الحركة الأم

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
مراجعة ١٧:٢٢، ٣١ ديسمبر ٢٠١٤ بواسطة Sherifmounir (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب''''<center><font color="blue"><font size=5>الحركة الأم</font></font></center>''' '''<center><font color="green"><font size=5>" دراسة نقدية"</font></fo...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحركة الأم


" دراسة نقدية"

بقلم الدكتور : عبد الله أبو عزة

الإهداء

بسم لله الرحمن الرحيم

إلى روح الدكتور حسان حتحوت

مع الدعاء له بالرحمة وحسن المثوبة

عبد الله أبو عزة

مقدمة

كان الإسلام ، وما زال وسيظل، منطلق الرجاء لهذه الأمة، تفزع إليه كلما ألمت بها النوازل، وحيثما واجهت مواقف القهر، وتلوذ به فيفجر فيها طاقات هائلة ترتفع بها إلى مستو التحديات، ولقد صدق جهاد الشعوب الإسلامية ونضالها ضد التسلط الاستعماري هذه الحقيقة مرات ومرات.

وقد كانت حركة الإخوان المسلمين إحدى الصور التي عبر من خلالها الإسلام عن روحه الجهادية منذ أن نشأت الحركة في مصر في أواخر العشرينات من القرن العشرين الميلادي. ومن المعروف أن الحركات قد توجهت لنشر أفكارها في الأقطار العربية بعد أن شعر قادتها بثبات وضعها في مصر.

ولم تمض سنوات طويلة على هذا التوجه الإخواني إلى العالم العربي حتى شهدنا تيارا إخوانيا قويا في سوريا والعراق والأردن، كما وجد للحركة أنصار في فلسطين ولبنان والسودان وأقطار المغرب العربي.

وعلى الرغم من ظهور عدد من الدراسات التي تناولت الإخوان من هذا الجانب أو ذاك، فما زالت الحاجة ماسة إلى دراسات جديدة تكتشف الجانب المخبوءة، وتجلو الحقائق التي ضاعت حمأة المعارك التي خاضوها، وغيبتها الدعاية الصاخبة ضدهم أولهم.

ونظرا لما توفر لي من معرفة وثيقة بهذه الحركة، حيث كنت عضوا عاملا فيها مدة تزيد على عشرين سنة ( 1952م1962م) ، وحيث تنقلت في أماكن ومراكز متعددة عبر نشاطي في الحركة، على نحو لم يتيسر لكثيرين غيري، فقد رأيت من واجبي أن أقوم حصيلة هذه المعرفة على صورة دراسة نقدية لا تستهدف الضجيج بأمجاد الحركة بقدر ما تهدف إلى كشف العوامل والأسباب التي أعجزتها عن تحقيق أهدافها الرئيسية، بل وعم مجرد الاقتراب من تلك الأهداف، هذا من عدم إغفال ذكر إنجازاتها.

وعلى الرغم من أن هذا النهج ربما لا يرضي كثيرين من الإخوان، فإنه لا ينطلق – بكل تأكيد- من موقف معاد لهم، ولا يستهدف الإساءة إليهم. بيد أن هذا المؤلف لا يتردد في إلقاء الضوء على ما اعتبره أخطاء فيها الحركة، سواء كان عمله النقدي هذا من قبيل النصيحة أو من قبيل الترشيد، ذلك لأنني أعتقد أن هذه الحركة كانت وما زالت من أهم الحركات الشعبية التي شهدها تاريخ الشعوب الإسلامية في كل العصور- إن لم تكن الأهم- وما زالت كذلك إلى حد كبير ، ومن هنا جاء اهتمامي بها.

وقد رأينا أن نخصص هذا الكتاب لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بعد أن تناولنا في كتاب سابق بعض جوانب من مسيرة حركة الإخوان في البلاد العربية. إن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر هو التنظيم الأكبر الذي ولد التنظيمات الإخوانية جميعها، ولقد كان المجتمع المصري هو المنطلق الذي توجهت منه الفكرة، وانفجرت فيه الحركة، حيث امتدت دوحتها ومدت فروعها وأغصانها خارج حدود مصر. وفضلا عن ذلك فإن مصر هي أعرق البلاد الإسلامية حضارة وأغناها رصيدا على كل صعيد.

وتنقسم مادة هذا الكتاب في سبعة فصول تتبعها خاتمة، حيث يصور الفصل الأول البيئة والأجواء التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر ، وذلك دون إسهاب أو تفصيل على اعتبار أن جمهور القراء سبق لهم أن درسوا- من خلال مناهج التعليم الرسمية- تاريخ تطور مصر في العصر الحديث. لذا ا كتفينا بمجرد التذكير بالملامح العامة، والخطوط العريضة، والمعالم البارزة. أما الفصل الثاني فقد خصص لتحديد المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين، مع تقديم لمحة مختصرة عن الأحداث والتطورات الرئيسية التي شهدتها كل مرحلة، بينما تناول الفصل الثالث المسار التنظيمي للحركة.

أما الفصل الرابع فيتيح للقارئ تتبع المسار السياسي للحركة في تعاملها مع مختلف القوى السياسية ابتداءا من المرحلة الأولى. فإذا وصلنا إلى الفصل الخامس فإن القارئ سيمر بمشاهد العنف الذي مارسته الحركة في ميدان العمل والتنافس السياسي الداخلي، وما ارتد عليها نتيجة لذلك. أما الفصل السادس فيتناول علاقة الإخوان بثورة 23 تموز ( يوليو ) 1952م، بينما نحاول في الفصل السابع أن نصطحب القراء في جولة للتعرف فيها على ذكر الإخوان المسلمين ، وكيف انساب من منابعه المتعددة، ثم من الروافد التي أمدته بالمزيد من العناصر والمكونات المتنوعة.

وفي الفصل الأخير من هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة نتعرف من خلالها على ما قدمته الحركة من عناصر إيجابية، وما أخفقت في تقديمه مما نعتقده لازما وضروريا لتنشيط دماء الحياة في جسد أمتنا الإسلامية، وتمكينها من النهوض، واستعادة احترامها لنفسها، والاعتماد على الذات، والمشاركة في مسيرة إعلاء مستوى الحياة البشرية، والمساهمة بالعناصر التي تفتقر إليها البشرية لتحمل الإنسان إلى مستوى الانسجام مع القيم والمبادئ التي أراها الله تعالى لعباده في جميع الأقطار ليحيوا حياة طيبة، تقوم على ركائز البر التقوى، والتعاون الخير. وفي نهاية الرحلة تركز الخاتمة على خلاصة الدراسة ونتائجها. وقد ضممنا إلى ملاحق البحث بعض الوثائق التي تدعم بعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، أو تلقي أضواء خاصة على بعض الموضوعات الشائكة التي تعرضنا لها.

أما عن مصادر البحث فقد حرصت على أن أستند إلى المصادر الإخوانية في كل ما يمثل وجهة نظر الإخوان المسلمين أو يصف أحوالهم في مسار تطور حركتهم. وكان أهم هذه المصادر كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، للإمام حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان ومرشدها الأول، وكذلك مجموعة الرسائل التي صدرت له في مناسبات مختلفة حيث ألقى بعضها على شكل خطب- في البداية- أو مقالات، أو رسائل موجهة إلى بعض كبار المسئولين الحكوميين. وقد طبعت الرسائل طبعات كثيرة وانتشرت انتشارا واسعا في كل البلاد العربية تقريبا.

وبجانب تراث مرشد الإخوان الأول هناك كتابات أصحابه وتلامذته المباشرين، وأبرز هؤلاء الأستاذ محمود عبد الحليم ، الذي كتب تاريخا لحركة الإخوان يقع في ثلاثة مجلدات في إطار مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ، حيث سجل المؤلف فيه مشاهداته وتجاربه ووجهات نظره وأحاسيسه من خلال تناوله للأحداث. وكان الأستاذ محمود عبد الحليم ممن اعتمد عليهم حسن البنا، - أي محمود عبد الحليم- الذي أسس النظام الخاص الذي عرف باسم الجهاز السري في مصطلحات الجهات الرسمية. وقد صدر كتابه بعنوان "الإخوان المسلمو: أحداث صنعت التاريخ".

أما الرائد صلاح شادي فقد كان من كبار الإخوان في عهد ولاية المرحوم حسن الهضيبي لمنصب الإرشاد. وكتابه "صفحات من التاريخ" يشكل أيضا مزيجا من المذكرات الشخصية والتأريخ للفترة التي عمل فيها مع الحركة . وكان هو والمرحوم حسن العشماوي من رجال الصف الأول في الحركة خاصة قبيل ثورة 23 يوليو وما بعدها.

وقد نشر المستشار حسن العشماوي قلب وفاته كتابا بعنوان: "قلب آخر لأجل الزعيم"، كما قامت أسرته بنشر مذكراته بعد وفاته في مجلة روز اليوسف المصرية، ثم سمحت بنشرها مرة ثانية في شكل كتاب اعتنى به صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، صاحب دار الفتح اللبنانية، بمبادرة منه، حيث اتصل بالأسرة لهذا الغرض ، كما أخبرني.

ومن الكتب المهمة المعبرة عن رأي الإخوان كتاب " الإخوان المسلمون في ميزان الحق" للدكتور فريد عبد الخالق، وهو من كبار وقدماء الإخوان، ومن تلاميذ البنا المباشرين ومعاونيه الأقربين الموثوقين. ولم أنس كتاب النقط فوق الحروف. لمؤلفه الأستاذ أحمد عادل كمال، وهو من أبرز قادة النظام الخاص" الجهاز السري" من مساعدي المرحوم عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في أعقاب الثورة المصرية لمؤلفه عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في "أعقاب الثورة المصرية" لمؤلفه عبد الرحمن الرافعي ، من زعماء الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم المصري المشهور مصطفى كامل، وكان الرافعي من المحامين المرموقين. ويبدو الرافعي في كتابه ملتزما بحيادية واضحة في تناوله لإنجازات الوزارات المختلفة، بحيث يحرص على ذكر المحاسن والمساوئ متتابعة.

وثمة مصدر آخر مهم استفدت منه إذ حصلت على عدد من الوثائق البريطانية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث مصورة عن أصولها المحفوظة لدى الأرشيف البريطاني public records office وهي تتضمن جانبا من الاتصالات البرقية بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية في لندن في فترة ما قبل منتصف العشرين، وقد وسمت تلك الرسائل عند إعدادها وتداولها بالسرية الشديدة في وقتها، والمراجع التي ذكرت، فقد قمت بعدد من المقابلات مع شخصيات إخوانية مهمة كان لها دور في الأحداث ، ومع شخصيتين من غير الإخوان ورد ذكرها بشأن بعض النقاط التي تناولتها.

ومع ذلك كله كانت حصيلة تجربتي الشخصية الطويلة مع الإخوان، فترة امتدت عشرين سنة ( 1952- 1962م).

لقد استهوتني فكرة الإخوان المسلمين فجذبتني غلى الالتحاق بهم عام 1952م ، وأثارت عاطفتي وحماستي شعارات ا لإخوان فرفعتها لي شعارا، وهزتني هتافات الإخوان فتبنيتها وهتفت بدعوتهم ودافعت عنها، وفكرت الليالي والأشهر والسنين الطوال في أقوم الطرق لنصرتها. وقد عملت – أثناء ذلك- مع التنظيم الفلسطيني للإخوان في قطاع غزة ، ثم مع التنظيم الفلسطيني العام عند إنشائه، ثم مع قيادة الإخوان في البلاد العربية التي اتصلت من خلالها بمعظم التنظيمات والقيادات في مختلف الأقطار.

وحين صدمت وشعرت بالإحباط إثر اكتشافي لعدد من مواطن الخلل القاتلة في بنية الجماعة وصدت محاولاتي للإصلاح من الداخل، أنهيت انتسابي للجماعة بشكل كلي. وبدلا من محاولات الإصلاح من الداخل لجأت إلى محاولة الإصلاح بعد أن خرجت من الصف، حيث اتجه تفكيري إلى القيام بمراجعة شاملة لفكر جماعة الإخوان وبنيتها ومساراتها، فكانت هذه الدراسة التي تناولت فيها نشأة وتطور الحركة في مصر على النحو الذي شرحت. وقد كانت النية متجهة إلى الجمع بين ما كتبته عن الإخوان في البلاد العربية- خارج مصر- وبين دراستي هذه عن الحركة في مصر لتصدر في كتاب واحد من جزأين إلا أن ظروفا خاصة حالت دون ذلك.

وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ويرزقنا السداد في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

عبد الله أبو عزة

تمهيد

تعرضت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي للغزو والاجتياح عندما اقتحم نابليون حدودها وامتهن حرمها سنة 1698م. ومنذئذ غدت مصر محط مطامع الدول الأوربية، خاصة فرنسا وبريطانيا. وقد ساعدت هذه المنافسة مصر على التخلص من الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات، حيث عادت إلى كنف الدول العثمانية، كما هو معروف.

وقد تهيأت الفرصة لمغامر ذي مطامع واسعة لكي ينشئ له في مصر ملكا يتخذ منه قاعدة ينطلق منها لتحقيق أحمه. وبعد أن أحرز محمد على باشا، والي مصر أكبر انتصاراته، وظن أنه قد شب عن كل الأطواق طوحت به مؤامرات الدول الاستعمارية التي فزعت من ظهور دولة إسلامية شابة قوية في قلب العالم الإسلامي، فعملت على قص أجنحة محمد على وتحطيم أسباب قوته، باسم المحافظة على الدولة العثمانية والدفاع عنها.

ولكن الأسس التي وضعها محمد على من أجل بناء دولة قوية لم تمح كلها، فساعدت على أن ينمو في أرض الكنانة قدر من الوعي مهد لنهضة متواضعة رفعت مصر قليلا من الناحيتين الثقافية والحضارية، عن مستوى بقية الأقطار العربية والإسلامية. وهكذا أصبح المجتمع المصري البيئة الأصلح لتلقي بذور التوعية التي بذرها جمال الدين الأفغاني، ذلك المصلح الإسلامي، الذي اختلفت حوله الآراء أشد الاختلاف.

ثم دهيت مصر بداهية الاحتلال البريطاني سنة 1882م، ومنذئذ أصبحت قضية طرد الاحتلال وجلاء قواته عن مصر الشغل الشاغل للقوى الوطنية المصرية. وقد صاحبت الاحتلال هجمة ثقافية طاغية هدفها سلخ الشعب المصري عن إسلامه وإلحاقه بحضارة الغرب. ومن هنا أخذت المقاومة طابعا ثنائيا عند قطاع من المصريين التي سنتناولها بشيء من الدراسة في هذا البحث. وقد سبقنا رجال أفاضل كتبوا عن تاريخ الحركة وتطورها بكثير من التفصيل. وما زالت كتبهم بأيدي القراء، مما يعفينا من محاولة التأريخ الشامل والاستقصاء المتفرع لنمو الحركة وتطورها. ويهمنا- بالدرجة الأولى- أن نفتش عن أسباب عجز الحركة وما لاقته من إخفاقات ـ مع عدم غمطها حقها فيما توصلت إليه من إنجازات، حسبما أشرت في المقدمة.

الفصل الأول

البيئة التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين

لا يستطيع القارئ أن يقدر أعمال الإخوان ويقوم أنشطتهم ومواقفهم إلا إذا استحضر في وعيه الظروف العامة التي عاشته مصر في الفترة التي ظهرت فيها جماعة الإخوان وزاولت نشاطها خلالها. ورغم تيقني من أن معظم القراء لديهم فكرة – ولو مجملة- عن أوضاع مصر في تلك الحقبة إلا أن من طبيعة البشر أن يميلوا إلى تقويم المواقف لا في ضوء ظروفها المحيطة بها بل على أساس الظروف التي يعيشونها في لحظتهم، لحظة القراءة، ولذا كان من المفيد أن نعيد إلى الأذهان صورة الأوضاع في مصر في الحقبة الممتدة بين سنتي ( 1928م- 1970م) ، لكي يكون فهمنا وتقديرنا للمواقف سليما وموضوعيا.

التسلط البريطاني=