسى على أنها لا صلة لها بالسياسة ولا بالأحزاب، وهذه فرق الجوالة نفسها مسجلة بعد ذلك فى جمعية الكشافة الأهلية فهى فرق قانونية رسمية تتبع هيئة اجتماعية رياضية قانونية كذلك ومن حقها بناء على ذلك أن تزاول نشاطها الكشفى من رحلات وطابور وسير وتمرينات وحفلات واجتماعات أسوة بغيرها من الفرق الوطنية والأجنبية.
ولكن وزارة الداخلية منذ أمد بعيد يحلو لها دائمًا أن تعاكس هذا النشاط القانونى فتصدر بين الفينة والفينة تعليماتها لرجال الإدارة بمنع جوالة الإخوان من القيام بأى نشاط خولهم إياه القانون، وكم كان محرجًا للصدور أن يمتد ذلك المنع إلى المناسبات القومية الكريمة فيحول بين فرق جوالة الإخوان وبين التعبير عن ابتهاجها بهذه المناسبات وولائها لجلالة الجالس على عرش البلاد غير مرة.
ولقد كانت هذه الأوامر الشاذة سببًا فى احتكاك واصطدام لا مبرر له بين الطوابير التى تسير آمنة وادعة مسالمة عزلاء وبين رجال البوليس الذين تدفعهم وزارة الداخلية إلى التحرش بها وصدها عن سبيلها، وكثيرًا ما كانت تتغلب الحكمة التى يلتزمها جوالة الإخوان وتقوم عليها دعوة الإسلام فينتهى الأمر بسلام
حتى كان يوم أمس إذ اصطدم مأمور قسم الخليفة الصاغ رشدى الغمراوى بفريق من هؤلاء الجوالين كان يسير فى طابور نظامى إلى ميدان قره ميدان للقيام ببعض تمرينات كشفية فى يوم الأحد الماضى 10 من شعبان 1366 الموافق 29 من يونيو 1947 وذلك جريًا على عادتهم فى كل أسبوع مما يجعل أمر عدوان مأمور القسم عليهم هذه المرة موضع تساؤل ودهش لأنه آثر التحرش والاندفاع على التفاهم والتروى فأمر قوات البوليس باستعمال العصى ثم إطلاق النار عليهم ولم يدع لقائدهم فرصة التفاهم معه
كما هجم بنفسه على السائرين وأهان المصحف الشريف والعلم المفدى على مرأى من الناس مما أدى إلى تجمع الجمهور واشتباكه مع البوليس فى معركة دامية أسفرت عن كثير من الإصابات ولولا أن تدارك الموقف المسئولون من الإخوان بإلزام المعتدى عليهم وسائر فرق الجوالة كبح شعورهم والاقتناع بأن الأمر سيرفع إلى سدة جلالتكم لوقع مالا تحمد عقباه وقد أحرجت الصدور والأنفس.
ولئن كان هذا التصرف خاطئًا من المأمور فإن حجته فى ذلك مابين يديه من أوامر لا مسوغ لها ولا تتفق مع القانون والحريات المكفولة بالدستور فضلاً عن سوء استعمالها وستتكرر هذه المآسى مادامت هذه التعليمات الجائرة قائمة يتخذ منها رجال البوليس ذريعة لهذا العدوان.
وحين تولت النيابة التحقيق جعلته سريًّا ومنعت حضرات المحامين من الحضور مع المتهمين بغير وجه حق وكيفت التحقيق كما شاء رجال البوليس أن يحوروه وهم وحدهم المسئولون عن كل ما حدث.
ولقد أشارت جريدة "الإخوان المسلمين" إلى هذه الحوادث فى عدد اليوم فكان نصيبها أن صادرتها الحكومة بعثت بقوة من رجالها فى الصباح الباكر إلى دارها وجمعت كل ما فيها من أعداد للتوزيع أو الاشتراك وجمعتها كذلك من العربات المسافرة ومن أيدى الباعة فى كل بلدان المملكة المصرية فكان ذلك اعتداء جديدًا صارخًا على حرية الصحافة تضيفه إلى سلسلة الاعتداءات السابقة. (5)

أخيرا

لقد تألفت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م وحلتها وزارة النقراشي عام 1948م حيث ظلت ما يزيد عن عشرين عاما تعمل في ظل القانون وتحت مظلته، ولم تخرج الجماعة عن إطارها القانوني، ولم تجرؤا أى وزارة فعل أى شيء مع الجماعة لكونها لم تخرج على إطار القانون، لكن النقراشي باشا كان يتربص لها وزاد من حماسته وقوته رغبة الدول الغربية حل جماعة الإخوان المسلمين والقضاء عليها.

المراجع

  1. صحيفة الأهرام والأخبار والمصري اليوم وموقع صدا البلد ومبتدأ ...... إلخ.
  2. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الأول، دار الطباعة و النشر و الصوتيات 1987م
  3. المرجع السابق.
  4. دار الوثائق المصرية، محفظة عابدين، التماسات الإخوان المسلمين رقم 557.
  5. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (358)، السنة الثانية، 13 شعبان 1366ه - 2 يوليو 1947م، صـ 2.