الإخوان وحقيقة مبايعة الملك فاروق عام 1937
مقدمة
كالعادة سلطت السهام على حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين حول مواقفها من بعض القضايا التي انطلقت فيها من فهمها للواقع وتبنيها المنهج الإسلامي الذي ما زال يغيظ المطالبين بتغيب المنهج الإسلامي وقصره على جوانب العبادة والمساجد فحسب أو من خلال أضرحة الأولياء وغيرها.
بل إن كثير من هذه الأسهم ربما كتب (بل وبالغت) لمجرد أنها تخدم التوجه القائم بعد انقلاب 3 يوليو 2013 خاصة التوجه الإماراتي الذي يغدق على هؤلاء بالأموال التي لا حدود لها ويخشى كلا منهم أن يفقد هذه الجوهرة المكنونة التي تفيض عليه بالمال.
وهناك البعض من يكتب بدافع كره منهج الإخوان سواء لموقف شخصي أو لايديولوجية منهاضة لفكر الإخوان والمنهج الإسلامي في الوقت الحالي. وهناك أخرين كتبوا حسب فهمهم وما وصل إليهم من معلومات، وحسب تصوراتهم الواقعية دون أن يتعايشوا ما عاشه الإخوان المسلمين والروح التي تجمعهم وتدفعهم للتضحية في سبيل مبادئهم.
وهناك أخرين كتبوا نقدا بناء وتعليقا على بعض مواقف الإخوان سواء الإيجاب أو السلب في سبيل البحث العلمي وأن يصلح الإخوان (خاصة من بعد البنا) مواقفهم وبعض تصرفاتهم التي لم تتوافق مع رؤية من كتب لكنه عذرهم لأنهم كانوا في زمن غير الزمن الذي عاش فيه ولم تضح الرؤيا لهم كما اتضحت له جلية.
فحسن البنا لم يكن رسولا ولا نبيا أو معصوما من الخطأ (كما يحاول البعض فرض هذه الرؤية عليه) لكنه رجلا عاديا وهبه الله العديد من الملكات التي استفاد منها في خدمة دينه وضحى بنفسه في عمر الشاب من أجلها، وكان لديه القدرة أن يستفاد منها كغيره في الثراء والمجد والعيش في القصور، لكنه فضل أن يكون جنديا لدين الله الذي حاول الاستعمار وأذنابه من بعده أن يطمس هويته ويغيب وعي الناس عنه.
الغريب أن هؤلاء الكتاب يشعرون أنفسهم أنهم أفضل الناس وأنهم المجددون وأن أتباع وإخوان حسن البنا مغيبون، وكأن هؤلاء القامات الكبيرة التي لم يمتلكها سواء حزب سياسي أو هيئة أو جمعية غُيبت عقولهم وطمست على قلوبهم لتبنيهم فكر ومنهج حسن البنا والإخوان المسلمين.
فهل هؤلاء أتوا ما لم يؤت أحد غيرهم من العلم أم أن قلوبهم قد طمست، وعقولهم قد غيبت سواء لنظام أو أيديولوجية أو مصلحة.
الملك فاروق ملكا للبلاد
منذ تولى محمد علي باشا السلطة في مصر عام 1805م بعد خروج الفرنسيين من مصر وقد فرض نظام الوصاية على الدولة المصرية، وجعل الملك في ذريته من بعده، وأقره عليها علماء الأزهر وشعبها، بل وأقرها الاستعمار الغربي في معاهدة لندن 1940م
والتي نصت في بندها الأول (أن يخول محمد علي وخلفاؤه حكم مصر الوراثي، ويكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سورية المعروفة بولاية عكا (فلسطين) بما فيها مدينة عكا ذاتها وقلعتها)، وبالفعل أصبحت مصر مملكة لأولاد محمد علي من بعده.
حتى حينما سيطرت بريطانيا على مصر بعد معركة التل الكبير (التي ظهرت فيها خيانة كثير ممن نتغنى بوطنيتهم الآن) في سبتمبر 1882م حيث دخلت بريطانيا للقاهرة، وحاكمت عرابي وأنصاره بالإعدام قبل أن يعدل الحكم للنفي ومصادرة الأموال، في وقت صمت الجميع.
ظلت مصر يتعاقبها أبناء محمد علي في الحكم حيث شهدت كل فترة أحداث جسام لكن كان المتحكم في تعين الخديوي أو الملك هو المستعمر البريطاني ومن كان يختلف في سياستهم يعزلوه وينفوه مثلما فعلوا في الخديوي عباس حلمى الثانى في 19 ديسمبر 1914م، بل وطلبوا منه عدم العودة ونصبوا عمه حسين كامل سلطانًا على مصر بدلًا من أن يكون خديوي، وفرضوا على مصر الحماية رسميًا.
خلفه السلطان فؤاد عام 1917م والذي غير لقبه عام 1922 إلى ملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور، حيث ظل ملكا إلى توفى في 28 أبريل 1936م ليخلفه ابنه القاصر فاروق في 6 مايو 1936م تحت الوصاية الملكية إلى أن بلغ سن الرشد ويصبح ملكا منفردا لحكم البلاد في 29 يوليو 1937م، ويظل كذلك إلى أن تتغير الظروف العالمية وتختفى قوى عالمية لتظهر أخرى، ويستطيع الشعب المصري بمعاونة الجيش الإطاحة بفاروق أخر ملوك أسرة محمد علي في 26 يوليو 1952م. (1)
لقد كان حكم فاروق ومن قبله أسرة محمد علي وفق الموروث في الحكم والقانون ولم يعترض عليه أحد، وكان جميع القوى والطوائف راضيه عنه. فلماذا يحاول بعض كتاب السلطة والانقلاب الإخوان أنهم بايعوا الملك فاروق (وإن كان ما فعله الإخوان بيعة لملك البلاد وفق منهج الشرع فلما حاد قاوموه وشاركوا في خلعه ونفيه) وإن كان الإخوان يريدون بيعة فلماذا لم يبايعوا الملك فؤاد من قبل كباقي الأحزاب.
يوم تنصيب فاروق ملكا
ولد فاروق يوم 11 فبراير سنة 1920م وحرص والده على إحاطته بالرعاية لكونه الولد الوحيد له، وحينما سافر إلى بريطانيا لاستكمال تعليمه أوفد معه أحمد حسنين باشا وعزيز المصري باشا لرعايته والاهتمام به.
وحينما مات الملك فؤاد في 28 أبريل 1936م عاد فاروق إلى مصر في ٦ مايو سنة 1936، ولكونه لم يبلغ بعد السن القانونية تم تشكيل مجلس وصاية استمرت وصايته نحو عام وثلاثة أشهر. وظل كذلك حتى تولى العرش رسميا في 29 يوليو 1937م.
كان يوم تنصيب فاروق ملكا يوما مشهودا في مصر حيث شارك فيه جموع الشعب المصري وحضره وفود من الخارج
وقد وصفه الدكتور حسين حسني باشا السكرتير الخاص للملك فاروق فيقول:
- "ولقد كانت حفلات تولية الملك عيدا بل مهرجانا متواصلا لم تر البلاد له مثيلا من قبل ولم يسبق أن زخرت العاصمة بمثل ما احتشد فيها خلالها من جموع الوافدين إليها من أقصى أنحاء البلاد ومن الخارج للمشاركة في الاحتفاء بالملك الشاب أو لمجرد رؤية موكبه للذهاب إلى البرلمان ولتأدية الصلاة أو لحضور العرض العسكري أو لاجتلاء الزينات التي أقيمت في الشوارع والميادين وعلى المباني العامة والخاصة
- كما شهد القصر فيها ما لم يشهده من قبل من ازدحام فاضت به جوانبه وجوانب السرادق الكبير الذي أقيم في ساحته لاستقبال المهنئين يوم التشريفات التي امتدت ساعتين أطول مما كان مقدرا لها، وظل الملك خلالها واقفا على قدميه لمصافحة كل فرد من المهنئين مما جعله يطلب فترة قصيرة للراحة
- وفضلا عن ذلك فإن ممثلي تلك الجموع من مختلف الفئات والهيئات دعوا إلى حفلة الشاي التي أقيمت بحديقة القصر في آخر أيام الحفلات، وأخذ الملك يتنقل بين الموائد المختلفة لتحية المدعوين قبل أن يأخذ مكانه على المائدة الكبرى وسطهم، وقد كان سعيدا كل السعادة بما تم على يده من فتح جديد في تقاليد القصر وما كان يحوطه به الشعب من مظاهر وتجاوب معه". (2)
ويذكر الدكتور أسامة حمدي أن أن مجلة "لايف" الأمريكية خصصت عددها الصادر بتاريخ 9 أغسطس 1937 للتناول والتعليق على حفل تنصيب الملك فاروق. حيث يقول محرر مجلة "لايف" في القاهرة: منذ أسبوعين عاد الملك فاروق الأول إلي القاهرة كي يتوج رسميا ملكا في احتفال لم يسبق له مثيل ولم يعهده أحد.
وقام صاحب الجلالة بأداء القسم على القرآن الكريم، بحضور وزير من الولايات المتحدة الأمريكية يدعى "برت فيش"، ويجلس في مقصورة الدبلوماسيين. "أتعهد أمام الله العلي القدير اني سألتزم بالدستور والقانون، وأحافظ على استقلال البلاد وسلامة أراضيها".
وفي اليوم التالي، ورغم استمرار حرارة القاهرة التي لا تطاق، اتجه الملك فاروق إلي الأحياء شديدة الفقر، وسط تهليل الناس بهدف الصلاة في المسجد الذي يرقد فيه والده، وفي اليوم الثالث عدلت حكومة صاحب الجلالة البرنامج، وبكرت بزيارة المشير الملك عدة ساعات حتي يتسني لجلالته تفقد الجيش المصري في الساعات الأقل حرارة عقب الفجر مباشرة.
وقد نصبت الحكومة مكبرات صوت في الميادين العامة لكبري المدن المصرية، ليتسني للناس سماع صاحب الجلالة للمرة الأولى: "أهب نفسي خادما مخلصا لبلدي، وأسدي الشكر إليكم جميعا أنتم شعب مصر، وإلي كل الأجانب على ما أبديتموه من إخلاص حيال والدي وحيالي" (3)
لقد شاركت كل فئات الشعب في حفل تتويج الملك ولم يتخلف عن تلك الاحتفالات هيئة أو حزب، وإذا طالعنا الصحف المصرية وجدنا أن كل الهيئات قد احتفلت بذلك.
فقد نشرت جريدة الأهرام مظاهر الاحتفال تحت العناوين الآتية: "ابتهاج البلاد بتولية الملك"، "ابتهاج الهيئات والجماعات بتولية جلالة الملك فاروق الأول"، "اجتماع كبير في الجامع الأزهر"، "ألوف العلماء والطلاب الأزهريين يتوجهون إلى الله بالدعاء للمليك"، "كلمة لفضيلة الأستاذ الأكبر"، كما نشرت تحت عنوان "الابتهاج بتولية الملك في المدن والأقاليم" مظاهر ذلك الاحتفال في كل إقليم من أقاليم مصر. (4)
وقد نشرت جريدة الجهاد هذه العناوين: "ابتهاج الشعب بتولية مليكه"، "برقيات من الهيئات والأفراد والجماعات"، كما نشرت أن جلالة الملك سيستعرض قوات الجيش المصري في ميدان الرصدخانة صباح اليوم وهو راكب جواده في أكبر عرض عسكري مصري في التاريخ الحديث، وأن عشرات الألوف من المدعوين وغيرهم سيشهدون هذا العرض. (5)
وفي جريدة المقطم تحت عنوان: "احتفالات الأمة بعيد جلالة الملك"، حيث ذكرت أسماء جميع الجمعيات والأحزاب التي أرسلت برقيات وشاركت في الاحتفال ابتهاجًا بتولية الملك، ويتضح منها أنه لا يوجد جماعة أو إقليم في مصر إلا وقد احتفل بتولية الملك فاروق عرش مصر. (6)
وكذلك جاءت عناوين جريدة المصري:
- "الاحتفال التاريخي العظيم بتولي الملك سلطته الدستورية"، "أمة في مدينة – احتفال الشعب بمليكه احتفالاً رائعًا – تحية الملك للملكة الوالدة" الاحتفال في المفوضية المصرية"، "أولى حفلات التشريفات". (7)
مما سبق يتضح أن مصر كلها كانت تحتفل بتنصيب الملك الشاب، ولم يكن الإخوان وحدهم من خرجوا للإحتفال بالتنصيب.
لمذا شارك الإخوان في حفل تنصيب الملك؟
شارك الإخوان في حفل تنصيب الملك فاروق مثلهم مثل طوائف الشعب كلهم، وخرجت جوالتهم بأعلامها وزيها المميز مشاركة في هذا الاحتفال أيضا.
كان فاروق ما يزال شابا صغيرا لا يعرف عن أمور الحكم شيء، ولم يظهر منه عنت أو اضطهاد لشعبه، بل كان يتعهد الفريق عزيز المصري أثناء استكمال تعليمه في بريطانيا، بالإضافة أن شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغي يتعهده بالتربية مما جعله في بداية حكمه يرتاد المساجد ويعطف على الفقراء، ويبسط لهم موائد الطعام، حتى استبشر البعض به خيرا في بداية حكمه قبل أن يتحول بعد حصار الانجليز له في 4 فبراير 1942م وإجباره على تكليف النحاس باشا بالوزارة.
والإخوان واضحون تمام بالعمل وفق دينهم والنصح لأولي الأمر حتى ولو كان الملك، فلم ترهبهم مكانة الملك عن تقديم النصيحة لله ولرسوله
وهو المعني الذي كتبه الإمام البنا بقوله:
- جلالة الملك هو حاكم البلاد الشرعى، وهو - والحمد لله - ومن جميل توفيقه يؤدى الفرائض، ويعمل على ما فيه إعزاز الإسلام والمسلمين، فموقف الإخوان من السراى موقف الولاء والحب، ومكتب الإرشاد العام يصدر عن هذه الفكرة، ويعمل على توثيق الرابطة، وإفهام رجال السراى هذه الحقيقة، ولا يمنع ذلك من توجيه النصيحة الواجبة، وإعلان كلمة الحق إذ لاحظ المكتب ما يدعو إلى ذلك، فالدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. (7)
لقد كان الملك فاروق حريصًا في بداية توليه الحكم التقرب من أفراد الشعب وحاول الظهور في صورة الملك المحافظ على دينه الشفوق على رعيته، ولكي يؤكد هذه المعاني عمد إلى بعض مخصصاته فتبرع بها للفقراء، وكان دائمًا ما يهنئ شعبه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، بل إنه أصدر قرارًا بالاحتفال بالهجرة النبوية وجعل هذا اليوم من الأعياد الرسمية مما كان له أبلغ الأثر في نفوس الناس تجاه القصر. (8)
وأخذ الملك يتقرب للطلبة فأمر بإعداد مآدب الإفطار لهم في رمضان وأقامها في القصر، كما اهتم بالشباب وذلك عن طريق تشجيع الرياضة وحضور حفلاتها وتوزيع الجوائز على المتفوقين فيها، كما تقرب -أيضًا- للعمال بزيارتهم في مصانعهم ودعوتهم على الإفطار في رمضان.
ولم يقتصر الأمر على الطلبة والشباب والعمال فحسب، بل وصل الأمر للفلاحين، حيث اهتم بأحوالهم وأمر بتخفيض إيجارات أرضه على صغار المستأجرين. كما ترك الملك الاحتفال بعيد ميلاده وسارع لزيارة المنكوبين في الوجه القبلي عندما اجتاحه وباء الملاريا، وقدم لهم المؤن والملابس. (9)
وكان الملك يلازم في هذا الوقت الشيخ المراغي، بل وكان يحرص على صلوات الجمع في مساجد مختلفة، ومن ثم كان موضع آمال الشعب واحترامه؛ لأن سيرته مرضية ومسلكه غير شائن. كان موقف الإخوان منطلقا من هذه التصرفات، حيث كان الملك محافظا على أمور دينه وهذه أمور جعلت الإخوان يستبشرون فيه خيرا، حيث أن الإخوان يثنون على من يفعل الخير ويطيع الله، وينصحون لمن حاد عن شرع الله حتى ولو كان ملك البلاد.
لم يكن المشاركة في الاحتفال بيعة عامة من الإخوان
لم يرفض الإخوان الملكية كنظام حكم في تلك الفترة ولكنهم كانوا يرون أن يكون الملك بالاختيار والمبايعة لا الوراثة.
كما لم تكن مبايعة الإخوان للملك فاروق إلا على ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه إن التزم بها، أما إن حاد قام الإخوان بالنصح والإرشاد بالحسنى، وحينما لم تُجدي النصيحة في أخر أيامه شاركوا في الثورة عليه حتى عزلوه وكان ضباط الإخوان (أمثال عبدالمنعم عبدالرؤوف) على رأس القوات التي حاصرت قصر رأس التين بالإسكندرية يوم 26 يوليو 1952.
وبالرغم من هذا فالإخوان لم يضنوا يومًا عن تقديم النصيحة له، والكتابة إليه لتبصيره بالفساد الذي ينتشر في المجتمع -آنذاك- ليعذروا أمام الله، ومن هذا القبيل أن وفدًا من الإخوان قصد السراي الملكية -وكان على رأسهم المرشد العام – وقدموا عريضة للملك يطالبون فيها بإلغاء البغاء الرسمي والسري، وتحريم الخمر، ومحاربة السفور والإباحية، كما طالبوا بتحريم المقامرة، وسن قانون يمنع الربا، كما طالبوا بالعناية بالتعليم والمساجد. (10)
ولم يقف نصح الإخوان للملك عند الأمور العامة فحسب، بل كتبوا في مجلة "النذير" تحت عنوان: "حول المصاهرة الملكية" يقولون: من المسئول عن هذا العبث، وذكروا فيها ما حدث في حفل خطبة الأميرة فوزية من انتهاك للمحرمات، واجتراء على حدود الله، وخروج على الآداب الإسلامية مما يتنافى مع أخلاقيات الإسلام، وطالبوا بالتحقيق لمعرفة المسئولين عن هذا العبث. (11)
وفي المؤتمر السادس للإخوان المسلمين - والذي عقد في عام 1941م بدار الإخوان المسلمين بالحلمية - رفع الإخوان مذكرة للملك طالبوا فيها بالإصلاح، وتغيير الأوضاع السياسية، والقضاء على الربا، وإصلاح التعليم، وعلى أن يكون هذا الإصلاح في تشريع صالح، وعلى يد منقذ غيور. (12)
كيف كانت مشاركتهم في التنصيب؟
رأى الإخوان المسلمون أن يؤلفوا موكبًا دينيًا كبيرًا يشتركون فيه مع الهيئات الإسلامية للاحتفال بتولية الملك فاروق، فقام المركز العام بالاتفاق مع الهيئات الإسلامية الأخرى، ثم قام بدعوة الإخوان في شتى أقاليم القطر المصري وفرق جوالتهم للمشاركة في الاحتفال
وكان تجمعهم بمدرسة النيل الثانوية بشبرا وعقد الإخوان مؤتمرًا في ليلة الاحتفال تباحثوا فيه شئون جماعتهم، ثم جاء يوم الاحتفال فخرج موكب الإخوان من المدرسة في الساعة الثانية ظهرًا يتقدمهم "السيد نصير" بطل العالم في حمل الأثقال، وأحد الإخوان الذي حمل لواء الإخوان وكان عبارة عن سارية تبلغ أربعة أمتار ونصف وعليها رقعة فسيحة من القطيفة الخضراء رسم عليها المصحف في نصف دائرة هلالية وكتب في أعلاها "الله أكبر ولله الحمد"
ثم تبعته فرق الرحالة ثم حملة أعلام الفروع وكانت أعلامهم من طراز واحد لونها أخضر ورسم على كل منها مصحف في نصف دائرة هلالية ومن تحتها "الإخوان المسلمون" واسم الشعبة، ثم تبعهم بقية الإخوان وقطع الموكب شارع شبرا وتجاوز الكوبري متجهًا جنوبًا إلى شارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا) حتى دار الشبان المسلمين حيث كان من المفترض أن تنضم بقية الهيئات الإسلامية والشبان المسلمين إلى موكب الإخوان فيكونوا موكبًا واحدًا للهيئات الإسلامية.
وقد وصل الإخوان في الساعة الثالثة والنصف ولم تكن جمعية الشبان المسلمين قد استعدت بعد للمشاركة في الموكب فاضطر الإخوان إلى استكمال المسير ولحق بهم بعد ذلك بقية الهيئات الإسلامية، وقد سار رئيس جمعية الشبان المسلمين مع الإخوان وأناب عنه من يتصدر موكب الشبان المسلمين
واتجه الركب إلى ميدان عابدين، وهناك انتظم الإخوان على باب القصر رافعين أعلامهم ويرددون هتافاتهم والتي كانت "الله أكبر ولله الحمد"، "الإسلام منقذ الإنسانية"، "القرآن دستور الدنيا"، "ومن يبتغ غير القرآن قانونًا فقد ضل"، وعندما خرج الملك ليحييهم من شرفة القصر هتفوا له "نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".
وكانت الشمس قد قاربت على المغيب فصدرت الأوامر للإخوان بالانصراف إلى مسجد "الكخيا" للصلاة، وبعد صلاة المغرب تجمع الإخوان أمام مقرهم في ميدان العتبة الخضراء وظلوا يهتفون "الله أكبر ولله الحمد لا نريد غير الإسلام قانونًا"، وبذلك انتهى موكب الإخوان احتفالاً بتولية الملك فاروق عرش مصر.
وهذا الموكب هو الذي اتخذه البعض وسيلة لتشويه صورة الإخوان وإظهار أنهم قد والوا الملك وأعطوا له مبايعة على بياض، والحقيقة أن مبايعة الإخوان المسلمين للملك فاروق في حفل توليه العرش كانت مشروطة بوجوب العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما أن الإمام البنا كان زعيم الهيئة الوحيد دون زعماء الهيئات الأخرى الذي لم يلبس الملابس الخاصة في حفل تتويج الملك بل كان بملابسه العادية يسير بجانب الإخوان في الموكب. وهكذا نرى أن الإخوان لم ينفردوا بعمل عن الهيئات والأحزاب الأخرى يتقربون به إلى الملك سوى أن كانت مبايعتهم على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. (13)
كما رفعوا مذكرة عام 1947م إلى مذكرة إلى الملك فاروق جاء فيها " يا صاحب الجلالة: لقد طغت على البلاد فى السنوات الأخيرة موجة خطيرة من التحلل الأخلاقى نتيجة ابتعادها عن التأدب بآداب الإسلام وتقاليده، مما جعلها عرضة فى أى وقت لغضب الله وسخطه".
وتحدثت المذكرة حول ما حدث من فتيات الجامعة بتجردهم من الملابس أثناء لعبهم لعبة الهوكى، وأيضا ماجاء من اشتراك آلاف الطلبة والطالبات فى الاحتفال بالعيد الملكى بزى تنكره الآداب وتعاليم الإسلام وطالبوا الملك بإصدار قرار مرسوم يلغى اشتراك الفتيات فى موكب الشعلة الذى سيجرى فى الإحتفال بسبب ما سيحدث فيه من انتهاكات. (14)
لماذا طالب الإخوان بحل الأحزاب؟
لا أحد ينكر أن الإخوان طالبوا الملك فاروق يوم تنصيبه بحل الأحزاب السياسية، لكن لم يطن طلبهم مبني على التنافس بينهم لكن لأنهم رأوا أن الأحزاب لم تعمل لصالح الوطن وكانت كل سياستها تخدم الاستعمار، وهو ما جعل الإخوان يرفضون الحزبية بسبب ما فعلته من الوطن والشعب من فرقة وتناحر.
ولذا طالب الإخوان الملك بحل هذه الأحزاب وإدماجها في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام، ولم يكن هدف الإخوان حل حزب لحساب حزب آخر، أو جريًا وراء منفعة خاصة، لكنهم كانوا يهدفون من وراء ذلك توحيد صفوف الأمة لمواجهة المستعمر. (15)
ولم يكن هذا رأي الإخوان المسلمين وحدهم، بل إن أحمد ماهر قطب الوفد المعروف وزعيم الحزب السعدي فيما بعد كان يرى نفس الرأي بعد عقد معاهدة 1936م، ونصح النحاس بعد توقيع المعاهدة بأن يعتبر المعاهدة خاتمة عهد وفاتحة عهد جديد، وذلك بأن تندمج الأحزاب كلها في حزب واحد على نحو ما كانت عليه في عام 1919م، ثم يترك للزمن أن يفعل بعد ذلك فعله في تكييف الأمور ومجراها وإعادة تنظيم الأحزاب تنظيمًا جديدًا في مصر.
وقد كان محمد محمود باشا زعيم الأحرار الدستوريين والدكتور محمد حسين هيكل يرون ذلك الرأي أيضًا وغيرهم من السياسيين، إلا أن النحاس لم يقبل ذلك؛ لأن في تعديل النظام الحزبي تعديل الوزارة التي كان يرأسها وتأليف وزارة قومية جديدة، وهو ما لا يرضي طموح النحاس أن يشاركه آخرون في الحكم. (16)
أخيرا
لقد كتب الأستاذ حسن البنا العديد من المقالات، حول الملك فاروق مثل مقالا بعنوان: (إلى مقام صاحب الجلالة الملك فاروق الأول) 6 جمادي الأولى سنة 1375 ومقالا بعنوان: (أيها الإخوان تجهزوا) يقول فيه: (وإن لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملا محققا) وكتب مقالا آخر بعنوان: (ملك يدعو وشعب يجيب - إلى جلالة الملك الصالح فاروق الأول من الإخوان المسلمين)
وكل هذه المقالات داعية للملك فاروق أن يتبنى قضية الإسلام، وأن يكون قائدا للأمة وخليفة للمسلمين، ومع أن الاحتفالات التي كانت تقام للملك بمناسبات كثيرة، كان يتخللها أنواع من الفساد والرقص وشرب الخمر، فإن الإخوان في ذلك الوقت شجبوا ذلك ولم يؤيدوه، واستمروا على سياستهم في دعوة الملك فاروق إلى الإسلام، وتهيئة المناخ له ليتخذ الطريق إليه. (17)
يقول جمعة أمين عبدالعزيز:
- كان الملك فاروق - مع بداية عهده - مناط آمال الشعب، وكان موضع حب وتقدير أفراد شعبه له، ورجاء الأمة جمعاء، فلم يكن بدعًا أن يستقبله الإخوان في أول عهده بهذه المظاهرة مشجعين له أن يحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فما يضير الإخوان أن يبايعوا الملك على هذا، فهي بيعة مشروطة تظل معقودة متى نفذت شروطها، وهي الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. (18)
- وقيل: إن الإخوان بايعوا الملك على خلافة المسلمين، ونسي هؤلاء بأنها لم تكن بيعة على خلافة المسلمين، ولا أن يكون أميرًا للمؤمنين كما ادعو، بل كانت دعوة له بأن يحكم الشعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن إمامة فاروق للأمراء في صلاة الجمعة بمسجد قيسون دليلاً على أن الملك أصبح خليفة للمسلمين. (19)
ولهذا فقد أعلن الإخوان رأيهم في الخلافة، وفيما يجب تحقيقه قبل إقامة الخلافة، وهي أمور لا يمكن تحقيقها إلا بعد سنوات طويلة من الإقناع والتربية، ولا يمكن أن تتحقق في عمر فرد أو فترة حاكم مهما طال عمره.
المراجع
- محمد ناصر قطبي: تاريخ مصر عبر العصور - الجزء الثالث - دار الكتب، 2019.
- حسين حسني باشا: سنوات مع الملك فاروق: شهادة للحقيقة والتاريخ، دار الشروق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2001م، صـ109.
- أسامة حمدي: ما خفي: مصر بين فاروق وناصر في الصحافة الأمريكية، تحقيق: مصطفى عباس، طـ1، دار العين للنشر، القاهرة، [2012]م.
- صحيفة الأهرام: 29، 30، 31 يوليو 1937م، صـ7، 15.
- صحيفة الجهاد: 29 يوليو 1937م.
- صحيفة المقطم: 31 يوليو 1937م.
- صحيفة 30 يوليو 1937م، صـ9.
- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة المنهج، صـ282.
- مجلة المصري، 29 ديسمبر 1943م، صـ2.
- لطيفة سالم: فاروق وسقوط الملكية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996م، صـ136-141.
- مجلة العلم الأخضر، العدد 41، السنة السابعة، 30 ربيع الأول 1357ه - 3 مايو 1938م، صـ1.
- مجلة النذير، العدد 4، السنة الثانية، 22 محرم 1358ه - 14 مارس 1939م، صـ5-6.
- رسالة المؤتمر السادس، 11 ذي الحجة 1359ه - 9 يناير 1941م، صـ2-12.
- جريدة الإخوان المسلمين:السنة الخامسة، العددين 11، 12 الموافق 22، 29 جمادى الأولى 1356هـ - 30 يوليو، 6 أغسطس 1937م، وأيضا جريدة النادي بأبي تيج – أغسطس 1937م.
- مجلة الإخوان المسلمون: العدد 229 السنة 1 - 10 ربيع الآول 1366 هـ، 1/2/1947 صـ4.
- مجلة النذير، العدد 2، السنة الأولى، 7 ربيع الآخر 1357ه - 6 يونيو 1938م، صـ3-5.
- محمد حسين هيكل: مذكرات في السياسة المصرية، جـ1، طـ1، دار المعارف، القاهرة، 1978م، صـ341.
- زكريا سليمان بيومي: الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية 1928 - 1948، مكتبة وهبة، القاهرة، 1979، صـ209.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، جـ6، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2008م، صـ31.
- لطيفة سالم: فاروق وسقوط الملكية، مرجع ساق، صـ753- 756.