الشريعة والفساد بقلم خالد أبو علي
جاء من أرض الكنانة وأم الدنيا كما يحب أن يطلق عليها أهلها والمغرمون بها مصر العروبة إلي السودان ، يحدوه أملاُ ومشاعر جمة ولهفة وشوق وقد وجد ضالته في دولة الشريعة والحكم الأسلامي الرشيد ، فجمع ما لديه من مال وتوجه إلي جنوب الوادي بعد أن حدثته نفسه بأنه قد وجد ضالته في تلكم البيئة الأسلامية الصالحة والمعافاة لماله وأسرته ولدينه ، تنقل بين الولايات المختلفة بحثاً عن تلكم البيئة التي يمكن الأستثمار فيها ، وبعد طول عناء ووعثاء سفر وتجارب أقل ما توصف أنها كانت مريرة ، قصد مرة أخري منزل الوالد الشيخ صادق عبد الله عبدالماجد حيث إلتقيته في منزل الشيخ العامر ، فقد كانت محطته الأولي وانطلاقته بعد أن قدمت ووطئت قدماه الخرطوم ، وأيضاً كانت الأخيرة وهو يختم تلكم الزيارة والتي عبر عنها بأنها كانت تاريخية ، وبالفعل كانت كذلك وأنا استمع إلي الرجل وكذلك الوالد الشيخ صادق ، وقد إحمرت بشرته وزبلت الجفون من شدة التعب والمعاناة ، وأختصر تقريره للشيخ بأنه قد وجد السودان كسراب بقيعة يحسبه الظمآت ماء ، حتي إذا جاءه لم يجده شيئاً ، وتحسرت أولاً علي السودان قبل التحسر علي الرجل وما هدره من وقت ومال ، وهو في قمة المعاناة والأحباط لم ينسي أن يرطب الجو بقفشة من قفشات الأخوة المصريين ، حيث قال بلهجة صعيدية بان السودان ده عاوز مال قارون وصبر أيوب ، ثم ودعنا الرجل في محاولة بائسة منًا لمواساته وقفل راجعاً لأرض الكنانة ومصر العروبة
تلكم الصورة والواقعة كانت تقريباً قبل خمسة عشر من الأعوام ، كان الفساد فيها وليداً صغيراً حينها ، حيث نما الآن وترعرع في بيئة خصبة ومرتع قد خلا من الحسيب والرقيب ، فعندما ينعدم الوازع الديني والأخلاقي وتقدم المصلحة الخاصة علي العامة يجد الفساد طريقه لينخرفي جسد الأمة ، لم نسمع بالربا والفوائد الربوية والمعاملات إلا في عهد الأنقاذ ، فالربا عرف في عهدها المجيد وتميز بعض التجار به والعياذ بالله ، ثم أخذ الفساد أشكالاً ووسائل مختلفة تعدت الأفراد ولتطال المؤسسات ، وظهرت بعض الأسماء النكرة التي تدعي الغني والثروة والمال والجاه ، من خلال صفقات مشبوهة مع أفراد مشبوهين ، وطالت تلك الصفقات الكثير من المؤسسات الوطنية التي منع عنها الدعم عمداً وقصدا لتسقط بعد النجاح ولتبتلع وتقتلع من الدولة وبأيديها وهي التي سنت قانوناً ولجنة لخصصة المؤسسات والشركات والمصانع الحكومية ، وأذكر حينها وقفة المراقب العام السابق الوالد الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد ووقفته الصلبة لما يعرف بالخصصة ، فقد صدح بقول الحق وأبان وأعذر لله ، ونحن شهوداً علي ذلك وكل أهل السودان ، وما زلت أذكر إنتقاد بعض الشيوخ من الأخوان للشيخ وأن الحديث والكتابة عن هذا الموضوع يجب أن يتوقف ذلك لأنه يحرج الأخوان مع الدولة، والآن نري ما نبه عليه الشيخ صادق واقعاً معاشاً وقد أقرت به الدولة نفسها وبرمزها، وبعد أن أستفحل هذا الداء في جسد الأنقاذ بدأت بالتنكر له وهي من رعته وليداً ، والآن قد بدأت تراجع بعض ما خصصته الأنقاذ مثل الناقل الوطني سودانير ، تلكم الصفقة المشبوهة والتي تنفع منها العديد من المتنفذين وأصحاب القرار
إن حمل الأمانة ثقيل ، ويحتاج إلي تجرد وإخلاص حقيقي ، ويحتاج إلي تنزيل كل القيم التي حوتها شريعة الله ، وليست الأمانة شعار يرفع من قبل الدولة والحكومة بقدر ما هي تطبيق عملي يحسه المواطن ، لقد شوهت الأنقاذ هذا الشعار الأسلامي وأسائت لهذه التجربة الأسلامية ، وصمت الكثيرون وتخازلوا عن مناصحتها ومنهم الأخوان ، وأصبح أهل اليسار ومن شايعهم من العلمانيون يتخذون هذه التجربة مثلاً لفشل الدولة الأسلامية والدينية ، وهم يملكون من الأدلة والأمثلة ما لا يستطيع أحد إنكاره ، وما زلت أذكر تصريح حسن الترابي عن الفساد ونسبته بين الأسلاميين حيث قال أن النسبة قد بلغت 90% ، وحاول الكثيرون أن يجعلوها 9% وكأن ذلك أخف الضرر علي المسامع ، لقد أدرك الكثيرون حقيقة فساد الدولة منذ أمد بعيد وبدأوا بالتنبيه والأشارة وعلي رأسهم الوالد شيخ صادق ، وأقرت الدولة أخيراً بالفساد وحجمه بأن كونت مفوضية خاصة لمحاربته ، الآن وقد بلغ السيل الزبي وأثقلت المعاناة الوطن والمواطن ، ولم يبقي لحكومة الأنقاذ إلا ورقة التوت لتسد بها عورتها ، وها هي ترفع الشعار مرة أخري وليعلن الرئيس البشير خلال إحتفالات البلاد بعيد الحصاد في القضارف بأنه الآن سيحكم بالشريعة في كل الشمال ، وستكون المرجع والحكم والفصل ، ولا أدري بحق أين كانت الشريعة خلال حكم الأنقاذ ومنذ إنقلابها عام 89
سنظل نلهث وراء السراب ونأمل في مقبل الأيام والتي حتماً ستكون عجافاً علي السودان وأهله ، وما زلنا نأمل في جماعة الأخوان أن تصحو من غفوتها وإرتهانها لتدفع مسيرة الأصلاح في السودان ، ونأمل أن يكون فجر ذلك اليوم قريب والله المستعان
المصدر
- مقال:الشريعة والفساد بقلم خالد أبو عليموقع:الإخوان المسلمون السودان
