الإدارات الشرق أوسطية والأصولية
بقلم : محمد الجندي
عندما أنشأ حزب مصطفى كمال أتاتورك الدولة التركية الحديثة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، كان خياره إنهاء النظام التقليدي الذي كان قائماً في الإمبراطورية، وبناء دولة حديثة على أساس الديمقراطية البرلمانية، والتشريع الحديث، فكان القانون المدني التركي مقتبساً من القانون السويسري وقانون الجزاء مقتبساً من القانون الإيطالي.
بالمقابل، الدول العربية المشرقية، التي بنيت قبل وبعد الحرب العالمية الثانية قامت على أساس قبلي ـ طائفي هنا، طائفي هناك.
وبذلك بقي تشريعها تقليدياً، رغم بعض التطور، الذي حملته السيطرة الاستعمارية الانكليزية والفرنسية.
التشريع في البلدان العربية كان تقليدياً، ولم يكن أصولياً كان أصولياً فقط في كيانات الجزيرة العربية، والمقصود بالوصف «أصولي» هو أن تكون المؤسسة الدينية المخترعة، أو القائمة بالفعل، هي مصدر الحكم.
الأمر، الذي كانت عليه أوروبا قبل الثورة الفرنسية (1798)، حيث كانت الكنيسة هي التي تبارك الملوك والأمراء، وقبل ذلك مر وقت كان فيه البابا في الفاتيكان يحكم مناطق شاسعة من أوروبا.
في البلدان الإسلامية، الإسلام ليس له مؤسسة شبيهة بالكنيسة، ولكن له بالمقابل عدد لا حصر له من المدعين. وإذا استثنينا الفقهاء الكبار أصحاب المذاهب، فإن الكثير من أولئك المدعين كذابون، وكثير منهم أميون أو أشباه أميين ومشعوذون.
المؤسسات التي تطورت عن المساجد، مثل الأزهر، وما يشبهه قليلاً أو كثيراً في البلدان الإسلامية، كان يمكن أن تتأثر بالحداثة وأن تساعد في نفض الغبار التقليدي عن كاهل المسلمين، ولكن هذا لم يحصل، وإنما الجمود كان سيد الموقف، رغم ظهور مصلحين مثل رفاعة الطهطاوي وعلي عبد الرزاق، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم.
في المنطقة العربية ما يزال منتشراً تقديس الأولياء والتبرك بهم والاستشفاء بواسطتهم، مع أن أولئك الأولياء، قد يكون العديدون منهم، إذا ما دقق المرء في تاريخهم، زعماء إقطاعيين ظالمين، لا فضيلة لهم.
وما يزال منتشراً الإيمان بخرافات السحر والتنجيم والشفاء من الجن وطلاسم المحبة أو الانتقام وهذا كثيراً ما يكلف المجتمع الكثير، فقد تحدث طلاقات، وتدمر عائلات عدا الأضرار الفردية، التي تلحق بالشخص، صاحب العلاقة.
قد تكلف هذه الخزعبلات أحياناً ثروة كاملة والضرر الأهم هنا هو تعطيل دماغ الإنسان، وحرمانه من التفكير السليم.
القبلية ـ الطائفية، والطائفية كانت مريحة لإدارات البلدان العربية، والإدارات الاستعمارية أي شيء أفضل من أن ترى الإدارة حولها، أتباعاً مؤمنين بها، لا يخطر لهم أن يناقشوها حتى بينهم وبين أنفسهم.
مواطنو البلدان ذات الإدارات الأوتوقراطية، التي تحكم باسم الدين، من جهة، وباسم الزعامة القبلية، من جهة أخرى، لا يخطر لهم، وهم يرون الفساد، وانتهاك الأخلاق والدين، أن يناقشوا، إن كانت تلك الإدارات أهلاَ للحكم، أو إن كانت تؤتمن على ثروة البلد وعلى شعبه وعليه.
القبلية ـ الطائفية تجعل الإنسان لا يرى الحياة السياسية، ولا الوطن، ولا المجتمع، إلا من خلال رباطه القبلي ـ الطائفي، الذي لا يدري المرء، من أين أتت قوته.
ومع مجيء الإدارة الأميركية قوية إلى الساحة الدولية، ومن الجملة إلى الساحة الشرق أوسطية، فجرت بمليارات الدولارات الأوضاع القبلية ـ الطائفية والطائفية إلى أصوليات خطيرة، تستخدمها أداة ذات حدين.
كان الرباط القبلي ـ الطائفي، والطائفي، يبقي المرء جامداً في مجتمعه، يرى الأحداث من خلال الزجاج الطائفي، وقد تعجبه، أو لا تعجبه، ولكن سواء أعجبته، أم لا، فإنه لا يتحرك، إلا من خلال الطائفة، وقد يؤدي به هذا إلى خسارة نفسه عبثاَ وضد مجتمع أو وطنه.
أما الأصولية فشيء آخر لقد غيرت انتماءه، وجعلته ينتمي، إلى أناس، يزعمون أن بيدهم الدين الحق، وأنه بطاعتهم يطيعون الله ورسوله.
وهذا الانتماء يحصل بمجرد أن يكون المرء مؤمناً، دون مناقشة لكون أولئك الأدعياء أبعد بكثير من أن يمثلوا الدين هم يمثلون المليارات البترولية والأفيونية، وهذه لا علاقة لها بالدين في شيء.
عندما يقول هؤلاء الأدعياء للمنتمين إليهم: فجروا أنفسكم، فيفجرون أنفسهم، اقتلوا، فيقتلون، اصنعوا مجزرة فيصنعون.
طبعاً كان كل ذلك صعب الحصول، لولا أن الإدارات العربية اعتمدت في حكمها على التبعية للإدارات الاستعمارية وعلى التقاليد في نفس الوقت لو انتهجت الديمقراطية والتحديث مثل حزب مصطفى كمال أتاتورك، لجعلت من الصعب على الإدارة الأميركية، ولو أنفقت المال عن طريق حلفائها، أن تخلق تلك الموجة الخطيرة من الأصولية، التي لا تهدد أمن الناس وحياتهم فقط وإنما أيضاً مستقبل المجتمعات العربية والشرق ـ أوسطية لزمن طويل.
الرواسب التقليدية، التي رعتها، وترعاها، الإدارات العربية ارتدت عليها، وأصبحت تهددها بالاغتيال وبالإسقاط وتسحب البساط من تحت أقدامها، ولكنها ارتدت بشكل أقوى على المجتمعات العربية، فهي إضافة إلى المجازر، تعيد المجتمعات العربية قرونا إلى الوراء، بل إن الماضي الأموي والعباسي كان أشد انفتاحاً بكثير. ولا يشكو المرء المصائب التي تحل بالمجتمع، بمقدار ما يشكو قتل الاستعداد لدى الشعب لفهم ما يجري حوله، وللدفاع عن نفسه إنه نوع من الغيبوبة الجماعية، التي يفهم فيها المرء الأمور بشكل مقلوب، فلا يستطيع الدفاع عن نفسه.
الزعامات الأصولية ترى في المرأة العدو الأول، لا في الإدارة الأميركية، ولا في مخططاتها الرهيبة، التي من جملتها تفعيل الأصولية لذلك سفور المرأة وعدم إرخاء اللحية يؤلفان جريمة قد تستحق القتل، وحدثت الاعتداءات على العديد من النساء السافرات المحترمات.
وترى تلك الزعامات في الكفر، الذي يحددونه على هواهم، عدواً أساسياً، لا في الإدارة الأميركية لذلك ارتكبت الجرائم في الجزائر وفي مصر وفي لبنان، وترتكب في مناطق عديدة من العالم.
الإسلام، الذي أتى ثورة على الجاهلية، يتحول على يد الزعامات الأصولية في يد الإدارة الأميركية، مباشرة أو غير مباشرة، إلى أداة لبناء الجاهلية الحديثة ولضرب الشعوب الإسلامية ومنعها من التطور أصلاً، العواصم الاستعمارية هي التي كانت، وما تزال بلد اللجوء للأصوليات، ويرتد الآن ذلك عليها وعلى شعوبها فتفجيرات أسبانيا وبريطانيا وفرنسا هي من ثمار ذلك.
تحاول الإدارات العربية إنقاذ رأسها بمواجهة الأصولية المعتدلة بالأصولية المتطرفة، غير عارفين، أن هذه هي وليدة تلك، ولولا الأولى ما ظهرت الثانية.
الأصولية «المتطرفة» التي كان مرضياَ عنها في أفغانستان وفي الشيشان وفي البوسنة وفي مناطق أخرى، وتتعرض للغضب وللزمجرة بسبب التفجيرات في العواصم الأوروبية، تعبر عن وضع سياسي واجتماعي، يتمثل في أمل الفقراء الخاطئ بأن الأصولية تحل لهم المشكلة الاجتماعية، وفي أمل الشعوب المضطهدة بأنها ترفع عنهم ظلم الحكام وظلم الاستعمار طبعاً الأصولية لن توفر لا للفقراء ولا للمضطهدين لا هذا ولا ذاك، وإنما تنقل إليهم بنسب مختلفة كوابيس أيام العبودية.
والإدارات العربية، ما دامت ملتصقة بالإدارة الأميركية، فإنها ستبقى مهددة، وسيبقى الشعب في بلدانها مهدداَ، بالاحتلال وبـ«الإرهاب» الأصولي، وباستغناء الإدارة الأميركية عنها لصالح أي تشكيلات أفضل خدمة هل تستطيع الإدارات العربية أن تتحرر، وأن تقود شعوبها إلى التحرر؟
نتمنى ذلك، ولكن سراب، لا يمكن أن يحصل، ولو حسنت النية لدى تلك الإدارات إنه مستنقع تغرق فيه الإدارات.
ومن الصعب جداً، أن تخرج منه.
مصطفى كمال أتاتورك أنقذ تركيا من الرواسب العثمانية، ولكنه لم ينقذها من العلاقة بالعواصم الاستعمارية وكلف بذلك تركيا الكثير.
المصدر
- مقال:الإدارات الشرق أوسطية والأصوليةالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات
