الإصطفاف العقلاني في زمن الخرافة
خالد السلكاوي
مهما كان من دراية كافية لدينا بما تمر به اليوم مصر العربية، فالوحدة الوطنية تبقى خيار ربما وحيد وبعيد المنال، لكنه ومع ذلك يتطلب منا نظرة جديدة لمفهوم الوحدة الوطنية هذا، الذي قد ينشل البلد من براثن النظام العميق الذي شكل منظومة سياسية واقتصادية تجذرت عميقا خالقة ذاك الجو الداخلي والخارجي من علاقات ظلت تبعد الشعب من مفهومها كمكون أساسي لمصر العربية، الأمر الذي قادنا إلى ما نراه اليوم من فساد ومحسوبية وفشل وفقر وفاقة وتخلف -وفناكيش لا حصر لها- رقم قياسي من الفناكيش التي تكاد جميعها أن تعصف بكيان المحروسة أم الدنيا بحاضرها ومستقبلها.
تلك المجموعات التي تدير إقتصاد مصر الآن وسياساتها الداخلية والخارجية تثبت دائما أنها ضمن ذاك النظام المتجذر، لكنا نجدها الأشد فشلا بين كل الذين تناوبوا على حكم مصر والسيطرة على مواردها ومقداتها وإخضاع شعبها، فهي ضمن منظومة حالية متهالكة تقوم على محو مكتسبات البلد وموارده بشكل هستيري، الأمر الذي ضمن إغراق حتى الأجيال القادمة في دوامة الديون التي تمحو أي أمل بالمستقبل، كل ذلك الفشل يعبر عنه النظام الحالي من خلال القمع والإذلال وتكميم الأفواه وبناء السجون والتخلي التام عن الشعب الغاضب الذليل واللجوء حتى لأعداء الأمة كمخلص، لقد صورت تلك الأحداث والوعود الكاذبة والمشاريع الفاشلة التي استنزفت المليارات من جيوب الفقراء والمعدمين، صورت للكثيرين بأن هذا النظام سيطر على الحكم أصلا لتنفيذ أجندات الأعداء بحذافيرها مستغلا كل دقيقة قبل الطوفان القادم لا محالة!.
رغم أن تلك المليارات التي صرفت على مشاريع كان الهدف الأول والأخير منها إفتتاحها مع تلك البهرجة ولقطات للشخصيات من الأسفل تظهر تلك الهامة المرفوعة والأنفة والرفعة التي تعد بمستقبل باهر وتنطلي إلا على الأحرار، لكن نظام يعتمد الكذب عامودا أساسيا من أعمدة نظامه، زرع بين الشعب بعبع الإخوان من خلال أبواق إعلامية كاذبة كلفت الإقتصاد المصري للآن في سبيل ذلك ما يوازي تكلفة برنامج فضائي متكامل لبناء مستعمرة على المريخ؛ تلك الأبواق وظفت فقط لتبث بين الشعب أن كل من يتحدث عن فشل تلك المشاريع هو إخواني يتربص بالأمة، وكل من ينتقد النظام هو إخواني، وكل من يتحدث عن الفشل إخواني، وكل من يشكوا من الأحوال الصعبة إخواني، والمسؤول عن إنخفاض مستوى مياه النيل هو إخواني فاتح طول اليوم الحنفية في المطبخ، والمسؤول عن خسارة المنتخب المصري إخواني، والذي يعارض ترامب إخواني، والذي سخر من جهاز الكفتة إخواني، وكل من لا يعتقد بأن أبو المعاطي أعظم علماء عصره فهو إخواني، والذي يعادي إسرائيل إخواني، والذي يقول عن قناة السويس الجديدة تفريعة إخواني رغم أنها تفريعة بالفعل! والذي يقول أنها أفشل مشروع مدني في التاريخ كلف مصر 8 مليارات من الدولارات وأنها لم تجلب تلك المئة مليار دولار سنويا كما وعد النظام وأبواقه الإعلامية الكاذبة وأنها كتفريعة لم تضيف على الإيراد السنوي للقناة سوى 0.0001 “واحد بالعشر آلاف” من مجمل الإيرادات قبل التفريعة فهو إخواني خائن يتربص بمصر ويثبط من عزيمتها، والذي يعتبر بيع الأرض المصرية تحت إشراف صهيوني خيانة فهو إخواني، والذي يعتبر القضاء المصري نزيها حين يحكم بمصرية جزيرتي صفينار وتيران فهو إخواني، لقد قسم الإعلام المصري الموجه الكاذب البشرية منذ آدم عليه السلام إلى الآن على أنها نوعين: إما بشر عاديون أو بشر إخوان، رغم أن الإسلام الذي يعتقد بأن الإخوان ينتمون له ظهر في القرن السادس الميلادي! وعندما يرد البشر العاديون غير الإخوانيون على هذا الكم الهائل من الفشل فإنهم لا يملكون سوى تلك العبارة “موتوا بغيظكم”.
هناك أدلة دامغة دائما تثبت عدم جدية المسؤولين المصريين بالبحث عن أي حل، فهم إن لم يجدوا بدا من تنفيذ إملاءات البنك الدولي لاستكمال شروط القروض، نجدهم يتخذون قرارات مصيرية بشكل جزافي رغم التحذيرات التي يطلقها خبراء دوليين مخضرمين، مثل قرار تعويم الجنيه الذي اتخذه محافظ البنك المركزي المصري الذي لا يملك لا خبرة ولا تاريخ مصرفي أو اقتصادي أو مالي، هو فقط يملك خبرة في كونه حفيد عبد الحكيم عامر، هذا القرار الجزافي الفردي الذي دمر ما تبقى من اقتصاد، ورفع الأسعار بشكل جنوني، وخلق نسب عالية من التضخم وصلت نسبها حسب دراسات غير رسمية -غير حكومية- إلى 50% والتي قضت بدورها على القوة الشرائية للجنيه، الأمر الذي أدى إلى زيادة فقر الفقراء وزيادة نسبة الفقر بين الشعب المصري والقضاء على ما تبقى من طبقة وسطى، وأدى إلى إفقار السوق أيضا بالغذاء والدواء والسلع الضرورية ومواد البناء وهروب المستثمرين ورؤوس الأموال وإغلاق المزيد من المصانع والمنشآت وزيادة نسبة البطالة لتصل إلى 13.4% خلال شهر شباط/فبراير الجاري من 2017 مقارنة ب 12.6 في 2016، لقد خرجت عجلة الإقتصاد عن السيطرة تماما كمركبة دون سائق تتجه نحو الهاوية، دون الأحقية لأحد بالنقد أو التذمر وكأنه أمرا مقدسا يحدث ها هنا، غير أن المبرر الوحيد الذي يملكه النظام وأبواقه الإعلامية الكاذبة هو أن البلد تتعرض لمؤامرة كونية لا مثيل لها في التاريخ، وكل من يشكك بتلك المؤامرة هو متآمر ومتخابر مع من يتآمر، وبالطبع فالإخوان هم من يقود هذه المؤامرة الكونية الهائلة.
رغم التهليل والتطبيل الذي طبله وهلله الإعلام الكاذب بشأن انخفاض سعر صرف الدولار والذي عزا ذلك إلى الإصلاحات الإقتصادية التي يبدو أنها إصلاحات خفية وغير مرئية البتة، فهي إصلاحات تحدث في الخفاء ربما؟! وهذا ما يظهر كذب المسؤولين الجلي وعجزهم الواضح كما يقول المستشار الإقتصادي الدولي “حسام الشاذلي” (فحقيقة الأمر أن الهبوط المؤقت لسعر الدولار من 20 إلى 16 جنيها ليس إلا نتيجة لظروف إقتصادية معروفة مثل إجازة الصين والتي قللت من الطلب على الدولار، وحالة الركود التضخمي بمصر والتي أدت إلى قلة الطلب على الإستيراد نتيجة ركود الأسواق، إضافة إلى زيادة استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بسبب هبوط سعر الجنيه، وكذلك توقف البنك المركزي عن شراء الدولار، وعوامل أخرى) ويتسائل الشاذلي، لكن أليس وثيقة تمرد التي طالبت بعزل الرئيس محمد مرسي كان أحد أهم أسبابها هو ارتفاع سعر صرف الجنية مقابل الدولار إلى 6.75؟!.
لكن، ما هو مفهوم تلك الوحدة الوطنية الذي نادينا به بداية المقال في خضم هذا الكذب والتدليس والإستهتار والخراب والفشل السياسي والإقتصادي والقهر والظلم والقمع؟ هو مفهوم نعني به وحدة كامل الشعب في مواجهة تلك المصائب بحيث تحدث ثورة حقيقة من الإصلاح السياسي والإقتصادي والإعلامي، وهدم السجون التي بنيت خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وتحطيم تلك البوصلة الغريبة التي حددت على مدار تلك السنوات الأخيرة كلا من الأصدقاء والأعداء وأخرجت مصر نهائيا من ثوب العروبة والإسلام، وإعادة تلك البوصلة على أساس عربي إسلامي.
غير أن الحقيقة المرة تخبرنا بأن ذلك صعب المنال وأن مصر على موعد لتكون ربما خارج الحسبة البشرية الحضارية خلال العقود القادمة، فماذا أنتم فاعلون؟.
المصدر
- مقال:الإصطفاف العقلاني في زمن الخرافةموقع:شبكة رصد الإخبارية