الداعية الرباني

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الداعية الرباني


بقلم : الأستاذ صلاح عبد المقصود

في ليلة مباركة، وشهر مبارك، شاء الله أن يقبض إليه روح فقيد الدعوة الإسلامية الأستاذ مصطفى مشهور، بعد حياة حافلة بالدعوة والجهاد.

كانت حياته يرحمه الله نموذجاً للدعاة إلى الله، فقد كان مثالاً في الزهد والصبر والمصابرة، كان يعيش هموم دعوته وهموم أمته. ذاق مرارة السجون في 1949م إلى 1952م، ومن 1954م إلى 1964م، ومن 1965م إلى 1971م فصبر واحتسب.

وخرج من السجن في عام 1971م ليقوم بجهد كبير في إعادة البناء، فانشغل بتربية الشباب على فهم الإسلام، وجاب مصر بجامعاتها ومدنها وقراها في دأب وصبر.

كثيرًا ما كنا نراه في السبعينيات متجولاً من محاضرة إلى درس.. كان يتنقل بحقيبته التي تحوي مصحفه ومستلزماته الشخصية، ولا يقر في بيته إلا قليلاً.

كانت الدعوة شغله الشاغل، وتربية الشباب وإعداده هدفه الذي أوقف حياته له، وكانت قضية توريث الدعوة في الأجيال الجديدة همه الأكبر. كان دائمًا يبث الأمل في نفوس الشباب ويبشرهم بأن المستقبل للإسلام. حياته كانت مشاريع دعوية.. فهو صاحب مشروع الدعوة الفردية، وقعّد له، ومشروع صناعة الرموز، بحيث تستطيع أن تجد في أي مكان رموزاً للدعوة يمكن الاتصال بهم.

وكان صاحب مشروع رديف القائد بحيث إذا غاب المسئول لسبب ما لا يتأثر عمله الذي يقوم به.

وهو صاحب مشروع الاهتمام بالأسرة كخلية أولى للدعوة، وتوجيه الاهتمام إلى النساء والفتيات. وكان دائماً ما يوصي بالاهتمام بالأبناء وتربيتهم على قيم الإسلام وآدابه.

كان قيام الليل جزءًا من برنامجه اليومي الذي حافظ عليه منذ دخل السجن لأول مرة في عام 1949م إلى أن لقي ربه.

وكان يقول إنه حافظ على هذه العادة حتى أيامه الأخيرة، ويذكر أن زوجته التي رحلت منذ خمس سنوات دائماً ما كانت تشاركه هذه العبادة إلى أن لقيت ربها.

كان عالي الهمة تجده دائم الذكر لله، يوجه الشباب إلى أن طريق الدعوة إلى الله يحتاج إلى زاد، وكثيراً ما كتب عن زاد الطريق الذي ينبغي أن يلتمسه الداعية في الصلاة والذكر وقراءة القرآن وقيام الليل وصوم النوافل والدعاء.

عرفت الفقيد منذ خمسة وعشرين عامًا عندما كنت أدرس الإعلام بجامعة القاهرة وزارنا بالكلية ليلقي محاضرته، ولفت نظري روحانيته العالية، وتجرده الخالص، ودأبه في الدعوة.. خرجنا معه لتوصيله إلى خارج الجامعة فلم نجد له سيارة خاصة. بل ركب الحافلة العامة المكتظة بالركاب!

ومن يومها تعلق قلبي بهذا الداعية الرباني الذي آثر حياة التواضع والزهد، وأفنى حياته في سبيل دينه، كانت كلماته الصادقة تنفذ إلى القلوب بسهولة؛ لأنه ببساطة يمارس ما يدعو إليه.

انظر إلى مسكنه.. كان عبارة عن وحدة سكنية صغيرة ضمن عمارة تضم أكثر من ثلاثين وحدة، وتقع في شارع جسر السويس بالضاحية الشرقية من القاهرة، وكان يرحمه الله قد انتقل إلى هذه الوحدة بعد أن أثَّر الزلزال الذي ضرب مصر 1992م على المنزل الذي كان يقيم فيه من قبل وأصابه بالتصدع.

لم يورث مالاً ولا عقاراً ولكن ورَّث الدعوة المباركة ليحملها السائرون على الدرب في أكثر من سبعين دولة.

كان متواضعاً.. إذا دخل مقر الإخوان طاف على مكاتبه ليلقي على الموجودين فيه التحية، ويصافحهم، ولا يتخلف عن التوجه إلى السعاة والفراشين ليسلّم عليهم.

سيارته لم يكن يستقلها وحده بل كان حريصاً على أن يصطحب معه أكثر من أخ ممن يسكنون قريباً منه أو في طريقه.

وكثيراً ما كنا نشاهده يطلب من مساعده الانتظار حتى يلحق به أحدهم. كان.. إذا اعتقل فوج من الإخوان أو تعرضوا لمحاكمة.. حريصاً على تلمس أحوالهم وأحوال أسرهم ويأمر باتخاذ ما يلزم نحو رعاية أبنائهم وأهليهم..كنت تجده يطلب أرقام هواتفهم ليتصل بنفسه بالأسر التي غاب عنها عائلها ليطمئن عليهم أو يهنئهم بحلول مناسبة كريمة. كان إذا رآك سألك عن أحوالك الخاصة.. عن زوجتك وحالها مع الدعوة.. عن أولادك وعلاقتهم بالله.. وعن دراستهم..

كان خفيض الصوت لا تفارق الابتسامة وجهه، رفيقاً بمن حوله، يداعب زوَّاره، يمزح مع مساعديه، يرفع الكلفة التي بينه وبين موظفيه. لا يتسلم عملاً أو تقريراً أو بحثاً أو يتلقى خدمة من أحد موظفيه أو إخوانه إلا قدم الشكر له ودعا له بخير.

كانت الدعوة إلى الله وأحوالها وشؤونها في مصر والعالم شغله الشاغل وهمه في الليل والنهار.

عندما تزوج شاباً، ودخل على عروسه، قال لها: اعلمي أنني متزوج بأخرى!! فذهلت وسألته كيف ومن هي؟ قال: إنها دعوة الإخوان المسلمين.. هي ضرتك! قالت: وأنا قبلت، ورافقته مسيرة حياته في هذه الدعوة صابرة راضية مطمئنة.. وفي أشد المحن وأعتاها حفظته في نفسها وبيتها وأولادها. كانت تدبر معيشتها في حدود الإمكانات المتاحة، ولا أنسى ما سمعته من ابنته الداعية "وفاء" كيف وصل الحال بالسيدة حرمه عندما كان سجيناً ولم تجد كسوة جديدة لبناتها "سلوى ووفاء وسمية" فما كان منها إلا أن نزعت "أغطية" الكراسي "ومفارش" الأرائك لتصنع منها فساتين لبناتها.ومرة أخرى تنزع بعض ستائر المنزل لتعيد تفصيلها في شكل فساتين جديدة لبناتها.

يعرفه أهل الحي فهو الذي يسبقهم إلى الصلاة وولوج المسجد. وكانت له عادة حافظ عليها، إذ ينزل دائماً من بيته مبكراً قبل صلاة المغرب ليضيء أعمدة الكهرباء المحيطة بالمسجد، حتى يمشي روّاد المسجد في النور.

يعرفه أيضًا أبناء الحي إذ كان دائماً يحمل الحلوى في جيبه وهو متوجه إلى الصلاة، ويهدي منها الأطفال، وكانت قطع الحلوى مغلفة بأغلفة ملونة، فيخرجها أحياناً من جيبه ويسأل الطفل: ماذا تختار؟ الحمراء أم الخضراء أم الصفراء وكثيراً ما كان يهديه من كل الألوان. وكان دائماً ما يحمل في جيبه بعض النسخ من أذكار الصباح والمساء "المأثورات". فإذا لمح زائراً جديداً للمسجد سلم عليه وتعرف إليه ثم أهداه منها.

كان متعلق القلب بالمساجد لا يتخلف عن صلاة الجماعة، حتى في آخر لحظات حياته، عندما جاءته الغيبوبة وسقط من سريره على الأرض وجرح وجهه، دخلت عليه ابنته السيدة سلوى وأخذت تنادي عليه لتوقظه وشاء الله أن يفيق ويتم إسعافه من الجرح، وكان أول سؤال له: هل أذن العصر فيقولون إنه أوشك، فيطلب الوضوء، ويصر على النزول إلى المسجد، وأهل البيت ينصحونه بالصلاة في منزله نظراً لحالته الصحية ولكنه يصر على النزول.

كان آخر أعماله صلاة العصر في المسجد ثم ختام الصلاة، وعندما نهض ليخرج من المسجد سقط مغشياً عليه. عندما مات بعد أذان المغرب ليوم التاسع من رمضان أُرسل خبر وفاته إلى وسائل الإعلام، وأذاعته العديد من وكالات الأنباء ومحطات التلفزة العربية والعالمية، إلا في بلده مصر.. فقد كتب الخبر لينشر في الصحف التي ستصدر صباح الجمعة إلا أن التعليمات صدرت برفع الخبر!!، فلم يفلت إلا في إحدى صحف المعارضة.. ورغم ذلك توافدت الألوف المؤلفة من كل صوب وحدب.. من مدن مصر وقراها.. من أقصاها إلى أقصاها.. لدرجة جلوس البعض في المسجد من صلاة الفجر حتى صلاة الجمعة.

ورغم قيام أجهزة الأمن بمنع ألوف الشباب من المشاركة، ووضع الكمائن على مخارج المحافظات ومداخل القاهرة إلا أن عدد المشاركين أثار دهشة المراقبين.

لقد امتدت جنازة الداعية مصطفى مشهور لمسافة سبعة كيلومترات وسار الشباب خلف جثمانه لمسافة تزيد على العشرة كيلو مترات، واستمر تشييع الجنازة ثلاث ساعات.

رأينا هذه الحشود التي تعد بمئات الألوف، معظمهم من الشباب ( 15 إلى 30 سنة) جاءوا من تلقاء أنفسهم دون إجبار.. وبعد الدفن انصرف الشباب كما تجمعوا في هدوء، ورغم الأعداد الهائلة لم تسجل حالة واحدة من الخروج على النظام.

رحم الله الداعية الكبير.

المصدر