الشرق الأوسط الجديد القديم
بقلم : محمد الجندي
مخالب الإدارة الأميركية تمتد اليوم إلى كل العالم، وتتسبب بالفقر والجوع والمجازر لجميع الشعوب، ومن الجملة الشعب الأميركي.
غير أن الشرق الأوسط يؤلف حالة خاصة، لها أقنومان، الأول هو البترول، والثاني هو إسرائيل.
البترول يؤلف نقطة على أعلى درجة من الحساسية بالنسبة للإدارة الأميركية، فهي مستعدة لحرب عالمية من أجله، وهي إضافة لذلك، تريد اليوم وضع اليد مباشرة على منابعه باعتباره ثروة قابلة للنفاد، وترغب أن تستنفده دون شريك.
وإسرائيل كمشروع أميركي ـ صهيوني هي أيضاً نقطة في غاية الحساسية للإدارة الأميركية، وهي مستعدة لحرب عالمية من أجلها. وليس هناك تهديد دولي، لا للبترول، ولا لإسرائيل، ولكن كان وما يزال ثمة أمران يعكران مزاج الإدارة الأميركية. الأول هو الشأن الفلسطيني، والثاني هو طموحات شعوب المنطقة، التي تمثلت بالموجة التحررية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
الشأن الفلسطيني يمكن حله أميركياً وإسرائيلياً بإبادة الشعب الفلسطيني. وهذا ما حصل في أربعينيات القرن الماضي، حيث جرى تشريد أغلب الفلسطينيين وهدم بلداتهم وقراهم لتصبح غير موجودة لا في الواقع ولا في الذاكرة، وحيث قضمت الإدارات العربية المحيطة ب فلسطين ، ما فاض عن الاحتلال من فلسطين، ليصبح كل ما يتعلق بفلسطين غير موجود (هناك أردن و مصر و سوريا و لبنان ، أما فلسطين ، فلا وجود لها).
واستطاع الفلسطينيون المشردون أن يعيشوا في البلدان العربية المجاورة، فلم تكن الأبواب مغلقة عليهم تماماً، كما هي عليه اليوم، وكان منفذ في ذلك لقيام الشعب الفلسطيني من بين الأنقاض.
ربما لم يكن ذلك في الحساب.
كانت الإدارات العربية موالية للإدارات الاستعمارية، وربما كان ظن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية أن تضيع الهوية الفلسطينية ضمن الهويات في البلدان المجاورة. لم تضع الهوية الفلسطينية.
المشكلة لدى الإدارة الأميركية كانت في ظهور الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى، ونتيجة ذلك ظهرت كتلة بلدان اشتراكية، وظهرت حركات تحررية، حررت من الجملة الصين وفيتنام وكوبا على أرضية الاشتراكية العلمية، وحررت بلداناً عديدة على أرضية وطنية، وكان في ذلك درس واقعي لجميع الشعوب المستعبدة، أو نصف المستعبدة.
غير أن كل ذلك كانت تنخره الرواسب الطائفية والعنصرية المغذاة من كل مراكز الرجعية الدولية.
وذلك النخر فعل الكثير، ربما هو الذي كان في أصل التناقض السوفييتي ـ الصيني، بدءاً من خمسينيات القرن الماضي، التناقض الذي قلب الطاولة في الأوضاع الدولية لصالح الرجعية الدولية. وعلى صعيد العالم الثالث كان النخر إياه في أصل صعود مختلف الرجعيات الطائفية والعنصرية، بل والقبلية، إلى الإدارة في بلدانه.
لقد نالت المستعمرات القديمة استقلالها تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تفرح بذلك الاستقلال، فالإدارات الرجعية بمختلف أطيافها أخذت بخناق بلدانها، وهذه كانت مهمتها الداخلية للحفاظ على النفوذ وعلى الاستغلال الاستعماريين، ومهمتها الخارجية كانت وما تزال محاربة التقدم في كل مكان، ممثلاً بالشيوعية أو بالتحرر الوطني.
الشرق الأوسط ورث عن الحربين العالميتين الأولى والثانية أوضاعاً رجعية مغلقة وغزواً صهيونياً ل فلسطين ، تمخض عن قيام إسرائيل في 1948.
وورث أيضاً انقلابات عسكرية أطاحت بالرجعية التقليدية في البلدان العربية، وكان في ذلك تقدم، ولكنه نقل النفوذ موضوعياً من الاستعمارين الأقدمين، الفرنسي والإنكليزي إلى الاستعمار الأميركي.
ولكن بالتفاعل مع الاتحاد السوفييتي ظهرت في ستينيات القرن الماضي موجة تقدمية أي موجة تحرر وطني من الاستعمار، وكان في ذلك تناقض مع الإدارة الأميركية، وأيضاً مع الإدارات الرجعية العربية.
الحرب «الوقائية» التي شنتها إسرائيل في 1967 على مصر و سوريا ، كانت مهمتها إزالة ذلك التناقض.
كان البلدان غير مستعدين، وكان أمامهما مشوار طويل، كي يستكملا الأساس التقدمي للبناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، فتكبدا، والحالة هذه، هزيمة نكراء في ستة أيام. وكانت الهزيمة نقطة انعطاف هامة بالنسبة للرجعيتين الإقليمية والدولية. لقد اعتبرت فشلاً للتقدم، وأصبحت الرجعية الإقليمية هي المرشحة لقيادة المراحل التالية، وقادت المراحل التالية في ظل الهيمنة الأميركية، وبدعم الأموال البترولية وأموال المخدرات. كل ما تبقى هو أمور تفصيلية؛ رحلة الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى إسرائيل ثم عقد اتفاقات كامب ديفيد، الحرب الأهلية في لبنان ، الغزو الإسرائيلي ل لبنان (1982 ) والاحتفاظ بالشريط الجنوبي، حرب الخليج الأولى بين العراق و إيران ، حرب الخليج الثانية، التي انتهت بالحصار الأميركي الخانق لل عراق ومهدت لمؤتمر مدريد 1991 ، الاتفاقات الإسرائيلية ـ العربية المعلنة (أوسلو ، وادي عربة) ونصف المعلنة، الحرب الأميركية على «الإرهاب» بعد حدث 11 أيلول ( سبتمبر ) 2001 ، واحتلال أفغانستان و العراق ، الحرب الإسرائيلية في 12 تموز ( يوليو ) 2006 على لبنان ، الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين بمستوى الإبادة، التهديد الأميركي المباشر، الذي يتعرض له لبنان وسوريا وإيران.
الشرق الأوسط الحالي تعيث فيه الرجعيتان الدولية والإقليمية تخريباً.
العالم كله أصبح مسرحاً ضخماً للجريمة: خطف الرقيق، ومن الجملة الأطفال أصبح معمماً، طبعاً بمسحة عصرية، فالعبيد الهسبانيك المهربين من أميركا اللاتينية، وخصوصاً من المكسيك، ويعملون تحت الطاولة في الولايات المتحدة يعانون أكثر من العبيد القدامى أو على الأقل مثلهم، والعبيد الأفارقة الذين تنقلهم تجارة التهريب إلى أوروبا، ويغرقون، أو يحجزون في معسكرات، أو ينجحون في العمل تحت الطاولة، يعانون الكثير بمختلف أطيافهم، وفضحت حادثة تشاد (أخبار 26/10/ 2007 ) باعتقال فرنسيين (تسعة) تابعين لمنظمة فرنسية، مهمتها خطف الأطفال وبيعهم.
وتجارة الدعارة هي تجارة رقيق حقيقية حجم أعمالها بالمليارات، وموادها الأولية تأتي، أو تساق من بلدان الاشتراكية العلمية السابقة، وأيضاً من فقراء آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
والفساد في العالم لم يعد مجرد اختلاس للأموال، وإنما أصبحت الجريمة مادة أساسية أولية له: الحرائق التي أصبحت لا تترك بلداً تقريباً، هي من ذلك الفساد، تجارة المخدرات هي من الفساد، تجارة السلاح هي من الفساد، تجارة جرائم التجسس والاغتيالات هي من الفساد، تجارة الأمن (الشركات الخاصة للأمن أو للسجون) هي من الفساد المشروع (كيف يحق لقوات غير بوليسية وغير عسكرية أن تمارس القتل والقمع سواء في بلدانها أم في بلدان الغير؟).
وإذا تركنا موضوع الاتجار بالجريمة، الذي تمارسه الإدارات بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، من خلال العصابات المرتبطة بتلك الإدارات، فإن الشرق الأوسط يعيش حالياً أوضاع مأساوية.
العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة، المنطقتان تعانيان الإبادة الجارية عليهما من قوات الاحتلال. وهذه الإبادة مباركة من الإدارات العربية.
أيضاً التوترات الطائفية والعنصرية هي في كل مكان، والإدارات ذات العلاقة تساعد على انفصال القبائل في الشمال الأفريقي، وعلى قمع هذه الطائفة أو تلك في أماكن أخرى.
طبعاً الإدارتان الأميركية والإسرائيلية تلعب أدواراً قذرة في كل ذلك، ولكن الإدارات ذات العلاقة تعزز الدور الاستعماري. وتساعده، فلا تفكر، مثلاً، ولا يمكن أن تفكر بتركيبتها، في حلول ديمقراطية تحافظ بها على وحدة بلدانها، أو في حلول تقدمية تساعد في خروج الأغلبية الساحقة في بلدانها من الفقر.
الخروج من الفقر، والعيش في كرامة وطنية وفي تعددية ثقافية، يساعدان تدريجياً على إنهاء كل التوترات، وعلى التضامن الوطني.
موجة الفساد الدولية تشمل الشرق الأوسط، فنجد هنا كل عناصر (الدعارة، الجريمة، المخدرات، التهريب بأنواعه) أيضاً نجد التسمم بالأطعمة الفاسدة، وبالمياه الفاسدة، وبالنفايات الخطيرة، وبتلوث البيئة، وبالجرائم الصحية، ونجد انهيار المباني، وضعف الوقاية والصيانة.. الخ.
المسألة الوطنية محاصرة في أضيق الزوايا.
بالعكس موجة الطروحات الهمجية هي المسيطرة بدءاً من الشعوذة الفردية (التنجيم والسحر وتفسير الأحلام.. الخ)
حتى الشعوذة السياسية والفنية والثقافية.
كل ذلك لا يرضي الإدارة الأميركية، إنها تريد، أولاً، إنهاء كل مقاومة ولو نظرية، للهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية، ثانياً، إنهاء البلدان الحالية وتحويلها إلى بانتوستانات (مشيخات قبلية ـ طائفية) متخلفة وضعيفة، ثالثاً، الاستيلاء المباشر على منابع البترول.
والإدارة الأميركية متحالفة مع الإدارات الأوروبية في كل ذلك ومتحالفة أيضاً عموماً مع الإدارات الشرق ـ أوسطية، مع أن المخطط ضد هذه الإدارات.
والشرق الأوسط الجديد المؤلف من مزق بانتوستانية تعيش في فضاء قاحل تحت النير الأميركي ـ الإسرائيلي، يؤلف هزيمة كبرى وتاريخية للتقدم في العالم، ويؤلف بداية لظلام لا نهاية له يلف العالم كله.
الحياة هي التي ستنتصر، وليس الموت، والشرق الأوسط، إما أن يتحول إلى مراكز إشعاع تحرري للعالم أو إلى مقبرة للتقدم.
أي لا يستطيع الشرق الأوسط أن يبقى على ما هو عليه، فريسة ضعيفة للاستعمار الدولي، ولكل ما ينطوي عليه من جرائم وكوارث.
ستمر أيام صعبة جداً على الشرق الأوسط، ولكن الحياة هي التي ستنتصر رغم الظلام، الذي يخيم عليه، ربما هذا اعتقاد غيبي، ولكنه مبني على كون شعوب الشرق الأوسط بوجه خاص كانت تاريخياً صعبة على الافتراس.
نتمنى أن يهز الخطر القوى السياسية الراكدة، ويجعلها تتفاعل مع قوى العالم المعادية للإمبريالية.
لا يكفي أن تكون المقاومة العراقية شوكة في حلق الاحتلال، وإنما من الضروري أن تكون جزءاً من خنجر عالمي في جسد الاحتلال.
يتطلب إنقاذ الشرق الأوسط المقاومة وتفعيلها مع المقاومة العالمية لهمج القرن الواحد والعشرين.
المصدر
- مقال:الشرق الأوسط الجديد القديمالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات