الحركة الأم

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحركة الأم


" دراسة نقدية"

بقلم الدكتور : عبد الله أبو عزة

الإهداء

بسم لله الرحمن الرحيم

إلى روح الدكتور حسان حتحوت

مع الدعاء له بالرحمة وحسن المثوبة

عبد الله أبو عزة

مقدمة

كان الإسلام ، وما زال وسيظل، منطلق الرجاء لهذه الأمة، تفزع إليه كلما ألمت بها النوازل، وحيثما واجهت مواقف القهر، وتلوذ به فيفجر فيها طاقات هائلة ترتفع بها إلى مستو التحديات، ولقد صدق جهاد الشعوب الإسلامية ونضالها ضد التسلط الاستعماري هذه الحقيقة مرات ومرات.

وقد كانت حركة الإخوان المسلمين إحدى الصور التي عبر من خلالها الإسلام عن روحه الجهادية منذ أن نشأت الحركة في مصر في أواخر العشرينات من القرن العشرين الميلادي. ومن المعروف أن الحركات قد توجهت لنشر أفكارها في الأقطار العربية بعد أن شعر قادتها بثبات وضعها في مصر.

ولم تمض سنوات طويلة على هذا التوجه الإخواني إلى العالم العربي حتى شهدنا تيارا إخوانيا قويا في سوريا والعراق والأردن، كما وجد للحركة أنصار في فلسطين ولبنان والسودان وأقطار المغرب العربي.

وعلى الرغم من ظهور عدد من الدراسات التي تناولت الإخوان من هذا الجانب أو ذاك، فما زالت الحاجة ماسة إلى دراسات جديدة تكتشف الجانب المخبوءة، وتجلو الحقائق التي ضاعت حمأة المعارك التي خاضوها، وغيبتها الدعاية الصاخبة ضدهم أولهم.

ونظرا لما توفر لي من معرفة وثيقة بهذه الحركة، حيث كنت عضوا عاملا فيها مدة تزيد على عشرين سنة ( 1952م1962م) ، وحيث تنقلت في أماكن ومراكز متعددة عبر نشاطي في الحركة، على نحو لم يتيسر لكثيرين غيري، فقد رأيت من واجبي أن أقوم حصيلة هذه المعرفة على صورة دراسة نقدية لا تستهدف الضجيج بأمجاد الحركة بقدر ما تهدف إلى كشف العوامل والأسباب التي أعجزتها عن تحقيق أهدافها الرئيسية، بل وعم مجرد الاقتراب من تلك الأهداف، هذا من عدم إغفال ذكر إنجازاتها.

وعلى الرغم من أن هذا النهج ربما لا يرضي كثيرين من الإخوان، فإنه لا ينطلق – بكل تأكيد- من موقف معاد لهم، ولا يستهدف الإساءة إليهم. بيد أن هذا المؤلف لا يتردد في إلقاء الضوء على ما اعتبره أخطاء فيها الحركة، سواء كان عمله النقدي هذا من قبيل النصيحة أو من قبيل الترشيد، ذلك لأنني أعتقد أن هذه الحركة كانت وما زالت من أهم الحركات الشعبية التي شهدها تاريخ الشعوب الإسلامية في كل العصور- إن لم تكن الأهم- وما زالت كذلك إلى حد كبير ، ومن هنا جاء اهتمامي بها.

وقد رأينا أن نخصص هذا الكتاب لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بعد أن تناولنا في كتاب سابق بعض جوانب من مسيرة حركة الإخوان في البلاد العربية. إن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر هو التنظيم الأكبر الذي ولد التنظيمات الإخوانية جميعها، ولقد كان المجتمع المصري هو المنطلق الذي توجهت منه الفكرة، وانفجرت فيه الحركة، حيث امتدت دوحتها ومدت فروعها وأغصانها خارج حدود مصر. وفضلا عن ذلك فإن مصر هي أعرق البلاد الإسلامية حضارة وأغناها رصيدا على كل صعيد.

وتنقسم مادة هذا الكتاب في سبعة فصول تتبعها خاتمة، حيث يصور الفصل الأول البيئة والأجواء التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر ، وذلك دون إسهاب أو تفصيل على اعتبار أن جمهور القراء سبق لهم أن درسوا- من خلال مناهج التعليم الرسمية- تاريخ تطور مصر في العصر الحديث. لذا ا كتفينا بمجرد التذكير بالملامح العامة، والخطوط العريضة، والمعالم البارزة. أما الفصل الثاني فقد خصص لتحديد المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين، مع تقديم لمحة مختصرة عن الأحداث والتطورات الرئيسية التي شهدتها كل مرحلة، بينما تناول الفصل الثالث المسار التنظيمي للحركة.

أما الفصل الرابع فيتيح للقارئ تتبع المسار السياسي للحركة في تعاملها مع مختلف القوى السياسية ابتداءا من المرحلة الأولى. فإذا وصلنا إلى الفصل الخامس فإن القارئ سيمر بمشاهد العنف الذي مارسته الحركة في ميدان العمل والتنافس السياسي الداخلي، وما ارتد عليها نتيجة لذلك. أما الفصل السادس فيتناول علاقة الإخوان بثورة 23 تموز ( يوليو ) 1952م، بينما نحاول في الفصل السابع أن نصطحب القراء في جولة للتعرف فيها على ذكر الإخوان المسلمين ، وكيف انساب من منابعه المتعددة، ثم من الروافد التي أمدته بالمزيد من العناصر والمكونات المتنوعة.

وفي الفصل الأخير من هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة نتعرف من خلالها على ما قدمته الحركة من عناصر إيجابية، وما أخفقت في تقديمه مما نعتقده لازما وضروريا لتنشيط دماء الحياة في جسد أمتنا الإسلامية، وتمكينها من النهوض، واستعادة احترامها لنفسها، والاعتماد على الذات، والمشاركة في مسيرة إعلاء مستوى الحياة البشرية، والمساهمة بالعناصر التي تفتقر إليها البشرية لتحمل الإنسان إلى مستوى الانسجام مع القيم والمبادئ التي أراها الله تعالى لعباده في جميع الأقطار ليحيوا حياة طيبة، تقوم على ركائز البر التقوى، والتعاون الخير. وفي نهاية الرحلة تركز الخاتمة على خلاصة الدراسة ونتائجها. وقد ضممنا إلى ملاحق البحث بعض الوثائق التي تدعم بعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، أو تلقي أضواء خاصة على بعض الموضوعات الشائكة التي تعرضنا لها.

أما عن مصادر البحث فقد حرصت على أن أستند إلى المصادر الإخوانية في كل ما يمثل وجهة نظر الإخوان المسلمين أو يصف أحوالهم في مسار تطور حركتهم. وكان أهم هذه المصادر كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، للإمام حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان ومرشدها الأول، وكذلك مجموعة الرسائل التي صدرت له في مناسبات مختلفة حيث ألقى بعضها على شكل خطب- في البداية- أو مقالات، أو رسائل موجهة إلى بعض كبار المسئولين الحكوميين. وقد طبعت الرسائل طبعات كثيرة وانتشرت انتشارا واسعا في كل البلاد العربية تقريبا.

وبجانب تراث مرشد الإخوان الأول هناك كتابات أصحابه وتلامذته المباشرين، وأبرز هؤلاء الأستاذ محمود عبد الحليم ، الذي كتب تاريخا لحركة الإخوان يقع في ثلاثة مجلدات في إطار مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ، حيث سجل المؤلف فيه مشاهداته وتجاربه ووجهات نظره وأحاسيسه من خلال تناوله للأحداث. وكان الأستاذ محمود عبد الحليم ممن اعتمد عليهم حسن البنا، - أي محمود عبد الحليم- الذي أسس النظام الخاص الذي عرف باسم الجهاز السري في مصطلحات الجهات الرسمية. وقد صدر كتابه بعنوان "الإخوان المسلمو: أحداث صنعت التاريخ".

أما الرائد صلاح شادي فقد كان من كبار الإخوان في عهد ولاية المرحوم حسن الهضيبي لمنصب الإرشاد. وكتابه "صفحات من التاريخ" يشكل أيضا مزيجا من المذكرات الشخصية والتأريخ للفترة التي عمل فيها مع الحركة . وكان هو والمرحوم حسن العشماوي من رجال الصف الأول في الحركة خاصة قبيل ثورة 23 يوليو وما بعدها.

وقد نشر المستشار حسن العشماوي قلب وفاته كتابا بعنوان: "قلب آخر لأجل الزعيم"، كما قامت أسرته بنشر مذكراته بعد وفاته في مجلة روز اليوسف المصرية، ثم سمحت بنشرها مرة ثانية في شكل كتاب اعتنى به صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، صاحب دار الفتح اللبنانية، بمبادرة منه، حيث اتصل بالأسرة لهذا الغرض ، كما أخبرني.

ومن الكتب المهمة المعبرة عن رأي الإخوان كتاب " الإخوان المسلمون في ميزان الحق" للدكتور فريد عبد الخالق، وهو من كبار وقدماء الإخوان، ومن تلاميذ البنا المباشرين ومعاونيه الأقربين الموثوقين. ولم أنس كتاب النقط فوق الحروف. لمؤلفه الأستاذ أحمد عادل كمال، وهو من أبرز قادة النظام الخاص" الجهاز السري" من مساعدي المرحوم عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في أعقاب الثورة المصرية لمؤلفه عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في "أعقاب الثورة المصرية" لمؤلفه عبد الرحمن الرافعي ، من زعماء الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم المصري المشهور مصطفى كامل، وكان الرافعي من المحامين المرموقين. ويبدو الرافعي في كتابه ملتزما بحيادية واضحة في تناوله لإنجازات الوزارات المختلفة، بحيث يحرص على ذكر المحاسن والمساوئ متتابعة.

وثمة مصدر آخر مهم استفدت منه إذ حصلت على عدد من الوثائق البريطانية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث مصورة عن أصولها المحفوظة لدى الأرشيف البريطاني public records office وهي تتضمن جانبا من الاتصالات البرقية بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية في لندن في فترة ما قبل منتصف العشرين، وقد وسمت تلك الرسائل عند إعدادها وتداولها بالسرية الشديدة في وقتها، والمراجع التي ذكرت، فقد قمت بعدد من المقابلات مع شخصيات إخوانية مهمة كان لها دور في الأحداث ، ومع شخصيتين من غير الإخوان ورد ذكرها بشأن بعض النقاط التي تناولتها.

ومع ذلك كله كانت حصيلة تجربتي الشخصية الطويلة مع الإخوان، فترة امتدت عشرين سنة ( 1952- 1962م).

لقد استهوتني فكرة الإخوان المسلمين فجذبتني غلى الالتحاق بهم عام 1952م ، وأثارت عاطفتي وحماستي شعارات ا لإخوان فرفعتها لي شعارا، وهزتني هتافات الإخوان فتبنيتها وهتفت بدعوتهم ودافعت عنها، وفكرت الليالي والأشهر والسنين الطوال في أقوم الطرق لنصرتها. وقد عملت – أثناء ذلك- مع التنظيم الفلسطيني للإخوان في قطاع غزة ، ثم مع التنظيم الفلسطيني العام عند إنشائه، ثم مع قيادة الإخوان في البلاد العربية التي اتصلت من خلالها بمعظم التنظيمات والقيادات في مختلف الأقطار.

وحين صدمت وشعرت بالإحباط إثر اكتشافي لعدد من مواطن الخلل القاتلة في بنية الجماعة وصدت محاولاتي للإصلاح من الداخل، أنهيت انتسابي للجماعة بشكل كلي. وبدلا من محاولات الإصلاح من الداخل لجأت إلى محاولة الإصلاح بعد أن خرجت من الصف، حيث اتجه تفكيري إلى القيام بمراجعة شاملة لفكر جماعة الإخوان وبنيتها ومساراتها، فكانت هذه الدراسة التي تناولت فيها نشأة وتطور الحركة في مصر على النحو الذي شرحت. وقد كانت النية متجهة إلى الجمع بين ما كتبته عن الإخوان في البلاد العربية- خارج مصر- وبين دراستي هذه عن الحركة في مصر لتصدر في كتاب واحد من جزأين إلا أن ظروفا خاصة حالت دون ذلك.

وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ويرزقنا السداد في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

عبد الله أبو عزة

تمهيد

تعرضت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي للغزو والاجتياح عندما اقتحم نابليون حدودها وامتهن حرمها سنة 1698م. ومنذئذ غدت مصر محط مطامع الدول الأوربية، خاصة فرنسا وبريطانيا. وقد ساعدت هذه المنافسة مصر على التخلص من الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات، حيث عادت إلى كنف الدول العثمانية، كما هو معروف.

وقد تهيأت الفرصة لمغامر ذي مطامع واسعة لكي ينشئ له في مصر ملكا يتخذ منه قاعدة ينطلق منها لتحقيق أحمه. وبعد أن أحرز محمد على باشا، والي مصر أكبر انتصاراته، وظن أنه قد شب عن كل الأطواق طوحت به مؤامرات الدول الاستعمارية التي فزعت من ظهور دولة إسلامية شابة قوية في قلب العالم الإسلامي، فعملت على قص أجنحة محمد على وتحطيم أسباب قوته، باسم المحافظة على الدولة العثمانية والدفاع عنها.

ولكن الأسس التي وضعها محمد على من أجل بناء دولة قوية لم تمح كلها، فساعدت على أن ينمو في أرض الكنانة قدر من الوعي مهد لنهضة متواضعة رفعت مصر قليلا من الناحيتين الثقافية والحضارية، عن مستوى بقية الأقطار العربية والإسلامية. وهكذا أصبح المجتمع المصري البيئة الأصلح لتلقي بذور التوعية التي بذرها جمال الدين الأفغاني، ذلك المصلح الإسلامي، الذي اختلفت حوله الآراء أشد الاختلاف.

ثم دهيت مصر بداهية الاحتلال البريطاني سنة 1882م، ومنذئذ أصبحت قضية طرد الاحتلال وجلاء قواته عن مصر الشغل الشاغل للقوى الوطنية المصرية. وقد صاحبت الاحتلال هجمة ثقافية طاغية هدفها سلخ الشعب المصري عن إسلامه وإلحاقه بحضارة الغرب. ومن هنا أخذت المقاومة طابعا ثنائيا عند قطاع من المصريين التي سنتناولها بشيء من الدراسة في هذا البحث. وقد سبقنا رجال أفاضل كتبوا عن تاريخ الحركة وتطورها بكثير من التفصيل. وما زالت كتبهم بأيدي القراء، مما يعفينا من محاولة التأريخ الشامل والاستقصاء المتفرع لنمو الحركة وتطورها. ويهمنا- بالدرجة الأولى- أن نفتش عن أسباب عجز الحركة وما لاقته من إخفاقات ـ مع عدم غمطها حقها فيما توصلت إليه من إنجازات، حسبما أشرت في المقدمة.

الفصل الأول

البيئة التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين

لا يستطيع القارئ أن يقدر أعمال الإخوان ويقوم أنشطتهم ومواقفهم إلا إذا استحضر في وعيه الظروف العامة التي عاشته مصر في الفترة التي ظهرت فيها جماعة الإخوان وزاولت نشاطها خلالها. ورغم تيقني من أن معظم القراء لديهم فكرة – ولو مجملة- عن أوضاع مصر في تلك الحقبة إلا أن من طبيعة البشر أن يميلوا إلى تقويم المواقف لا في ضوء ظروفها المحيطة بها بل على أساس الظروف التي يعيشونها في لحظتهم، لحظة القراءة، ولذا كان من المفيد أن نعيد إلى الأذهان صورة الأوضاع في مصر في الحقبة الممتدة بين سنتي ( 1928م- 1970م) ، لكي يكون فهمنا وتقديرنا للمواقف سليما وموضوعيا.

التسلط البريطاني

تمكنت بريطانيا من تثبيت احتلالها لمصر بين سنة الاحتلال ( 1882م) وسنة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد انتهزت فرصة اندلاع لحرب العالمية الأولى ومشاركة الدولة العثمانية فيها بجانب ألمانيا لكي تعلن – أي بريطانيا- الحماية على أرض الكنانة، وتلغي بذلك آخر خيط كان يربط مصر بالدولة العثمانية، وهو السيادة الاسمية. وقد سخرت كل مرافق مصر وإمكاناتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال فترة الحرب، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انفجرت ثورة الشعب المصري سنة 1919م. وقد حاولت بريطانيا أن تمتص المشاعر الثورية بإعطاء مصر استقلالا شكليا، فكان تصريح 28 شباط ( فبراير) 1922م الذي أصدرته الحكومة البريطانية، متضمنا النقاط التالية:

1- إلغاء الحماية البريطانية على مصر.
2- رفع الأحكام العرفية شريطة أن تضع الحكومة المصرية القوانين البديلة المناسبة.
3- التحفظات الأربعة، وهي استثناءات من مقومات السيادة والاستقلال، أوضحت بريطانيا أنها ستبقيها على حالها قبل الإعلان ، وهي:
  1. - تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر.
  2. - الدفاع عن مصر، وذلك يعني أن يبقى الدفاع عن مصر بيد بريطانيا، أي أنه كان دفاعا عن مصالحها بالدرجة الأولى وليس دفاعا عن مصر.
  3. - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.

ومن الواضح أن هذه الاستثناءات أو التحفظات الأربعة، قد فرغت الاستقلال من أي محتوى حقيقي، وأدرك شعب مصر ذلك، وظهر صدى هذا الإدراك في البيان الذي أصدره الحزب الوطني المصري مبينا رأيه في مقاصد الحكومة الإنجليزية بالنسبة لمصر. ولم يكن التصريح البريطاني أكثر من وسيلة انكليزية جديدة هدفها إيهام المصريين وحملهم على اعتبار مركز بريطانيا في بلادهم شرعيا، وبذلك تتمكن انكلترا من وضع وتوظيف القواعد لتنظيم الحماية غير المشروعة تحت ستار الاعتراف باستقلال مصر وإعلان انتهاء الحماية:. غير أن الاستقلال المزعوم وإنهاء الحماية لم تكن في الحقيقة أكثر من أوهام صنعها الإنجليز مخادعة ومماطلة منهم للشعب المصري.

وعلى الرغم من أن التصريح كان استجابة لشروط ثروت باشا التي اشترطها لقبول تأليف الوزارة فإنه لم يحظ بموافقة الأحزاب السياسية في مصر، واستمر التوتر وتفاقمت الهجمات والاغتيالات ضد الإنجليز والمتعاونين معهم، والمتهمين بالتعاون. ومع ذلك فقد قبل ثروت باشا تشكيل الوزارة واتخذ إجراءات لوضع دستور البلاد، صدر في التاسع عشر من نيسان (أبريل) 1923م. وبذلك وضعت الحياة السياسية في إطار دستوري ديمقراطي من الناحية النظرية، وصارت القيم الدستورية والديمقراطية معيارا يرجع إليه العاملون في السياسة والمتحدثون بها في الحكم على الأحداث والمواقف وتقويمها.

والحق أن هذا الدستور لم ينشأ من فراغ، ولم تطرح فكرته لمجرد وجود الهيمنة البريطانية على مصر، بل أن فكرة الدستور استندت إلى جذور راسخة في عقول وقلوب الفئات المثقفة والمتعلمة وذات الوعي السياسي والتطلع السياسي في قمة المجتمع المصري في العقود الأولى من القرن العشرين.

ولا مراء غي أن منشأها يرجع غلى القرن التاسع عشر، منذ اتجاه محمد على إلى إنشاء دولة قوية، وما استلزمه ذلك الطموح من احتكاك بأوربا، وما تتبع ذلك من تطورات في عهد خلفائه، خاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وكانت الشريحة العليا في المجتمع المصري منذئذ هي الأكثر نضجا بالنسبة لمثيلاتها في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى.

ورغم صدور دستور سنة 1923م وعودة سعد زغلول وغيره من الزعماء السياسيين من منفاهم في سيشل ظلت البلاد تعاني من ويلات الاحتلال واعتداء سلطاته على كرامة وحقوق الشعب المصري. ففضلا عن إقدام هذه السلطات على تعطيل الصحف واعتقال الزعماء الوطنيين ومحاكمتهم، فقد اتخذ اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني في مصر، قرارا بتعيين محافظ عسكري بريطاني لمدينة القاهرة. وكان الجنود البريطانيون يتمركزون في القلعة بوسط العاصمة، زيادة على وجود مراكز وقواعد عسكرية بريطانية في مناطق متعددة من الأراضي المصرية.

وقد سيطر البريطانيون على الاقتصاد والشئون المالية في مصر عن طريق فرض مستشار مالي بريطاني لوزارة المالية المصرية، كما حرصوا على إبقاء سيطرتهم على القضاء والمحاكم عن طريق المستشار القضائي الإنجليزي في وزارة الحقانية، وفوق ذلك كله سيطرة الضباط البريطانيين على أهم المراكز القيادية في الجيش المصري. فلا عجب، والحالة هذه، أن يظل التوتر مخيما على أجواء الحياة السياسية في مصر.

وقد بلغ التوتر ذروته إثر اغتيال الضابط البريطاني السير لي ستاك باشا، المشرف على الجيش المصري في السودان والذي كان – في الوقت نفسه- حاكما عاما للسودان، حيث أطلقت عليه النار في أحد شوارع القاهرة يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1924م بينما كان عائدا من مكتبه بوزارة الحربية المصرية إلى بيته في حي الزمالك. وعلى أثر ذلك توجه اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني، في مظاهرة عسكرية إلى مقر رئاسة الوزارة المصرية، ووجه إنذارا مكتوبا سلمه إلى رئيس الوزراء سعد زغلول باشا، يتضمن عدة مطالب ابتزازية منها:

1- أن تدفع الحكومة المصرية غرامة مقدارها نصف مليون جنيه.
2- أن تسحب الجيش المصري من السودان.
3- أن تطلق يد حكومة السودان الإنجليزية في التوسع في الري على حساب كمية المياه التي تصل مصر، الأمر الذي يعني الإضرار بزراعتها، وذلك لحساب الشركات الإنجليزية التي كانت تتولى احتكار المشروعات الزراعية في السودان.

واستقالت حكومة سعد وجاءت حكومة زيور باشا التي سلمت بالمطالب البريطانية، ومارست حكما غير دستوري وغير مسئول حسب وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي. وقد ضعفت الروح الوطنية، وأخذ كثيرون من الزعماء المصريين يتهافتون على المندوب السامي. بيد أن الأحزاب المصرية استطاعت أن ترتفع فوق خلافاتها وتوحد جهودها خلال سنتي 1925م و 1926م، وواصلت ضغطها ونضالها حتى أعيدت الحياة النيابية والدستورية.

وعندما طلبت لجنة فرعية بمجلس النواب تحسين مستوى تدريب الجيش المصري وإبعاد المفتش العام للجيش اسبنكس (باشا وكان بريطانيا) من مجلس الجيش سنة 1926م قابلت بريطانيا هذا الموقف بتعسف شديد، وأصرت على أن يعين ضابط بريطاني آخر مساعدا للمفتش العام، وأن تكون مصلحة الحدود تحت إشراف المفتش العام البريطاني أو نائبه، وأن تظل المراكز التي يشغلها ضباط بريطانيون في المصالح التابعة لوزارة الحربية دون تغيير. واضطرت الحكومة المصرية إلى مد خدمة سبنكس باشا، ومنحته رتبة فريق، وعينت له وكيلا بريطانيا. وعينت ضباطا بريطانيين في الجيش المصري، وذلك قبيل ولادة حركة الإخوان المسلمين في مصر بأشهر قليلة.

وفي ظل الاحتلال نشطت الهيئات التبشيرية المسيحية في عملها الهادف إلى تحويل من تستطيع من المصريين المسلمين إلى المسيحية وتحويل المسيحيين المصريين إلى المذهب البرتستنتيـ أو الكاثوليكي.

مولد حركة الإخوان المسلمين=

في ظل هذه الظروف كان مولد حركة الإخوان المسلمين سنة 1928م. وفي المرحلة الأولى من نشأة الجماعة جرت المفاوضات بين مصر وبريطانيا من أجل وضع علاقات الطرفين في إطار جديد. وكان هدف المصريين تحرير بلادهم من نير الاحتلال والتسلط البريطاني وتحقيق استقلالهم الوطني. لكن المعاهدة التي تم التوصل إليها سنة 1936م لم تحقق لمصر سوى فوائد هامشية بينما أعطت الصفة الشرعية للوجود والتسلط البريطاني . وكان الغرض منها- بالنسبة لبريطانيا- هو أن " تقرر استقلال مصر وتنيل بريطانيا العظمى كل التأمينات والضمانات التي تراد من الحماية...".

وقد حددت المعاهدة عدد القوات البريطانية في مصر في وقت السلم بعشرة آلاف جندي من القوات البرية، وأربعمائة من رجال السلاح الجوي. وفرضت المعاهدة على مصر أن تبني ثكنات الجنود البريطانيين بالمستوى الرفيع الذي تحدده بريطانيا وأن تزودها بالمرافق والحدائق وتبني لها الطرق المعبدة ، فضلا عن إنشاء طرق حربية بالمواصفات التي تحددها بريطانيا بين بور سعيد والإسماعيلية والإسكندرية ثم بين القنال والقاهرة وبين القاهرة والإسكندرية مرسي مطروح قرب الحدود الليبية وطرقا أخرى للنيل إلى قنا وقوص، ومن قوص غلى القصير ومن قنا إلى الغردقة، أي أن توفر طرق المواصلات بين المناطق التي حددتها المعاهدة لتمركز القوات البريطانية، بما فيها القاهرة والجيزة ومنطقة قناة السويس وكل سيناء.

وبجانب ذلك كان على مصر أن تنشئ المطارات الصالحة والموانئ التي تحتاجها القوات البريطانية. وقد أباحت المعاهدة كذلك بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية ثماني سنوات. كل ذلك في وقت السلم، أما في وقت الحرب أو خطر الحرب، فإن كل القيود التي تحد من تحرك بريطانيا وعدد قواتها تصبح لاغية.

وكما نعرف جميعا فإن نذر الحرب كانت تلوح في الأفق عندما تم التوقيع على معاهدة 1936م، وما لبثت الحرب أن انفجرت سنة 1939م، وبذا أصبحت مصر كلها قاعدة للقوات البريطانية، وأصبحت كل إمكاناتها مسخرة لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال سنوات الحرب (1939- 1945م) كما أخضع الشعب المصري للأحكام العرفية الصارمة.

تنصيب الملك فاروق