"قضية قلاش".. الصحافة بين حرية مرسي وإرهاب السيسي
(19/11/2016)
كتب: سيد توكل
مقدمة
عند الفشل يجيد العسكر تفجير قنابل الغاز التي تحجب رؤية مشهد الخراب العام، من ضمن هذه القنابل ما قضت به محكمة جنح قصر النيل، اليوم السبت، برئاسة المستشار وائل خضر، بالحبس سنتتين وكفالة 10 آلاف جنيه على نقيب الصحفيين يحيى قلاش، ووكيل النقابة جمال عبد الرحيم، ورئيس لجنة الحريات خالد البلشي، بتهمة نشر أخبار كاذبة وإيواء مطلوبين أمنيًّا داخل مقر النقابة.
الأزمة التي يفتعلها الانقلاب الحاكم مع نقابة الصحفيين، وجماعة الصحفيين بشكل عام، ليست وليدة هذا الموقف، وإنما ذروة من ذرى مسلسل أزمات العسكر المستمرة، منذ أن وضح أن النقابة تتحول إلى بؤرة خارج سيطرة العسكر. وتدعم نقابة الصحفيين النشاط الاحتجاجي في مصر، بشكل شديد الكفاءة والفاعلية، وتقدم إسنادًا إعلاميًّا وجماهيريًّا وحقوقيًّا ضخمًا يكسب هذا النشاط الزخم الذي ظهر بعضه في مشهد النقابة الفريد من نوعه، في جمعة "الأرض هي العرض"، يوم 15 أبريل الماضي.
وقيام النقابة بالمطالبة بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين منذ الانقلاب، والسماح بفعاليات حقوقية وإنسانية مثل مآسي المعتقلين وأسرهم، من أنصار الشرعية، في سجون العسكر.
حرية الإعلام في عهد مرسي
شهدت فترة حكم الرئيس الشرعي محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد، أزهى عصور حرية الصحافة في تاريخ مصر، حسب معارضين له.
ففي تقرير نشرته صحيفة "الأهرام" في مطلع أبريل 2013، قال عمرو موسي، أحد معارضي مرسي، إننا "لا ننكر أو نتجاهل أنه توجد مساحات حرية كبيرة بالإعلام، فالرئيس والحكومة يتم انتقادهما في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بالإضافة للفيسبوك وتويتر، ومن غير الموضوعية القول إنه لا توجد حرية تعبير بالشارع فالمظاهرات تنطلق في كل أرجاء مصر، والكل يعبر عن رأيه بحرية".
كما نقل التقرير عن الكاتب الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، وهو أحد معارضي مرسي أيضاً، نفيه ما يتردد عن تقييد حرية الإعلام والإعلاميين في عهد مرسي.
وقال هيكل:
- "مصر تعيش الآن أزهى عصور حرية الإعلام والصحافة بعهد الرئيس محمد مرسي؛ فالرئيس يُنتقد بشكل عنيف كل يوم بالفضائيات، وهو ما لم نعتده بعصور سابقة".
وكان مقر نقابة الصحفيين إبان عهد مرسي مقراً رئيسياً لاحتجاجات معارضة له، كما شهد تدشين حركة "تمرد"، التي دعت لعزله في ذكري مرور عام على حكمه.
نقطة تصعيدية
يرفض نظام الانقلاب الحاكم أن تستضيف النقابة ولو بشكل غير رسمي أسر المعتقلين، في ظل قيود مشددة تفرضها الداخلية على زيارات المعتقلين، وهو أمر مزعج للغاية بالنسبة للنظام العسكري. ويخشى نظام الانقلاب الحاكم من أي احتجاجات في مصر حاليًا، تصب في صالح "الشرعية" التي أطيح بها في 30 يونيو 2013، وان تردد شعارات في بهو النقابة مثل "يسقط يسقط حكم العسكر"، و"الشعب يريد إسقاط النظام".
وبرأي خبراء لا توجد أية مشكلة للانقلاب الحاكم في الوقت الراهن، لأن يجعل رئيس حكومة الانقلاب نفسه، شريف إسماعيل يجلس مع الصحفيين لبحث "أزمة النقابة"، بشرط إخلاء النقابة من أي نشاط يفضح فشل الجنرال قائد الانقلاب.
ويقصد نظام الانقلاب بطبيعة الحال، خلق حالة من الفوبيا بين نقابة الصحفيين وبين ثورة 25 يناير، وعزل النقابة والصحفيين عموماً عن أية احتجاجات ذات طابع مؤيد لشرعية الرئيس المنتخب محمد مرسي، والقضاء على أهم خطر يهدده وهو الاصطفاف الوطني وتوحُّد جبهة الجماعة الثورية المصرية.
الحقوق لا تنطبق على مصر!
في لقائه بالرئيس الفرنسي قال قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي جملة لافتة للغاية، عندما تم فتح هذا ملف حقوق الإنسان في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع هولاند، وفحواها أن المعايير الغربية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني لا تنطبق على مصر!
ويلعب الانقلاب الحاكم بورقة "القانون" بشكل فاضح، وعندما وضح دور النقابة في أحداث جمعة الأرض، بدأ تنفيذ خطة احتواء النقابة، وإفراغها من أهم محتويات أدوارها، وهو رعايتها لنشطاء وشخصيات "غير نقابية" مثل أسر المعتقلين، ومثل بدر والسقا.
ويتمسك العسكر بالجانب القانوني المؤسس لنقابة الصحفيين، من أنها في النهاية، ووفق القانون المنشئ لها (القانون رقم 76 لسنة 1970) فهي كيان نقابي يخص أصحابه، ويعبر عنهم وعن مصالحهم أمام السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة، ولكنه لا يخص غيرهم، كما لا يجوز له أن يقوم بأي نشاط سياسي.
أما ما ترسخ على مرّ سنواتها من دفاعها عن الحقوق والحريات، إنما هو بعين رضا الأنظمة والحكومات المتعاقبة، أو حتى بغضاضةٍ منها، لاعتبارات هي مجبرة عليها، مثل تجميل صورة العسكر أو حرصًا على مصالح سياسية.
ويعد من أهم أهداف نظام الانقلاب من وراء نقيب الصحفيين يحيى قلاش، وسكرتير عام مجلس النقابة جمال عبد الرحيم، ووكيل مجلس النقابة خالد البلشي، هو تحديد النقابة بحدود عضويتها، وتحديد نشاطها بحدود القانون الخاص بها، وهو أمر شديد الأهمية بالنسبة للانقلاب الحاكم، في ظل تحول النقابة إلى "ملاذ آمن" للمصريين في وجه الانقلاب العسكري.
هل يتم سجن النقيب فعلا؟
لا أحد يتوقع خطوات الانقلاب الحاكم ليس لذكائه وإنما لرعونته وحمقه معاً، إلا انه قد يضطر إلى تهدئة وامتصاص غضب الصحفيين ويمتنع عن تنفيذ قرار الحبس، خصوصًا أن مجلس النقابة والنقيب يحيى قلاش على "علاقة طيبة بالحكومة والنظام"!
أضف إلى تلك العلاقة الطيبة أن نصف أعضاء النقابة من مؤسسة "الأهرام" الصحفية نفسها، وهي مؤسسة قومية، تخضع لقبضة العسكر في كل شيء، بما في ذلك التعيينات والتمويل. ويرى مراقبون أن الانقلاب الحاكم له أسلوب في التعاطي مع هذه الأزمات، يعتمد على تفرقة الحشد، والاجتماع بأطراف الأزمة، والاستعانة ببعض "الأصدقاء" في النقابات، من أجل تنفيس الغضب الذي في الصدور وتهدئة الموقف، تمامًا كما جرى مع احتجاجات الأطباء بسبب اعتداء أمناء الشرطة على بعضهم في مستشفى المطرية العام.
ويخشى المراقبون من إقدام الانقلاب الحاكم إلى فرض الحراسة على نقابة الصحفيين تحت مبرر مخالفتها القانون، لا سيما أن "شاكوش" القضاء في يد قائد الانقلاب، ويمكنه بموجب تأميم النقابة التي تعتبر ثقب الإبرة التي يتنفس من خلالها المصريون.
المصدر
- تقرير: "قضية قلاش".. الصحافة بين حرية مرسي وإرهاب السيسي موقع بوابة الحرية والعدالة