شهر رمضان في ذكريات الإخوان
مقدمة
ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في ظروف كانت البلاد والعالم الإسلامي يرزخ تحت نير الاحتلال بشتى أنواعه، حيث استغل نقطة جهلهم بتعاليم دينهم الوسطي الحنيف وأعلى في نفوسهم الأساطير والخرافات والصوفية المنحرفة والتي كانت تبث روح اليأس والضعف في النفوس وغيبت روح المقاومة والجهاد.
ومنذ الخطوات الأولى التي بدأت تخطوها جماعة الإخوان المسلمين نحو خلق أجيال تعظم حرمات وشعائر الله، وهي كانت أشد حرصًا على بث روح التربية الإيمانية في النفوس، وتعظيم شعائر الله سبحانه في قلوب الناس. حرص الإخوان خلال مسيرتهم على تعظيم الشهر بالصور العملية، والبعد عن الصور النمطية، فعملوا على ارتياد المساجد، وإطعام الفقراء، والبحث عن سد رمق المحتاجين، ومحاربة المنكرات.
وبتغيب الإخوان والدعاة والمصلحين وأهل الحق غيبت هذه الجهود، وحوربت الشعائر حتى أضحى الأذان في نظر السلطان مزعجًا، وارتياد المساجد والاعتكاف فيه خطر، والالتقاء على الطاعات من الممنوعات، وهكذا يعيش رمضان وأهله في غربة.
وفي هذه السطور نتذكر بعض ذكريات الإخوان في شهر رمضان وكيف كانوا يعظمونه لينتفعوا به وينتفع به غيرهم في التقرب من الله سبحانه والفوز فيه بحسن الطاعات.
رمضان في ذكريات الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان
محمد بديع عبد المجيد سامي المرشد العام للإخوان المسلمين والذي ولد بمدينة المحلة الكبرى محافظة الغربية في 7 أغسطس 1943م وتخرج في كلية الطب البيطري بتفوق وعين فيها معيدا حتى وصل إلى منصب وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث سنة 1993م
وقد اختير ضمن أعظم مائة عالم عربي في الموسوعة العلمية العربية التي أصدرتها هيئة الاستعلامات المصرية 1999م، واعتقل لسنوات طويلة في شبابه في عهد عبد الناصر كما اعتقل لسنوات طوال بعد الانقلاب العسكري الذي قام به السيسي ضد الدكتور محمد مرسي وما زال رغم تجاوز سنه الـ80 عاما، ومع ذلك نقف على بعض ذكرياته في شهر رمضان.
انضم إلى الإخوان عام 1959م على يدي إحد الإخوة الطلبة السوريين ويؤكد أن رمضان وسط الإخوان غير رمضان قبل الالتحاق بهم فيقول:
- عندما أتحدث عن ذكرياتي مع رمضان أو مع الإخوان؛ فإن هناك حقيقةً واحدةً يجب تأكيدها؛ وهي أنني لم أشعر برمضان إلا مع الإخوان.
- فقد كانت علاقتي بالإخوان المسلمين هي التي دبَّت فيَّ الروح لكي أتعامل مع القرآن والعبادات وأفهم رسالتي في هذه الدنيا، ثم فتحت الطريق بيني وبين المجتمع لكي نفيض عليه مما أفاء الله علينا. كان أول رمضان لي في السجن في عام 1965م في حر أغسطس القائظ في السجن الحربي بالعباسية، ولي فيه ذكريات كثيرة مع الإخوة الذين كانوا معي في الزنزانة، وكان معنا الأخ حامد شريت رحمه الله عليه.
- وفي محنة عام 2000م كنت أدعو أدعيةً كثيرةً؛ لأن التنوع بالدعاء مع اختلاف الحالة النفسية مهم جدًّا؛ لدرجة أنني كنت في إحدى المرات في رمضان داخل السجن وأتت زوجتي لزيارتي، وأخبرتني بأن والدتي توفيت في نفس اليوم بالمحلة وأنها سوف تسافر لتقدم واجب العزاء وتحضر الجنازة؛ فرجعت من الزيارة وأنا مصاب بالحمى وأصبحت طريح الأرض وليس حتى الفراش، وصليت الظهر والعصر وأنا على هذه الحال، ثم جاء موعد أذكار المساء التي تعوَّدنا أن نرددها في ذلك الوقت قبل صلاة المغرب
وكنت أدعو قائلاً:
- "اللهم إني أمسيت منك في نعمة وعافية وسَتْر"، وتوقفت.. فحالي الآن أنني عندي حمى ودرجة حرارتي فوق الأربعين، ووالدتي توفيت اليوم، ونحن مهمومون، ومسجونون في رمضان، وبهذا الضيق وبهذه الدنيا الضيقة وهذا الهم والابتلاء أقول: "اللهم إني أمسيت منك في نعمة وعافية وسَتْر"!، وكأن الله تعالى يعلمني على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنك وقبل أن تطلب من الله عز وجل أي طلب اعترف بالموجود في البداية، ثم اشكر الله عليه؛ ليصبح ذلك في حياتك منهاج حياة وليس فقط دعاء.
وعن برنامجه في رمضان يقول:
- اليوم يبدأ من الفجر بالصلاة وقراءة القرآن، وإن لم أكن متعبًا أو مرهقًا فإنني أنتظر الشروق حتى أصليَ ركعتي الضحى؛ لأن الرسول يبشرنا بأن هذا بأجر حج وعمرة تامَّتين تامَّتين تامَّتين.
ثم إن كان هناك فترة للراحة قبل الذهاب إلى العمل أو قبل القيام بالواجبات ثم فترة قيلولة في الظهيرة أو بعد صلاة الظهر، وبعد الاستيقاظ هناك فترة لقراءة القرآن حتى صلاة العصر أو إذا كان هناك درس أو لقاء في المسجد أو أي مكان آخر بعد العصر، ثم الإفطار وصلاة المغرب، ثم صلاة العشاء والقيام، وأحب أن أقضيَ الوقت بين صلاة المغرب والعشاء مع الأهل والعائلة لبعض الوقت نتحدث، كما أنني أحرص على النوم مبكرًا.
ويضيف:
- فإننا ما عشنا في شهر رمضان إلا تدريبًا لما بعد رمضان؛ حيث تبدأ المعركة الحقيقية مع الشياطين والمردة؛ فهل تدربنا في شهر رمضان على هزيمتهم؟! أم سيهزموننا ونعود إلى نقطة الصفر بعد رمضان؟( ).
الدكتور يوسف القرضاوي وذكريات شهر رمضان وحرب أكتوبر 1973
يوسف عبد الله القرضاوي الذي ولد في قرية صفط تراب التابعة للمحلة الكبرى محافظة الغربية بدلتا مصر في 9 سبتمبر 1926م ورحل عنا في نفس الشهر يوم 26 سبتمبر 2022م حيث يعد أحد أهم العلماء والمصلحين في العصر الحديث.
انتسب إلى دعوة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من حياته وظل الشخصية المحورية سواء في العمل الدعوي أو التأثير العالمي في قضايا المسلمين. حيث يجول في مشاعره مع شهر رمضان والذي تصادف انتصار المصريين على الصهاينة في حرب أكتوبر عام 1973م.
وكان من أهم ما حدث في هذا العام، وفي شهر رمضان المبارك:
- ما فاجأنا وفاجأ العالَم كله من حدث اهتزت له القلوب طربًا، وابتسمت له الثغور فرحًا، ولهجت به الألسنة ثناءً، وسجدت الجباه من أجله لله شكرًا. إنه الحدث الذي عوضنا عما فوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران "يونيو" (1967م)، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به - إلى اليوم - القدس والضفة والقطاع والجولان، بالإضافة إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.
- وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو: حرب العاشر من رمضان، وأنا أحب أن أسميها دائمًا: معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن شهر رمضان ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود الصائمين والمصلين، كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما أكتوبر، فليس له أي إيحاء أو دخل في هذا النصر.
- ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله تعالى، الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.
- في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة (5) يونيو (1967م)، فقد كانت إذاعة القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلمًا، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.
ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصًا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرًا على هزائمها، حيث لم تغن الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء. وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيًّا وروحيًّا، لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية.
إن الجندي المصري في (1973م) هو نفسه في (1967م) من حيث الشكل والمظهر، ولكنه غيره من حيث الباطن والجوهر، إن الإنسان إنما يقاد من داخله، لا من خارجه، ولا يقود الناس في بلادنا شيء مثل الإيمان، ولا يحركهم محرك مثل الإيمان. وهذا ما لم تفهمه قيادة (1967م)، فقد عزفوا على منظومة القومية، ومنظومة الاشتراكية، ومنظومة الثورية، فلم تحرك ساكنًا، أو تنبه غافلًا في الجندي المصري، أو الجندي العربي عمومًا. ( ).
القرضاوي وذكريات أول شعبة بصفط تراب في شهر رمضان
يروي الشيخ يوسف القرضاوي قائلاً:
- ومن الوقائع التي لا تنسى في مجال الدعوة: ما وقع لي في أحد (الرمضانات) وقد كنت في الإجازة الصيفية مقيما في القرية، وأرسل إليّ الإخوة في طنطا: أن الإخوان في كفر الشيخ يطلبونك لخطبة الجمعة في أحد البلاد هناك، وسينتظرك أحدهم في موقف الأوتوبيس القادم من المحلة إلى كفر الشيخ، ونهضت مبكرا لأسافر إلى المحلة، ثم أذهب إلى موقف الأوتوبيسات الذاهب إلى كفر الشيخ، لأستقل واحدا منها إلى تلك المدينة.
- وقد كان، ووصلت إلى الموقف، فوجدت أحد الإخوة، وركبنا أتوبيسا آخر إلى قرية بجوار (سخا) وكان الحر شديدا، وجسمي يتصبب عرقا، ولكنا في عصر الشباب لم نكن نبالي بهذه المتاعب الصغيرة، بل لا نكاد نحس بها كما يحس الآخرون. وقد ألقيت الخطبة في القرية التي احتشدت لذلك، ثم كلمة قصيرة بعد الصلاة. ثم استأذنا في الانصراف، فلا مجال لضيافة، فنحن في رمضان، وقد طلب إليّ أهل القرية أن أبقى عندهم إلى الإفطار، فاعتذرت. وقد نسيت اسم هذه القرية، وهي تابعة لمركز كفر الشيخ.
وبعد ذلك قال لي الأخ المرافق:
- يمكنك أن تعود إلى كفر الشيخ، وتركب أوتوبيسا من هناك، إلى المحلة كما جئت، ويمكنك أن تمتطي قطار الدلتا من هنا، من سخا إلى المحلة مباشرة، قلت له: كم ثمن التذكرة من هنا إلى المحلة؟ فقال: نسأل عنها، ثم سأل،وقال لي: ثمنها ستة قروش.
- قلت: الحمد لله. ذلك أن كل ما كان معي من نقود هو ستة قروش ونصف. فقلت: أسافر إلى المحلة، ويقضي الله ما يشاء، فقد خرجت من البيت بكل ما أملك من النقود في ذلك الوقت. وكان المفروض أن يرسل لي الإخوة من طنطا نفقات هذه الرحلة، فأنا طالب ولست موظفا، ويبدو أنهم اتكلوا على الإخوة في كفر الشيخ، والإخوة هناك اتكلوا عليهم، وضعت أنا في الوسط. فالأخ الذي رافقني من كفر الشيخ خالي الذهن تماما عن هذا الموضوع.
- وركبت قطار الدلتا من محطة (سخا) وهو قطار صغير بطيء، كان الناس يتندرون به، ويقولون: تستطيع أن تشير إليه فيقف لك! وقد وصل القطار المتهادي إلى مدينة المحلة، قبيل الغروب بقليل، وكنت معتمدا ـ بعد الله تعالى ـ على قريب لي يسكن في المحلة لأفطر عنده، وآخذ منه أجرة سفري إلى صفط قريتي. وقد صحبني إلى بيته مرة واحدة، قبل ذلك، وعلامة البيت أنه قريب من مسجد التوبة.
- وذهبت إلى هذا الحي، وعند مسجد التوبة، وذرعت المنطقة يمينا وشمالا، لأهتدي إلى البيت، أو أستدل عليه، فلم أوفق. وأذن المغرب، فلم أجد بدا من أن أذهب إلى المسجد لأصلي فيها المغرب، وأفطر على الماء.
- ثم ذهبت بعد ذلك إلى دار الإخوان بالمحلة، وبعد قليل حضر عدد منهم، فرحبوا بي وطلبوا لي (الكازوزة) لأشرب، وعلام أشرب وبطني فارغ، ومعدتي خاوية؟ كدت أقول لهم: إنني لم أفطر بعد، ولكن منعني الحياء، وهو خلق فطري عندي. وقد وصف الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها.
- فهذا الخلق المحمدي هو الذي حال بيني وبين مصارحة الإخوة بأني خالي البطن بعد يوم حافل بوعثاء السفر، وشدة الحر، ومتاعب الطريق، وهو الذي منعني أن أطلب من مرافقي في كفر الشيخ أن يقطع لي هو تذكرة السفر من سخا إلى المحلة كما تقتضيه الأصول، حتى لا أظهر بمظهر من يتكسب بالدعوة. وحاولت أن أغالب حيائي وأطلب من الإخوة في شعبة المحلة أجرة السفر إلى صفط ـ وهي قرشان ـ فلم أستطع، وكان حيائي أقوى من حاجتي. ولم تكن صلتي بأحدهم وثيقة.
- وودعت الإخوان، وخرجت إلى الطريق، عازما على أن أقطع مسافة أحد عشر كيلومترا ماشيا، إن لم أجد من يركبني معه احتسابا. وفي منطقة تسمى (الشون) في أطراف المحلة، حاولت أن أجد من أصحاب السيارات من يركبني معه، وبخاصة أن لدي اجتماعا مهما في القرية بعد انتهاء صلاة التراويح.
- ولكن عرضت على سيارتين من سيارات النقل، فلم يستجيبا، ولاحظ أحد الرجال ذلك، وأنا ألبس الجبة والعمامة، فسألني: مالك لم تركب؟ قلت: بصراحة، ليس معي أجرة الركوب، قال: وما هي؟ قلت: قرشان. فقال: هاهما. فقلت له: جزاك الله خيرا، فقد نفّست كربتي.
- وعدت إلى القرية، وأنا شديد الجوع، فكان أول ما فعلته أن آكل. ولكني كنت قوي العزم لحضور الاجتماع، فلم يؤثر في تعب النهار، ليحجزني عن عمل الليل. وكان الاجتماع مهما، وذلك للتشاور في تأسيس شعبة للإخوان في صفط تراب، وكان المفروض أن يكون ميلاد هذه الشعبة في تلك الليلة من شهر رمضان المبارك، ولكنها تأخرت لبعض الظروف
- وقامت الشعبة بعد ذلك على كواهل عدد من شباب البلدة المخلصين، على رأسهم الشيخ عبد الستار نوير، ومعه الإخوة إبراهيم حبيب وغازي الزغلول، وأبو اليزيد عسقول، ومحمد الزكي، وبهجت الشناوي، وحمزة العزوني، وآخرون لا أذكر أسماءهم الآن. وقد حوكم بعضهم بعد ذلك في عهد الثورة وحكم عليهم بالسجن سنوات متفاوتة، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين. وكانوا رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا( ).
أحمد أبو شادي ونشاط الإخوان في رمضان
الأستاذ أحمد أبو شادي أحد قادة الإخوان المسلمين ومن الرعيل الأول للجماعة ولد في أبريل 1928م، في قرية "تفهنا العزب" مركز زفتى بمحافظة الغربية، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1958م.
التحق بالإخوان المسلمين في رمضان عام 1947م واعتقل عام 1954م لكنه خرج عام 1956م ليعو إليه مرة اخرى عام 1965م وظل به حتى عام 1974م
يتذكر نشاط الإخوان في شهر رمضان بقوله:
- التحقت بشعبة العباسية، وكانت من أعظم شُعَب القطر كله، حيث يتركز بها سلاح الصيانة وسلاح المهندسين وكثيرٌ من الكليات الجامعية، وكانت هذه الشعبة كخلية نحل، ولم يكن هناك أي قيود، وكانت هناك عادةٌ طيبة في شهر رمضان حيث كانت الشعبة تدعو بعضها البعض إلى الإفطار، وكنّا في رمضان نوزع أنفسنا في حي العباسية على أربع مجموعات تتحرك في أربعة اتجاهات لإيقاظ الناس لصلاة الفجر، فكانت المساجد وقت صلاة الفجر مثل صلاة الجمعة.
- كنا نجمع الزكاة ونوزعها على الأهالي في الشعبة؛ فمن أهداف الجماعة خدمة البنية التحتية للجماهير، وكان الجميع في العشر الأواخر يدخل الاعتكاف بمن فيهم أعضاء مكتب الإرشاد الذي كان يأخذ إجازة؛ من أجل الاعتكاف.
رمضان في السجن
كانت فترة السجن من أخصب الفترات، حيث حفظنا القرآن الكريم، وتربينا مع الإخوان، وحصلنا على الكثير من الدروس، وكنا في رمضان نقسم أنفسنا إلى مجموعات لمدارسة القرآن والسيرة وممارسة الأنشطة الرياضية.
ومن الذكريات التي لا أنساها أنه في 18 رمضان عام 1955م حدثت واقعة مؤلمة جدًا في السجن الحربي، وضُبط عند أحد الإخوان حديث يحثُّ على الصبر! فقاموا بجلد الإخوان الخمسة الموجودين في الزنزانة في ظهر هذا اليوم أمام الجميع؛ حتى إن أحد الضباط المسيحيين عندما شاهد ذلك قال: "حرام عليك يا حمزة بيه، دول صايمين"، ولم يلتفت حمزة لذلك نهائيًا!! ( ).
محمد هلال وذكريات أول رمضان في معتقل الهايكستب عام 1949م
ولد الأستاذ محمد هلال في 18 أغسطس من عام 1920م في قرية صغيرة تابعة لمركز المنصورة بمحافظة الدقهلية، وحصل على ليسانس الحقوق.
تعرف على دعوة الإخوان عام 1944م وهو طالب بكلية الحقوق واعتقل في محنة الإخوان عام 1949م حيث يتذكر أول رمضان له في السجن بقوله:
- أثناء وجودنا في معتقل الطور، الذي جمع كافة الأعمار من الشباب إلى جانب أعضاء الهيئة التأسيسية للإخوان وأعضاء مكتب الإرشاد، وأذكر أنه في هذه الفترة جاء أول شهر رمضان على ما أذكر عام 1949، وكنا نلتف حول عالم جليل هو الشيخ جبر التميمي، وكان يجمعنا عقب صلاة القيام في كل ليلة ونتذاكر علوم القرآن ويبدأ الشيخ جبر التميمي كعادته كل ليلة من ليالي رمضان بإرسال برقيات إلى رب العباد..
- هكذا كان يقول لنا، وكان عمر الشيخ التميمي في ذلك الوقت 70 عامًا، وكان يقول لنا رحمة الله عليه سوف ترون نتيجة هذه البرقيات إلى الله في نهاية الشهر، وفي ليلة عيد الفطر من هذا العام علِمنا من الإذاعات التي كنا نسترق السمع إليها من الضباط وحرس المعتقل ومن بعض الصحف التي كانت ترد مع الضباط ويطلعوننا عليها
- جاء الخبر الآتي "هدية العيد للشعب المصري إقالة حكومة إبراهيم عبد الهادي"، وكانت منحة ربانية لآلاف الإخوان المعتقلين، سواءٌ في الطور أو في الهايكستب، وكان ذلك في حكومة حسين سري باشا التي أعقبت حكومة إبراهيم عبد الهادي، وهكذا كانت آية من آيات الله الكبرى والتي بشرنا بها الشيخ جبر التميمي.
- ويضيف: شهر رمضان شهر الانطلاق، فالإخوان ينطلقون في كل بقاع مصر يؤدون واجباتهم نحو الشعب، فقرائه وأغنيائه، يتسابقون في الخيرات ويتقربون إلى الله ويقدمون خدماتهم الاجتماعية والطبية والعملية والثقافية، فرمضان بالنسبة للإخوان شهرٌ لا راحة فيه، وهو شهر العبادات الذي يتقرب فيه المسلمون إلى ربهم وخدمة أهليهم وذويهم، وهذا هو دستور الإخوان المسلمين في رمضان. ( ).
الأستاذ فؤاد الهجرسي يروي ذكرياته في رمضان كما عاشه
من المربين الربانيين في دلتا مصر ... فهو من أخوان الدقهلية .. من مواليد 5/10/1930 م- ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1945م - تعرَّض للاعتقال مرتين الأولى سنة 49 وخرج من المعتقل بعد شهور، أما الثانية فقد أمضاها في السجن الحربي من عام 65 وحتى عام 71 مثله مثل كثير من الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين ... فقد عاش رمضان في أوقات السعة والدعة.. فنترك أستاذنا الفاضل ليحدثنا عن هذه المذكرات كما قرأتها في مدونته.
رمضان الطفولة
كان رمضان يرتبط لدينا في طفولتنا بالأطعمة الرمضانية، وكانت المساجد تُضاء وقتها بمصابيح الغاز، وهو ما لم يكن متاحًا طوال العام، فكان مشهد المسجد المضاء يُثير البهجة في نفوسنا، كما كان لهو الصغار بالفوانيس أيضًا يُسعدنا، وكنت أنتظمُ في الذهاب مع أخي لتلقي دروس العلم بعد صلاة التراويح
وكان أهم ما يُميز الشهر الكريم في الريف قيام الأعيان باستحضار مقرئ لقراءة القرآن كاملاً طوال الشهر الكريم يوميًّا بعد صلاة التراويح، وكنتُ أحيانًا- باعتباري طالبًا في الأزهر - يدور بيني وبين بعض الحاضرين جدل حول معنى إحدى الآيات أو إعراب إحدى كلماتها؛ مما كان يُضفي روحًا خاصةً وإحساسًا بمتعة العلم والتعلم.
بداية الصيام
الحياة في الريف، خاصةً في وقتنا سهلة، والريف يُقبل على العبادة بفطرته، ولم يكن هناك أي صعوبة، فالجو العام كان يُشجِّع على الصوم، وساعدتني أسرتي على الصيام بالتدريج، وكانت والدتي تغني لي أنشودة صغيرة يوميًّا فتقول: "قول نويت الصيام.. نويت.. نويت وإن جُعت اتغديت"، وهكذا كان المزاح والروح السمحة دون تعصب من أهم المحفزات، وبدأت الصوم حتى الظهر، ثم تعودت أن أصوم حتى العصر، وأتممتُ صيام اليوم والشهر كاملاً وأنا في الثامنة من عمري.
رؤية الإخوان تنسي الهموم
تأثرتُ كثيرًا في رمضان من العام الماضي عندما شاهدتُ أحد الإخوان الكبار في السن، والذي تجاوز التسعين من عمره واسمه الشيخ زكريا حجي، وقد ضعُف بصره، وقلَّ سمعه، ويستند على أحد أحفاده أثناء السير، ومع ذلك تجشَّم عناء السفر ليحضر إفطار رمضان مع إخوانه، وقد أمتعنا أيما إمتاعٍ بحديث الذكريات الذي استرسل فيه أثناء الإفطار.
رمضان والمحنة
في الاعتقال الأول سنة 49 لا أزال أذكر صوت الشيخ الغزالي- رحمه الله- وهو يؤمنا لصلاة التراويح داخل المعتقل، وكان الإخوة جميعًا وقتها إخواننا وآباؤنا حتى إننا لم نشعر إلا بمشاعر الحب والرحمة والعطف، وكان هذا التجمع الطيب للإخوان من كلِّ المحافظات ومن كل التخصصات فرصةً رائعةً، حتى إننا لم نكن نتلهف على الخروج من المعتقل، وكنا نلعب الرياضة وقتها يوميًّا رغم الصيام والحر، فكانت إرادتنا قوية، وكنا نُشجِّع بعضنا بعضًا.
أما في الاعتقال الثاني، والذي امتدَّ من عام 65 وحتى عام 71 فقد أمضيته في السجن الحربي، وهو ما كنا نلاقي فيه من الأهوال ما لا يخطر على عقل بشر، فكنا نتعرَّض للتعذيب والضرب بالكرباج وعض الكلاب حتى ونحن صيام في نهار رمضان.
وكان الطعام قليلاً للغاية لا يكفي ليقيم أودنا، وكان مما يُهوِّن علينا أننا كنا نحضر أرغفتنا فنقطعها قطعًا صغيرةً، ونضعها في طبقٍ واحدٍ ثم نُغطيها بمنديل ونبدأ في التسمية وسحب لقمة لقمة من تحت المنديل، فكان الله يبارك لنا في طعامنا هذا ويشبعنا، وبعد عام 68 سُمح لنا باستقبال أسرنا في المعتقل فكانوا يحضرون لنا الطعام، ورغم كل هذا كنا نشعر بالرضا في كل الأحوال، فوقت التعذيب كنا راضون، وبعد السماح بالزيارة وتحسن الأمور كنا راضون، وبعد الخروج التزمنا الرضا والحمد لله في كل الأحوال.
وكان من المصاعب التي واجهتنا في رمضان في السجن الحربي هو عدم وجود مصاحف، فكان غير الحافظين لكتاب الله يعانون من عدم تمكنهم من الصلاة إلا بقصار السور، وزاد من صعوبة الموقف أن الحافظين أُنسوا ما حفظوه من شدةِ التعذيب الذي كان يطالهم، إلا أن أحدهم واظب على الصلاة يوميًّا محاولاً مراجعة حفظه ما استطاع
وكان يرفع صوته بالقراءة في محاولةٍ لطرد النوم من أثر التعذيب والتعب طوال النهار، فتضرر منه باقي المسجونين وطالبوه أن يخفض صوته حتى يناموا.. فلمَّا رفض سألوه مستنكرين: "ألا تتعب من طوابير التعذيب مثلنا طوال النهار؟!" فردَّ عليهم: "إنما أستعينُ بهذا على هذا" يقصد أنه يستعين بالصلاة والقرآن على تحمُّل العذاب.
رمضان في عيون الحاج طلعت الشناوي
بجسدٍ لم تترك السنون آثارها الدالة على عمره الحقيقي بعد.. بروح خفيفة الظل إلى أبعد الحدود وكأنها لم تُعانِ ما عانته من قسوة الأيام وشدة الصعاب.. وبوجهٍ حفرت فيه السنون الطويلة ملامح الإصرار على المضي في الطريق مهما كلف الأمر أو بلغت التضحيات.. قابلنا الحاج طلعت الشناوي أحد كنوز الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين ومسئول المكتب الإداري لإخوان الدقهلية، ليسطر لنا صفحات لم تَرَها أجيالنا الحاضرة، كاشفًا عن قيم ومُثُل نَدُر أن يجود بها زماننا الآن.
بعيدًا عن مرارة الاعتقال والشعور بالظلم والاستبداد.. كيف كان رمضان في المعتقل؟ كان رمضان في المعتقل فرصة ذهبية لرفع إيمانياتنا، حتى إنني أذكر أنني ختمت القرآن حفظًا في رمضان، وكانت الليلة الأخيرة فيه بعد أن ختمته مرةً في الأيام الأولى من نفس الشهر جلست في تلك الليلة ومنذ بزوغ فجرها إلى صلاة العشاء أتلو على معلمي حتى ختمته.
وماذا عن رمضان عند الإخوان .. كيف كانوا يعيشونه؟
كان الإخوان يتزودون من رمضان بكل قوتهم؛ فكانوا يكثفون وجودهم في المساجد، وكان هناك ما يسمى بـ(السهرة)؛ حيث يفتح بيت من بيوت القرية بابه لقراءة القرآن واستقبال الزوَّار طيلة الليل للاجتماع على الطاعة مما كان له عظيم الأثر في تقوية الروابط بين الإخوان وبعضهم، وبينهم وبين الناس أيضًا.
هل تشعر بافتقادك لهذه الأيام؟
بالطبع، وعلى الرغم من أن لكل فترة من عمرنا مذاقها الخاص، إلا أنني أفتقد أيام أقراني وبشدة؛ فقد كنا نستطيع العمل بكل حيوية وبقدر أقل بكثير من هذه الضغوط، أما الآن فلا نستطيع عقد مؤتمر إلا بموافقات أمنية، ولا نستطيع إعادة فتح مكتبنا الإداري والذي أغلق منذ 1954 وإلى الآن، كنا في زماننا نحظى بفرص متميزة للتعايش مع بعضنا ومع الناس، أما الآن فالأمور أصبحت أكثر صعوبةً.
هل عاصرت الإمام البنا؟
للأسف لم ألتق بالإمام البنا؛ فقد استشهد وأنا في الرابعة عشرة من عمري.
ماذا تعلمت من الإخوان؟
أولاً: أن قرآننا وسنة نبينا جاءا لتنظيم مختلف شئوننا وأن الفرد الإخواني كان وما زال يضع نفسه في دائرةٍ رسمها الشهيد سيد قطب في قوله: (واقعية مثالية ومثالية واقعية)؛ ففرد الإخوان كان سمته الأول مساعدة الآخرين ونفعهم.
ثانيًا: إحياء روح المحبة والتوادِّ وقوة الرابطة، والتي ما عرفتها إلا مع الإخوان ؛ وذلك تطبيقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وهذا أول ما حرص النبي عليه منذ الهجرة وسار على نهجه الإمام البنا رحمه الله، والذي عد الأخوة ركنًا من أركان البيعة.
ثالثًا: أن تباين الطباع بين الأفراد رأس مال ضخم إذا ما أُشرب بماء واحد، وتجمَّع في يد قيادة واحدة. أذكر ذات مرة أنني شكوت إلى الشهيد سيد قطب قلة نشاط أحد الإخوة، وكان هذا يثير حفيظتي بشدة ويكاد يؤثر على علاقتي به، فإذ به رحمه الله يعلمني درسًا رائعًا في التكيف مع الآخر قائلاً: "نحن نفتقد بشدة هذا الطبع ونحتاجه؛ فلن نستطيع أن نكون نسخًا من بعضنا البعض، بل لكلٍّ منا شخصيته وملامحه، والتي لا بد من استثمارها لصالح الدعوة"
وقص عليَّ من سيرة النبي والصحابة ما يؤيد ذلك، ومن لحظتها تعلمت الدرس بأنني لا بد وأن أتعامل مع الآخر بما يلائمه لكي أنجح في التواصل معه، وعندها تندر المشكلات، وإذا وجدت فسرعان ما تحل؛ فنحن البشر كالتروس؛ لا بد لها من زيت لتواصل عملها، وزيتنا هو الأخوة والود.
من هي أكثر الشخصيات التي أثرت فيكم؟
الأستاذ (محمد العدوى)؛ فهو مربِّي كل إخوان الدقهلية، وكان يجمع بين حنان الأب وحزم القائد، وحقيقةً.. كانت هذه الصفة بالذات تثير دهشتي، إضافةً إلى صراحته التامة مع إخوانه؛ لا لمجرد كشف العيب أو النقد، بل من أجل الإصلاح في المقام الأول.
والأستاذ المرشد عمر التلمساني والذي كان يرفعك فوق رأسه ما دام لك الحق؛ فإن حدت فكأنه لم يَلْتَقِ بك قط حتى تعود إلى سيرتك الأولى، وكان عليه رحمة الله يتميز بشفافية روح عالية، أذكر وقت أن قاطعني والدي بتحريض من عبد الناصر وأعوانه للضغط عليَّ كي أترك الإخوان
وبعد أن قاطعني والدي سبعة أشهر بعث إليَّ بخطاب ونقود وجلست أقرأ خطاب والدي في ركن من الزنزانة والأستاذ عمر التلمساني في ركن آخر ومع نفسي قررت ألا أقبل نقود والدي؛ حيث أبت عليَّ كرامتي ذلك، فإذا بالتلمساني يسألني: "ماذا قررت أن تفعل في هذه النقود؟"
وبلغت دهشتي ذروتها؛ حيث لم أخبره إطلاقًا عن هذا الخطاب، فكان لديه إحساس متميز بما يعيشه إخوانه ومرافقوه، كما علمني كيف أقهر الأعذار مهما كانت قاسية من أجل الدعوة، وبالطبع تأثرت أيضًا بالشهيد سيد قطب الذي علمني فن التكيف مع الآخر.
المراجع
- ذكريات رمضانية (3): د. محمد بديع وهموم الإخوان في السجون: إخوان أون لاين، 20 سبتمبر 2008
- ذكريات رمضانية (5).. الشيخ يوسف القرضاوي وحرب العاشر: إخوان اون لاين، 4 مايو 2020
- مذكرات الشيخ القرضاوي: نشط دعوي مكثف، 14 يوليو 2021، موقع القرضاوي
- ذكريات رمضانية (1).. الداعية المجاهد أحمد أبوشادي: إخوان اونلاين، 25 أبريل 2020
- ذكريات رمضانية (4).. مع المرشد الأسبق الأستاذ محمد هلال و"تليغرافات" رمضان