الراجل الشامخ وعصابته
بقلم: نصر القفاص
قبل عامين.. كتبت على صفحات «المصرى اليوم» عن «الفاشل العصامى».. كنت واضحاً وصريحاً، مؤكداً أن «صفوت الشريف» يستحق هذا الوصف.. وبعدها بشهر ونصف تناولته فى مقال آخر بعنوان «الراحل».. تلك ملحوظة يجب الإشارة إليها قبل أن أتناوله اليوم..
شاهدته قبل أن يتوج إنجازاته ضد مصر، يقف أمام عدسات التليفزيون قائلا: «نحن شامخون».. وكان يطبق منهج وزير الدعاية النازى.. ثم اختفى مع دخان احتراق مقر «الحزب الوطنى الافتراضى».. ترك خلفه ميليشيا من عديمى الكفاءة والموهبة، يتحكمون فى المؤسسات الصحفية الأمنية – شهرتها الحكومية أو القومية – بحث عنهم.. وجدهم فى ذيل الذين يهتفون لثورة ٢٥ يناير!!
أعظم إنجازات الشباب، أنهم جعلونا نعيش بلا تصريحات أو صور «رموز» المرحلة القديمة.. ولو أننى استطردت لأكتب أسماءهم لما بقيت لى من مساحة أطرح فيها رؤيتى.
أين ذهب الرجل الشامخ وعصابته؟!.. كلهم يحاولون الهروب من مواجهة الشعب المصرى العظيم – الشقيق سابقا – كلهم ناقمون على «الجالية المصرية فى القاهرة» بعد أن أصبحت شعبا ووطنا يحترمه العالم.. لكن المثير فى فلولهم أنهم لا يخجلون.. يعتقدون فى امتلاك القدرة على خداع الأمة.. يراهنون على أن ذاكرة مصر ضعيفة.. أحدهم تم خلعه من فوق مقعده بالقوة.. ودفعوه إلى الأسانسير بشكل مهين..
ولكنه لم يخجل وعاد مرة أخرى لتسيير الأعمال.. وأطلق مدير أمن التليفزيون على العاملين بالمبنى.. يهدد الرجال بتلفيق قضايا أمن دولة.. استدعى عدداً من السيدات الفضليات، ليهددهن بتلفيق قضايا آداب.. العصابة تحاول الإيحاء بأن عقارب الساعة يمكن أن تدور للخلف.. وفى باقى المؤسسات الصحفية أطلق رجال «الرجل الشامخ بسلامته» تهديدات من النوع ذاته.. أحدهم قال لزميل صحفى: «إياكم أن تتخيلوا أن هذا المولد سيستمر»..
أذكر تلك الأمثلة لأؤكد أن فلول النظام يعتقدون أنهم أقوى من أركانه.. والدليل على ذلك أن رجال الشرطة الذين اختفوا فى الوقت العصيب، عادوا متظاهرين بأنهم ثوار.. كنا نعتقد فى أن لديهم قليلاً من حمرة الخجل.. كما كنا نعتقد انهيار «أحمد عز».. ويبدو أننا نكون سذجاً وبلهاء إذا اعتقدنا أن الذين نهبوا ثروات الوطن سيرفعون الراية البيضاء.. الحقيقة أن المعركة بدأت.. فأولئك يستهينون بتلاحم الجيش مع الشعب.. يحاولون خلط الأوراق وإثارة الاضطرابات والشغب، ليبدو المجتمع فى حالة عدم استقرار..
تلك لحظة فارقة ستكشف حقيقة التواطؤ مع رموز المؤامرة على مصر.. الشباب الثائر، الذى خلع النظام، شرع فى البناء وتنظيف ميدان التحرير.. رفض الأبطال البكاء على شهداء الأمة فقط.. راحوا يمارسون «نوبة صحيان» ويوجهون الدعوات للشرفاء من أجل التطلع للمستقبل.. على العكس كان فعل الهاربين من الميدان والخانعين لسنوات طوال، ظهروا علينا فى ثياب البطولة الزائفة.. يحركهم «الراجل الشامخ وعصابته» مع قادة جيش نهب ثروات الوطن بقيادة الجنرال «أحمد عز».. عادت مصر.. وذهب حسنى مبارك.. وبقى الذين تعودوا على تنفيذ أوامر من أستطيع أن أصفهم بالخونة.. وكلى ضمير مستريح.
سقطت أركان النظام، بفعل شباب الوطن المحترمين.. بقى لنا إسقاط منهج النظام بكل مفرداته من نهب وتهديد وترويع.. والمنهج ذاته فيه المحسوبية والرشوة والعشوائية والفساد.. تفاصيل المنهج تضم شرحاً وافياً لمعانى كلمات الكذب والزيف والخداع وانتحال شخصية الشريف المحترم والثائر..
فإذا كنا قد شهدنا الشباب يحرق عنوان الكتاب.. فيجب علينا أن نحذر من أن الكتاب نفسه مازال معروضاً فى جميع الهيئات والمؤسسات والمحافظات وعدد كبير من الوزارات.. صحيح أن نفراً قليلاً من رموز الفساد تمت إحالة أوراقهم للقضاء.. لكن باقى عصابة الفساد مازال يمرح فى المجتمع محاولاً الالتفاف على الثورة.. هذا يعنى أن سيادة المستشار الدكتور «عبدالمجيد محمود»، النائب العام، عليه إصدار بيانات متتالية لتبصير الأمة بما يجرى من تحقيقات..
ويعنى أن رئيس الوزراء الدكتور «أحمد شفيق» مطلوب منه تعيين متحدث رسمى يخاطب الرأى العام بما يفعل وما يواجهه من صعوبات.. أما المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد سبقهم إلى ذاك الفعل بتلك البيانات، التى تأخذنا إلى شواطئ الهدوء والاستقرار.. لم يعد مقبولا فى زمن أشرقت فيه شمس «ثورة ٢٥ يناير» أن تهطل علينا أمطار ما قبله من تاريخ.. ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار بالحياة فى ظل عواصف أيام «الراجل الغامض وعصابته» بكل ما فيها من سموم!!
نعلم أن خطاً فاصلاً بين الماضى والمستقبل، وضعه الجيش والشعب يوم ١١ فبراير.. لكننا نعلم ما قبل هذا الخط الفاصل، ونعيش غموضا حول ما بعد ذاك الخط الواضح.. هذا يجعلنى أدعو الشباب إلى حماية ثورتهم.. عليهم إعلان الرفض لحالة الغموض تجاه التحقيق مع المتهمين بالفساد.. عليهم رفض أن يقوم الفاسدون بتسيير أعمال الوزارات والمحافظات والهيئات والمؤسسات..
عليهم أن يعيشوا فى يقظة دائمة، فهم – فقط – شهادة ضمان ثورتهم.. وإن كنا نملك دعما لهم فنحن لا نملك قدراتهم وطاقاتهم.. فقد هزمتنا السنون قبل ٢٥ يناير.. ونخشى أن يهزمنا الصمت والاستسلام للفرحة والسعادة بما حدث يوم ١١ فبراير.. لم ننتظرهم ليحققوا الحلم المستحيل.. لكننا ننتظر منهم القتال للدفاع عن حلم الأمة.. وليغفروا لنا أننا نفهم ما يحدث، دون قدرة على مقاومة الأحداث!
المصدر
- مقال:الراجل الشامخ وعصابتهجريدة المصرى اليوم