الإخون المسلمون وعبدالناصر وحرب اليمن
مقدمة
جماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي كُتب عنها وعن مؤسسها بجميع لغات العالم، والتي حظيت باهتمام كل المراكز البحثية وصناع القرار في العالم أجمع. فالباحث يجد نفسه في بحر لا ساحل له عن المؤلفات المتعاطفة والناقدة عن مؤسس الجماعة ومفكريها وتاريخها ومناهجها ومبادئها.
كل ذلك ما جعل جميع الأنظمة الديكتاتورية والمستبدة تناصبها العداء لأنها حركة دائما ما تدعوا إلى التغيير وإرساء قواعد الديمقراطية وعدم التبعية للأخرين والحفاظ على سيادة الوطن والأمة.
لم يتوقع المحتل الإنجليزي وأذنابه من العلمانيين والشيوعيين أن تظهر حركة إسلامية قوية تعمل على توحيد المسلمين، وترفع راية الجهاد في وقت ظنوا أنهم قد نشروا ثقافة الدعة والخذلان في نفوس المسلمين، وأنشأوا لهم دين جديد بنكهة غربية، وكونوا لهم حركات عملت على احتواء المسلمين للسير تحت سياسة الغرب والابتعاد عن الجهاد والدفاع عن الوطن، مثل البهائية والبابية والقاديانية، هذا غير العلمانية والشيوعية.
لماذا ظهرت جماعة الإخوان؟
في بداية الأمر ظن المحتل وأتباعه أن جماعة الإخوان المسلمين مثلها مثل الحركات الدعوية التي كانت منتشرة والتي انصب جل اهتمامها فقط على بعض الأمور الفقهية أو العقدية أو الصوفية، إلا أنهم اكتشفوا أنها حركة إسلامية جامعة تعمل في كل مناحي الحياة وتطالب بتطبيق تعاليم الإسلام في كل جزء من أجزاء الحياة.
ومن أجل ذلك اهتم الإخوان بتربية الأفراد لإيجاد جيل يفهم ويعي حقيقة دينه والدفاع عن وطنه، هذه التربية التي يرتجى منها صياغة نفوس الأمة على نسق يضمن لها مناعة خلقية قوية ومبادئ فاضلة ثابتة وعقائد صادقة راسخة. كانت غاية الإخوان واضحة وجلية منذ البداية وهى إنشاء النفوس وبناء صرح الأخلاق وتثبيت العقائد الصادقة التى تدفع إلى جلائل الأعمال. (1)
لم يكن إهتمام الإمام البنا والإخوان بوطنهم مصر فحسب، بل كانت أمانيهم هي وحدة الشعوب الإسلامية كلها وتحررها، حيث كسر البنا بذلك بلوتوهات القومية المقيتة التي قسمت الأمة إلى شيع وأحزاب، فهذا مصري وذاك عراقي وأخر اندونيسي وهذا عربي وذاك فارسي، وغيره أردي.
ولذا تحدث مع إخوانه خاصة أن هدف الجماعة توحيد الشعوب والقلوب فقال:
- وحسب الأمة أن تكون مسلمة حقيقة، وأن تتعرف الإسلام الصحيح، وأن يكون الإسلام فى أنفسها عقائد مستقرة ومشاعر متمكنة لتكون المثل الأعلى فى الفضائل والكمالات. فليعلم الإخوان المسلمون أن هذه مهمة جماعتهم، وأن الغاية الأولى لهم تكوين نفوسهم على مبادئ الإسلام الصحيح، فكل من خالف هذه المبادئ فليس منهم فى شىء. (2)
ويؤكد على دور الجماعة في المحافظة على الأمة كلها ووحدتها واستقلالها فيقول:
- ومهمة الإخوان المسلمين أن يردوا الأمة إلى أصول الإسلام، وأن يحرروا العقول والأفكار من هذا التعبد المخجل للأفكار الأوروبية البحتة. إن مدنية أوروبا ليست فيها من ناحية جمال إلا ناحيتها العلمية، وهذه لا يأباها الإسلام بل يحض عليها ويأمر بها، وما عدا ذلك فنحن فى غنى عنه وفى الإسلام خير منه لو كشف المسلمون عن أسراره وفهموه فهمًا صحيحًا. (3)
كانت معضلة حسن البنا مع الإنجليز وأتباع الرجعية أنهم لا يريدون للمفهوم الإسلامي الصحيح أن يفهمه الناس أو يعيشوا به، خوفا على نفوذهم أو مناصبهم أو مستعمراتهم المهددة من قبل الشعب إذا فهم، وهو ما جعل جمال عبد الناصر يناصب الإخوان العداء لهذه المفاهيم التي كانت لا تتناسب مع حكمه السلطوي.
الإمام البنا واليمن
كان أول اتصال للإمام البنا باليمن في حفل أقامته جمعية الشبان المسلمين في ذكرى الهجرة سنة 1348هـ الموافق يونيو سنة 1929م. وبعد المحاضرة التي ألقاها الإمام البنا بعنوان: "ذكرى يوم الهجرة والدعوة الإسلامية وأثرها"، التقى مع السيد محمد زبارة الحسن اليمني أمير قصر السعيد في صنعاء حينذاك، وتحدثا طويلًا عن مصر وعن اليمن، وعن انتشار الإلحادية والإباحية المستشري في ذلك الوقت ووجوب الوقوف أمامه بكل القوى.
ثم توطدت الصداقة بينهما من ذلك العهد، وعرض السيد محمد زبارة على الإمام الشهيد العمل مدرسًا باليمن، ودارت مخاطبات بهذا الخصوص بين الإمام الشهيد وبين سيف الإسلام محمد ابن الإمام يحيى ملك اليمن في ذلك الوقت، لكن الفكرة لم تنفذ للعقبات الرسمية بين الحكومة المصرية والحكومة اليمنية. (4)
وعندما عقد مؤتمر فلسطين بلندن وحضره مندوبو الدول العربية وممثلو فلسطين بدعوة من الحكومة البريطانية سنة 1938م، كان يمثل اليمن فيه الأمير سيف الإسلام الحسين وقد مر بالقاهرة بعد عودته من اليابان وفي صحبته القاضي العمري والقاضي الشامي، فاتصل في مروره هذا بالإخوان، وطلب إلى المرشد العام أن يختار له من الإخوان (بهذا الوصف) سكرتيرًا خاصًّا؛
إذ إنه سيكون له من الأعمال الخاصة ما يستدعي كفئًا أمينًا، فقدم له الأخ الأستاذ محمود أبو السعود أحد إخوان المركز العام الذي صحبه في رحلته إلى لندن وباريس، وقام بمهمته خير قيام مما كان له أجمل الأثر في نفس الأمير، وتوثقت صلته بالإخوان منذ ذلك التاريخ. (5)
كما استقبل الإخوان في فبراير 1944م السيد حسين الكبسي وزير الأوقاف اليمنية ومبعوث الإمام يحيى بن حميد الدين للاشتراك في مشاورات الوحدة العربية. وكان الكثير من أبناء اليمن على اختلاف آرائهم وميولهم يتصلون بالمركز العام للإخوان المسلمين في مصر كغيرهم من شباب البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
وكان المركز العام يحرص كل الحرص على توجيه هؤلاء المتحمسين توجيهًا صالحًا إلى الحكمة والموعظة الحسنة، والتمسك بأهداب النظام، والبعد عن كل ما من شأنه المهاجمة والخصومة، مع الحرص على حسن الطاعة للإمام؛ حتى لا تنفر منهم قلوب المخلصين، أو تنقبض عنهم جهود العاملين، أو يفتح الثغرة أمام المستعمرين، وقد كانوا يتقبلون هذا التوجيه بصدر رحب، ويعملون على أساسه في معظم الأحيان.
إلا أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية كانت متردية في اليمن، وأن هناك جمودًا في حكم الإمام يحيى، هذا غير الاعتقالات والتشريد بين أبناء الشعب اليمني، مما جعل بعض أهل اليمن يخرجون عليه في ثورة مسلحة أنتهت بمقتله عام 1948م، فكانت أول ثورة على الحكم الفردي في المنطقة العربية، والتي كانت دافعا للأمير أحمد بن الإمام يحيى حينما تولى الحكم من إجراء العديد من الاصلاحات، وكسر حاجز العزلة عن اليمن. (6)
اليمن القومية
تعتبر ثورة 23 يوليو بمصر واحدة من أهم نقاط التحول الرئيسية فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر. حيث تمثل نقطة تحول في ترسيخ معاني القومية العربية وإكسابها قاعدة شعبية عريضة، تجاوبت معها بعض الشعوب العربية وتبعتها بعض الانقلابات العسكرية في بعض الدول العربية.
سعى عبدالناصر إلى نشر القومية والإشتراكية في ربوع الدول العربية فاستجاب له بعض العسكر وغيرهم.
يقول محمد السعيد إدريس:
- لقد ارتبط المشروع الوحدوى لثورة 23 يوليو الناصرية بمشروعها التحرري، وهى لم تنشأ من فراغ ولكنها كانت وليدة التفاعل الجدلى بين الأهداف الثلاث الكبرى للثورة الناصرية والمعارك التى خاضتها والتى فرضت عليها داخل مصر وعلى المستويين العربى والعالمي. (7)
انتشرت القومية في اليمن وزادت من نشاطها تغلغل الشيوعية في جنوب اليمن (عدن) بالإضافة للنظام القبلي الذي كان يتسم به المجتمع اليمني. وكان لسقوط عدن التي كانت في أيدي الانجليز بالإضافة لتأميم قناة السويس مما جرد الانجليز من كل سلطانهم في الشرق الأوسط وتهديد لمصالحهم، سعت بريطانيا لزعزعة الاستقرار في اليمن.
حرب اليمن وورطة شعب
كانت مصر تدار بالعنترية الفردية بعد ثورة 23 يوليو، فبعدما سطى عبدالناصر على السلطة حال بين زملاءه الذين شاركوه ثورة 23 يوليو وبين الحكم ثم بينهم وبين الشعب، وجعلهم في جزر منعزلة داخل المجتمع حتى لا يكون لهم تأثير في التحرك ضده، ومن حاول الخروج عن السرب يزج به في السجون أو يدفعه إلى الهاوية.
ورطت هذه السياسية الفردية الشعب المصري أكثر من مرة، وذلك من أجل الزعيم، حيث يصفه وزير دفاعه شمس بدران بقوله: (هذا الخطاب كشف حقيقة شخصية عبدالناصر الأنانية .. وربما كان أكبر خطأ وقعت فيه، وأعترف الآن به، هو أنني كان عليّ يوم 6 يونيو 1967 إلقاء القبض على عبدالناصر، وتقديمه للمحاكمة على جريمة توريطه مصر وجيشها في حرب عبثية كان بإمكاننا تجنبها) (8)
كان عبدالناصر مهوسا بفرض القومية الناصرية على المجتمعات الأخرى (وهو ما صرفه عن تطوير الداخل المصري)، بالإضافة كان ناقما على الملكية في بلاد شبة الجزيرة العربية لتدفق الثروات في هذه البلاد.
كان لتأثر عدد من الضباط اليمنيين بثورة 23 يوليو وبشخصية عبدالناصر سببا في تفكيرهم في العمل على تغيير الحكم الملكي في اليمن والانقلاب على المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن - كان الجنوب تحت حكم الشيوعيين – خاصة بعد نجاح الانقلاب في سوريا عام 1961م، والانقلاب في العراق عام 1958م والذي أطاح بالأسرة الهاشمية الحاكمة في العراق.
كان يتزعم العسكر اليمنيين في محاولة الانقلاب التي جرت وقائعها في 26 سبتمبر 1962م المشير عبد الله السلال والذي انقلب على الإمام محمد البدر حميد الدين (تولى الحكم بعد أبه الإمام أحمد الذي توفي في يوم 19 سبتمبر سنة 1962م) وإعلانه قيام الجمهورية في اليمن، مما دفع بالإمام للهرب إلى السعودية حيث بدأ بالثورة المضادة من هناك.
يقول ميسر ياسين:
- اليمن هي الأخرى استلهمت ثورتها التي قام بها ضباط الجيش مما حدث في 23 يوليو في مصر، ففي 26 سبتمبر عام 1962، كانت الخطة التي وضعها المشير عبدالله السلال مع عدد من ضباط الجيش اليمني جاهزة للتنفيذ، للانقلاب على الإمام محمد البدر حميد الدين، وإعلان قيام الجمهورية اليمنية.. كان الضباط في اليمن يسعون إلى تكرار تجربة ثورة 23 يوليو في مصر .. ورفع الضباط اليمنيون نفس الشعارات التي رفعها الجيش المصري أثناء ثورة 23 يوليو. (9)
تلقى الإمام البدر وأنصاره الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا وتلقّى الجمهوريين الدعم من مصر بقيادة جمال عبد الناصر (بإيعاز من السوفييت لحماية مصالحهم ضد الصينيين وتصريف أسلحتهم وإيجاد موضع قدم لهم في الجزيرة العربية) وقد جرت معارك الحرب الضارية في المدن والأماكن الريفية، وشارك فيها أفراد أجانب غير نظاميين فضلاً عن الجيوش التقليدية النظامية.
أرسل جمال عبد الناصر ما يقارب 70,000 جندي مصري وعلى الرغم من الجهود العسكرية والدبلوماسية، وصلت الحرب إلى طريق مسدودة واستنزفت السعودية بدعمها المتواصل للإمام طاقة الجيش المصري وأثرت على مستواه في حرب 1967 وأدرك جمال صعوبة إبقاء الجيش المصري في اليمن.
هذه الحرب التي وصفها الدكتور حمادة حسني بقوله:
- "حرب اليمن" كثيراً ما نسمع هذه الجملة، كأحد أسوأ قرارات ثورة يوليو 1952، ويأتى ذكرها دائماً مقرونا بالخسائر المادية والبشرية التى تكبدها الشعب دون أن يعرف لماذا؟. (10)
ويزيد الدكتور حمادة تأكيدا على عدم التخطيط في سياسة عبدالناصر الداخلية والخارجية وأن كل القرارات كانت تتخذ بفردية بل وعشوائية، حيث ينقل حديث "شابتاى شافيت" رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد" الذي أدلى به لصحيفة هآرتس الإسرائيلية فى 21 فبراير 2000
قائلاً:
- إن إسرائيل لها دور كبير فى توريط مصر فى حرب اليمن لإضعاف قدرتها الاقتصادية والعسكرية كما أنه أصدر أوامره لضباط "الموساد" بمعاونة قوات الإمام بدر الملكية حتى يستعيد حكمه الذى أطاح به الثوار عام 1962، وأرسل عسكريين إسرائيليين لتدريب قوات الإمام وللتعرف على القوات المصرية عن قرب. (11)
ويذكر محمد حسنين هيكل عن عبدالناصر قوله:
- أنه وجد نفسه يهب لمساعدة الثورة اليمنية عندما نشبت ومع أننى تلقيت من التقارير ما يفيد أن الوضع هناك غير صالح للثورة فقد قلت مثلك إنه مجرد أن الثورة قامت فإن ذلك يؤلف عنصرا وضعيا فى حد ذاته وبالتالى يجب مساعدتها. (12)
ويقول صلاح نصر (رئيس المخابرات المصرية):
- "اليمن كانت بالنسبة لنا مجاهل لا نعرف معالمها"، لكن عبدالناصر وجد فى التدخل العسكرى فى اليمن عملاً يستعيد به توازنه ويرد إليه اعتباره بعد انهيار الوحدة بين مصر وسوريا مما سدد ضربة عنيفة إلى وضع القيادة المصرية للعالم العربى. (13)
بعدما لجأ السلال إلى عبدالناصر لدعمه والتي اعتبرها عبدالناصر نزهة سريعة لجنوده سيحقق النصر، ويستعيد نفوذه الذي كسر على صخرة الانفصال مع سوريا، لجأ الإمام البدر إلى السعودية لمساعدته، والتي وجدت فيها الفرصة للتدخل في الحرب خاصة أن السعودية تدرك أن بانتصار الثورة ستجعل لعبدالناصر موضع قدم في الجزير العربية يطيح بمن يشاء من الملوك.
وبسبب تلك التدخلات اشتعلت الحرب، فأرسل ملك الأردن (الملك حسين) ستين ضابطا أردنيا لمساعدة الإمام بدر وأنشأت السعودية والأردن قيادة عسكرية مشتركة انتقلت إلى منطقة نجران فى جنوب السعودية فردت القيادة المصرية على ذلك بإرسال وحدات عسكرية متكاملة إلى اليمن للدفاع عن الثورة.
كان عبدالناصر يظن أن حرب اليوم بالنسبة له ولقواته نزهة ستنتهي سريعا لكنه استيقظ على كابوس لا ينتهي حيث صرح:
- يوم 5 أكتوبر كان لنا مائة صف ضابط وعسكرى بس اللى بعتناهم يوم 9 أكتوبر بقوا 500 يوم 16 أكتوبر بقوا ألفين يوم 10 أكتوبر بعتنا أول قوة من سلاح الطيران، طيارتين وقعدنا تقريباً لغاية آخر أكتوبر ومعانا الألفين وهى القوة اللى تساند السلال بعد كده طبعاً بعتنا قوات ثانية. (14)
ويذكر الضابط أحمد حمروش (أحد الضباط الأحرار) أن عبدالناصر أخبره بعد حرب 1967م أنه أرسلت سرية إلى اليمن واضطررت إلى تعزيزها بسبعين ألف جندي. (15)
كانت المكابرة وقلة المسئولية السمة الواضحة على عبدالناصر في التعامل مع الملف اليمني، وجنون العظمة كان يتملكه حتى بعدما علم بتدهور حال الجيش المصري وتحول اليمنيين لمقاتليين ضد المصريين لم يستجب عبدالناصر وسحب القوات المصرية فمات الآلاف منهم بل دفن بعضهم أحياء في رمال وجبال ووديان الأراضي اليمنية.
وهو ما أكده الفريق أنور القاضى - قائد القوات المصرية فى اليمن – في حديثه لعبدالناصر في نهاية مايو 1963 حيث شرح له الصورة الحقيقية للموقف هناك وأقترح سحب القوات المصرية من اليمن بأسرع ما يمكن لتدهور الموقف اليمنى فى السيطرة على القبائل
ولكن عبدالناصر قال له كما ذكر الفريق القاضى فى حديثه لمجلة آخر ساعة 8 يونيو 1988 - "الانسحاب بقواتنا مش ممكن فمعنى كده انهيار ثورة اليمن.. والعملية سياسية أكثر منها عسكرية أنا باعتبر إننا وجهنا ضربة مضادة لضربة الانفصال فى سوريا ولا يمكن أن نترك اليمن". (16)
ويؤكد ذلك ما قاله الفريق عبدالمحسن مرتجى قائد القوات المصرية فى اليمن بعد الفريق أنور القاضى عن عبدالناصر: "لم يكن يهتم سوى بشكله وهيبته"، وأكد "مرتجى" فى حديثه مع الصحفى إبراهيم حجازى 22 أبريل 2008 أن عبدالناصر "كان يرسل أموالاً من خزانة الدولة إلينا حتى ندفعها للقبائل اليمنية وعندما طالبنا بالانسحاب من اليمن لأن الخسائر أصبحت كبيرة قال: "مش ممكن ننسحب our prestige هتضيع". (17)
كان للهزائم المستمرة في الحرب والخسائر البشرية والمادية دافعا لأن يرضخ عبدالناصر إلى عقد اتفاقية مع الملك فيصل في 23 أغسطس 1965م بجدة يتفق فيها الجميع على انسحاب القوات المصرية على أن يقرر الشعب اليمني مصيره بنفسه
والتي تعتبر هذه الإتفاقية انتصاراً لوجهة النظر السعودية، لكنها لم توقف الحرب لأن عبدالناصر أقدم على ضرب الأراضي السعودية إلا أنه لم يستطع تحقيق أى نصر حتى كانت هزيمة 1967م القاصمة وبعدها رضخ عبدالناصر وتخلى عن السلال الذي وقع ضد انقلاب عسكري فى 5 نوفمبر 1967.
كان دخول حرب اليمن مغامرة شخصية وغير مدروسة وكانت عشواية القرارات هي السمة السائدة بين القيادة السياسية والعسكرية المصرية. وكان ذلك واضحا في تصريح عبدالناصر عام 1968م (إن التدخل فى اليمن كان سوء تقدير) وذلك بعدما قتل آلالاف الجنود المصريين المغلوبين على أمرهم، ودمرت مئات المعتدات التي اشترتها مصر بأموال الشعب المصري. (18)
لقد كانت الخسارة الفادحة من جراء التهور في دخول حرب اليمن ليس ما خسرته مصر فحسب في الحرب والهزيمة التي منيت بها، لكن ما ترتب عليها من هزيمة مدوية أمام الصهاينة في حرب الستة أيام عام 1967م حيث خسرت مصر كل شيء – أبنائها وجيشها وهيبتها وأموالها واقتصادها – لكن فازت بالزعيم كما صور رعاء القوم الناصريين دائما.
يقول اللواء طيار محمد عكاشة:
- (الهزيمة كانت واقعة لا محالة سواء بدأت مصر القتال أو تلقت الضربة الأولى ، الهزيمة وقعت قبل 67 بسنوات. كان التقصير والإهمال يسود الدولة كلها ، مصر فى هذه الآونة كان على رأسها قطبان يتصارعان الرئيس جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر ولا ثالث لهما على الإطلاق ، يحيط بكل منهما مجموعة من السياسيين والعسكريين المواليين لشخص كل منهما
- ونتيجة لهذا الولاء ينال الرضا ويصبح من أهل الثقة الذين يتوزعون على كافة مناصب الدولة السياسية والعسكرية ، وكانت رغبات الرئيس عبد الناصر والمشير عامر أياً كانت أوامر غير قابلة للنقاش أو التعديل. فلم يكن أمام أهل الثقة إلا الموافقة والتنفيذ لهذه الرغبات. (19)
يلخص حمادة حسني نتائج حرب اليمن بقوله:
- (فساد فى الجيش، هزيمة فى الحرب، فرقة بين العرب، ضياع "الهيبة" و"البرستيج" خسارة ملايين الجنيهات، خمسة آلاف قتيل مصرى، آلاف الجرحى والمشوهين والعاجزين، مائة ألف قتيل يمنى، شلل فى الاقتصاد المحلى، أزمات داخلية وخارجية، كوارث على كل الأصعدة، هذا ما مثلته حرب اليمن فى تاريخنا المصرى والعربى، كللت بهزيمة جيشنا فى 67، فهل كانت النكسة الشهيرة هى حرب الأيام الستة، أم حرب السنوات الخمس؟). (20)
لقد عاش الشعب المصري حاجة من التغيب عما يجري في اليمن، لا يقرأ عن حرب اليمن إلا ما تنشره له الصحف بتوجيه من عبد الناصر.. كانت الصحف تنشر يوميا عن انتصارات وهمية فى معارك يخسر فيها الأعداء الآلف من الجنود... وعاش الشعب فى غيبة عن الحقيقة.. حتى جاء يوم أصبح فيه لكل عائلة من عائلات مصر.. فى القرى أو المدن.. شهيد سالت دماؤه فوق جبال اليمن.. وبدأ الناس يتحدثون ويفكرون همسا فى حرب اليمن.. فقد كان الحديث عن حرب اليمن بصوت عال جريمة عقوبتها الإعدام.. أو الاعتقال. (21)
لماذا استغلت بريطانيا اسم الإخوان وقت الحرب؟
وقعت حرب اليمن عام 1962م وظلت مستعرة مدة ثماني سنوات حيث انتهت إلى تولى فريق غير الذي كان يدعمه عبدالناصر زمام الحكم عام 1970م. لم تكن حرب اليمن صراع بين قوتين يمنيتين إحداهما ملكية وأخرى جمهورية، لكن كانت حرب لها أبعاد إقليمية وعالمية، حيث كان عبدالناصر يدعم القومية العربية والتحول للحكم الجمهوري، في حين خشيت السعودية وممالك الخليج على نفوذها فدعمت الإمام محمد البدر حميد الدين، وكلا حسب مصالحه.
الغريب أن بعض القوى العالمية كانت مهتمة بهذا الصراع خاصة بريطانيا والتي كانت تسيطر على عدن، بالإضافة للصراع الخفي مع أمريكا حول السيطرة على الأماكن الحيوية في العالم. ولذا لم تكن بريطانيا راضية عن تدخل عبدالناصر في الحرب، ولذا عملت على عرقلته ومعاونة الملكيين سواء في اليمن أو السعودية.
فقد كشفت بريطانيا مؤخرا عن وثيقة ذكرتها الـ BBC وتناقلتها عنها المواقع والصحف الإخبارية بأن بريطانيا استغلت اسم الإخوان المسلمين في في حربها السرية على ناصر وسوكارنو وماو تسي دونغ.
وحسب موقع الـBBC أن بريطانيا روجت منشورات تحمل زورا اسم الجماعة تهاجم فيها بقسوة سلوك الجيش المصري خلال وجوده في اليمن، الذي كان ساحة للصراع بين نظام عبد الناصر الجمهوري الجديد من جانب، والسعودية وبريطانيا الاستعمارية من جانب آخر.
يقول عامر سلطان:
- أن بريطانيا شكلت لجنة عمل سرية بمشاركة مختلف الأجهزة والوزارات المعنية لإدارة السياسة البريطانية تجاه اليمن.
ومن المعروف أنه في نهاية حرب اليمن هاجمت قوات مصرية مدينة جزان السعودية وشمال اليمن واستخدمت غاز سام ما أدى لقتل عدد كبير من اليمنيين (إلا أن الجانب المصري نفى ذلك) مما جعل الأمم المتحدة تشكل لجنة تقصى إلا أنها أعلنت إنها "غير قادرة" على التعامل مع هذه القضية.
وانتهزت بريطانيا الفرصة واستغلت اسم وتأثير الإخوان المسلمين، في إطار حربها السرية، لتأليب المسلمين، في مختلف الدول، على عبد الناصر ونظامه، خاصة وأن الصدام كان على أشده بين نظام عبدالناصر والإخوان في مصر أثناء اعتقالات 1965م والتي ألبت كثير من الشعوب الإسلامية على عبدالناصر بسبب إعدام سيد قطب ورفاقه وقتل غيرهم تحت التعذيب، والزج بالآلاف في السجون.
في هذا السياق، كانت الأجواء مواتية لتمرير المنشورات البريطانية المزورة على أنها فعلا صادرة عن الإخوان. وقال أحد المنشورات، نقلا عن الإخوان، إن القوات المصرية في اليمن ليست مسلمة لأنها تقتل المسلمين بالغاز.
وتساءل من يستطيع أن يقاوم الصعقة عندما يصف شاهدو العيان العرب كيف قُتل مائة وعشرون من الرجال والنساء الأطفال دفعة واحدة بعد أن أمر القواد المصريون الأشرار طياري الجمهورية العربية المتحدة في قاذفات القنابل التي صنعها الشيوعيون السوفييت الملحدون بإلقاء خمس وعشرين قنبلة غاز، التي هي كذلك من صنع الشيوعيين، على قرية كتاف الواقعة شمال شرقي صنعاء؟
وروج المنشور، الذي أٌصْدِر باسم "جمعية الإخوان المسلمين الدولية"، للانتقادات والحجج داخل مصر وخارجها ضد التدخل العسكري المصري في اليمن، والذي كان له دور في هزيمة مصر في حرب عام 1967 أمام إسرائيل.
وقال إنه
- "إذا كان لابد للمصريين أن يخوضوا غمار الحروب، فلماذا لا يوجهون جيوشهم ضد اليهود؟".
ولوحظ أن المنشور كُتب، أولا، بلغة عربية عالية المستوى، ثم تُرجم إلى الانجليزية لأصحاب القرار المسؤولين عن الحرب السرية قبل الموافقة على توزيعه.
وأضاف المنشور أن
- "القنابل التي ألقيت على اليمن خلال الحرب التي تستعر نيرانها في هذا البلد المسكين لأربع سنوات، كانت تكفي لتدمير إسرائيل تدميرا تاما".
وركز المنشور على أن الجيش المصري
- "استخدم أسلحة السوفييت الشيوعيين في قتل اليمنيين المسلمين". ووصف المصريين بأنهم "كفرة وأبشع من النازيين".
وقال
- "أيها الإخوان المؤمنون إن هذه الجرائم الفظيعة المخيفة التي تقشعر لها الأبدان واستعمال هذا السلاح البغيض المحرم استعماله دوليا في الحروب.. هذا السلاح الذي لم يستعمله حتى هتلر المجنون ضد أعدائه في الحرب العالمية الثانية .. هذه الجرائم لم يرتكبها الملحدون أو الاستعماريون أو اليهود الصهيونيون، بل ارتكبها المصريون الذين من المفروض أنهم مؤمنون".
وقد استخدم فريق الحرب الدعائية البريطاني مفردات مشابهة لتلك التي استخدمها الإخوان المسلمون كي يبدو المنشور وكأنه بالفعل صادر عن الجماعة.
وقال
- "إن الحرب لها مايبررها إذا كان العدو غير مؤمن أو من عبدة الأوثان... لكن أبناء اليمن إخواننا في الدين الحنيف . وحيث أنه لا يوجد أي مبرر لقتل إخواننا، فإن الجريمة بكل تأكيد تصبح أبشع وأفظع إذا هم قُتلوا بأقذر وأحقر سلاح دون ريب، ألا وهو الغاز السام".
ووصف المصريين بأنهم
- "مستعمرون يتمادون في ارتكاب جرائم مروعة دون عقاب؟".
وطالب المنشور المسلمين بأن
- "يدينوا المصريين الكفرة ويرفضوا التعاون معهم في جميع الأمور لكي تظهروا تضامنكم مع شعب اليمن المستعبد في مصيبته الكبرى".
وتكشف الوثائق أن فكرة إصدار منشورات توهم قراءها بأنها صادرة عن الإخوان جاءت بعد زيارة مسؤول بالخارجية البريطانية إلى واشنطن. وفي أحد الوثائق، يقول المسؤول، بعد عودته، "تشاورت مع الآنسة ستيفنسون ووافقت على أنه من المرجح والطبيعي أن مثل هذا التنظيم (تقصد الإخوان) يرسل هذا المنشور".
وكانت أجهزة الحرب السرية البريطانية تنشر المنشورات من نقاط توزيع مختلفة شملت دولا عربية ومسلمة وغير مسلمة في أفريقيا وآسيا. وأرسلت المنشورات إلى صحفيين وكتاب ومراكز بحثية وتعليمية ومنظمات دينية مسلمة وجمعيات أهلية ومؤسسات حكومية ووزراء في هذه الدول. (22)
أخيرا
لم يكن للإخوان المسلمين أي صلة بحرب اليمن بصفة مباشرة، حيث كان معظمهم في السجون لا يملكون حق الكلمة والبقية متشرزمة في الأرض، ولم تكن حرب ضد أعداء مصر حتى يصدر بيان (حتى) من الضباط الإخوان المحبوسين يطالبون بالحرب بجوار وطنهم مصر، وإن كان اعتراض الإخوان على هذه الحرب أنها ضد بلد عربي ومسلم، وأن المسلمين يقاتلون بعضهم البعض.
المراجع
- حسن البنا: كلمة في أغراض جماعة الإخوان المسلمين، جريدة الإخوان المسلمين: العدد (7)، السنة الأولى، 4 ربيع الثانى 1352ه- 27 يوليو 1933م، صـ22.
- المرجع السابق.
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (47)، السنة الرابعة، 26 ذو الحجة 1355ه - 9 مارس 1937م، صـ1.
- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000، صـ128.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب السابع، 2009، صـ102.
- عدلي حشاد، عطية عبدالجواد: اليمن ثورة وسلام، صـ22.
- محمد السعيد إدريس: ثورة 23 يوليو وحركة التحرر العربية، الأهرام، الأربعاء 25 من رمضان 1435 هــ 23 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46615
- محمد شنح: شمس بدران في مذكراته، 10 مارس 2014
- ميسر ياسين: ساندت الجزائر وليبيا واليمن.. 23 يوليو "أم الثورات العربية"، 23 يوليو 2015
- حمادة حسني: اليمن .. فيتنام التى غرق فيها عبدالناصر ، 30 أكتوبر 2008
- حمادة حسني: المرجع السابق.
- محمد حسنين هيكل: عبدالناصر والعالم، دار النهار للنشر، 1972، صـ47.
- حمادة حسني: مرجع سابق.
- خطاب عبدالناصر بمناسبة عيدالنصر السادس (23 ديسمبر): صحيفة الأهرام، 24 ديسمبر 1962
- أحمد حمروش: قصة ثورة 23 يوليو خريف عبدالناصر، طـ2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1984م، صـ65.
- حمادة حسني: حسن البنا وثورة اليمن 1948م، طـ، 1، مكتبة بيروت، 2008م، الفصل الخامس.
- حمادة حسني: المرجع السابق.
- نادية الدكروري: الوحدة العربية.. حلم قتلته مؤامرات الغرب وطائفية العرب، 14 يناير 2018
- اللواء طيار محمد عكاشة: صراع في السماء، الجزء السابع والاخير، موقع المجموعة 73 مؤرخين
- حمادة حسني: اليمن.. فيتنام التى غرق فيها عبدالناصر، مرجع سابق.
- سامي جوهر: الموتى يتكلمون، طـ3، المكتب المصري الحديث، 1977، صـ15.
- عامر سلطان: وثائق سرية: بريطانيا استغلت اسم الإخوان المسلمين في حربها السرية على ناصر وسوكارنو وماو تسي دونغ، 6 أكتوبر 2019