الطبقة المتوسطة بين الاخوان وعبد الناصر
المقدمة
تعتبر الطبقة الوسطى هى صمام أمان أي مجتمع ودليل على استقراره ، وعلى قدر اتساع قاعدة هذه الطبقة تكون عافية المجتمع وصحته . وتتأثر قوة واتساع وتأثير تلك الطبقة بالعوامل السياسية مدا وجزرا ، قوة وضعفا .
وتاريخيا كانت سلطة الدولة المصرية منذ تأسيسها على يد محمد على تحاول السيطرة على عصب المجتمع المصرى ، اى على الطبقة المتوسطة فيه . وتاريخيا ايضا كانت جماعة الإخوان المسلمين هى التى تمثل العمق الآمن لهذا المجتمع ، بمعنى انها كانت تقاوم (استيلاء) السلطة على الطبقة المتوسطة فى المجتمع المصرى . سواء ايام الملكية او فى ظل الحكم العسكرى الممتد من 1952 الى الان (2022) .
نتعرض لتطورات تلك الطبقة من خلال تعامل جماعة الإخوان المسلمين معها ، وذلك خلال فترتى حكم فاروق وعبد الناصر .
تعريف الطبقة المتوسطة واثرها
جرت العادة الى تقسيم المجتمعات حسب الدخل الى ثلاثة طبقات ، طبقة الاغنياء وطبقة الفقراء ، وبين هاتين الطبقتين طبقة (متوسطة) ، والتى تعتبر جسرا عابرا بين الطبقتين صعودا وهبوطا .
تظهر أهمية الطبقة الوسطى فى انها المسئولة عن تحقيق التوازن المجتمعى فهى تخلق التوازن بين الطبقات باعتبارها جسر بين الأثرياء والفقراء ، ومن ثم فهى تؤثر فى تشكيل المزاج الاجتماعى العام وحماية القيم الاجتماعية والثقافية من الانهيار حيث إنها احد الأعمدة الأساسية للاستقرار السياسى والسلم الاجتماعى، لأنها تفضل دائما الاعتدال فى المواقف (1)
ويشكل الشباب عادة السواد الأعظم من أبناء الطبقة المتوسطة ، ويتركز عمل أبناء الطبقة المتوسطة بشكل كبير فى الوظائف الحكومية، والمهن الحرة كالمهندسين، والأطباء، والمُعلمين، وأساتذة الجامعات . كما كان للطبقة المتوسطة دور كبير فى تدشين العديد من مؤسسات المجتمع المدنى، والنقابات المهنية والأحزاب، ووضع القوانين والدساتير، وقيادة منظومة التعليم، وتقديم الخدمات العامة .
هي تزداد اتساعاً في الدول المتقدمة حيث تشكل هذه الطبقة ما نسبته (٩٠٪) من اجمالي عدد السكان كما في السويد واليابان أو تتناقص هذه النسبة حتى تتلاشى في بعض الدول (2) وضعف تلك الطبقة يؤدى الى خلق فراغ اجتماعي تتمدد فيه كل عوامل الفوضى والاضطراب ، ويستمر هذا الاضطراب الى حين استعادة التوازن داخل المجتمع . وهكذا فان الطبقة الوسطى هي رأس المال الاجتماعي الحقيقي لأي مجتمع ، شرط تمتعها بقيم وبنية اقتصادية واجتماعية وتنظيمية تحميها (3)
الطبقة الوسطى نهاية العهد الملكى
تشكلت الطبقة المتوسطة خلال عهد الحكم الملكى من التجار والملاك والموظفين ، وهؤلاء بالعموم ارتبطوا بشكل او بآخر مع القصر . وكان كبار ملاك الاراضى الزراعية – في الفترة الملكية - يمثلون طبقة ليست كبيرة في المجتمع المصرى لكنها طبقة مؤثرة ، فثرواتهم جعلت لهم مكانة اجتماعية بين الناس ، مما ساعدهم على دخول الحياة السياسية والارتباط باصحاب السلطة .
ومع الوقت صار هؤلاء الملاك – بما يملكون – نخبة اجتماعية تؤثر في المجتمع وفى ذات الوقت يعتمد عليهم أصحاب السلطة في تحقيق أهدافهم المشتركة او الخاصة ، سواء كان هذا الحاكم سلطة القصر والملك او سلطة الاستعمار البريطاني ... (4)
وبرغم ان الحياة النيابية بدأت مبكرا في الدولة المصرية ، فاول مجلس نيابى كان في عام 1824 ، الا انها لم تكن بمجملها تدافع عن مصالح غالبية الشعب المصرى ، بل كانت تدافع عن مصالح السلطة الحاكمة . بطبيعة الحال كان هناك استثناءات من تلك القاعدة . وبالعموم كانت الطبقة المتوسطة اسيرة للسلطة ، فهى ولىُّ نعمتها وسبب وجودها !! لكن الامر تغير بظهور جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 ..
الإخوان المسلمون والطبقة الوسطى
تشكلت جماعة الإخوان المسلمين أساسا من أبناء الطبقة الدنيا والمتوسطة ، وتبنت الجماعة رؤية لاحداث نهضة إسلامية تعم المجتمع كله لا تستثنى منه احدا ، ليس في مصر وحدها ، بل في عموم المنطقة العربية والإسلامية . (5)
فمؤسس الجماعة نفسه حسن البنا ينتمى للطبقة المتوسطة ، وهو ابن لشيخ يشتغل بعلم الحديث ، دون ان يكون معاشه منه ، انما كان معاشه من تصليح الساعات ، وكان حسن البنا نفسه معلما ابتدائيا . نعم كانت الطبقة المتوسطة موجودة قبل حسن البنا بطبيعة الحال ، لكن لم تكن لها من يعبر عنها ، فافتقدت التنظيم والطموح ، مما يعنى في الأخير انها طبقة بلا انياب ، فيمكن للسلطة ان تتغول عليها ، بتحميلها مزيدا من أعباء الحياة .
فكانت الطبقة المتوسطة قبل الإخوان المسلمين وحالها هذه ، مهيأة لان تتدحرج نزولا الى الطبقة الأدنى (الفقيرة) وليس العكس .. بالاضافة الى افتقارها لاى ادوات تدافع بها عن مصالحها .. لكن الامر تغير بمجئ جماعة الإخوان المسلمين ، فاغلب منتسبيها كانوا من الطلاب والعمال والموظفين ، وبذلك اتسعت الحصة التى تشغلها الجماعة داخل الطبقة المتوسطة فى مصر ، مما وفر لها التأثير فى مجريات الاحداث لاحقا .
فمع تزايد اعداد المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين تزايدت كذلك الأنشطة الاجتماعية التى قام بها الإخوان المسلمون ، والتى انصبت بالأساس لصالح الطبقة الفقيرة والمتطلعة الى الترقى للطبقة المتوسطة . فرصة الترقى التى وفرتها جماعة الإخوان المسلمين لطبقة الفقراء كانت اكثر من تلك التى وفرتها اى جماعة او هيئة أخرى .
ففي عام 1933 عندما عقد الإخوان المسلمون مؤتمرهم الأول في الإسماعيلية، كانت الجماعة تضم 15 فرعاً (فرع في القاهرة، وخمسة أفرع في مدن القناة، والباقي في منطقة الدلتا) ، وفي منتصف عام 1936 بلغ عدد أفرع الجماعة إلى ما بين 100 و150 فرع. وفى منتصف عام 1937 قد بلغ عدد الأفرع 216 فرع ، وفي عام 1941 بلغ عدد الافرع الى 500 فرع ، وفى عام 1943 بلغ عدد افرع جماعة الإخوان المسلمين أكثر من 1000 فرع .
هذه الفروع افتتحت فيما بعد مراكز صحية واجتماعية بها ، تخدم الطبقة الفقيرة والمتوسطة . ففي عام 1934 صارت هناك مؤسسات ومشاريع خيرية في الغالبية العظمى من أفرع الجماعة. وفي عام 1935 بدأت بعض الأفرع في تقديم خدمات صحية مجانية .
وفي نهاية الثلاثينات بادر الإخوان بتأسيس مشروع لمحاربة الأمية، وقاموا بإرسال مجموعات من شبابهم المتعلمين لتعليم القراءة والكتابة في المقاهي الشعبية والنوادي والقرى. وقد امتلك الإخوان القدرة على القيام بكافة تلك المشاريع بسبب نجاحهم في التجنيد الواسع داخل أوساط المتعلمين من طلاب وأطباء ومدرسين. وقد تمكنت الجماعة من خلال تلك النشاطات في تكوين شبكة واسعة من العلاقات والمتعاطفين وسط الأحياء الشعبية والقرى. (6)
وقد كان الامام حسن البنا واعيا للظلم الواقع على تلك الطبقة المتوسطة فضلا عن الطبقة الدنيا ، مما يؤثر بطبيعة الحال فى عافية المجتمع واستقراره . حيث يقول : (إن التفاوت عظيم والبون شاسع، والفرق كبير، بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب، فثراء فاحش وفقر مدقع. والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة، والذي نسميه نحن الطبقة المتوسطة ليس إلا من الفقراء المعوزين وإن كنا نسميهم متوسطين) (7)
فهو يقف ضد السيطرة الأجنبية على الاقتصاد
- "إن الأجانب الذين احتلوا هذا الوطن .. قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه، شركات أو أفراداً، فالصناعة والتجارة والمنافع العامة والمرافق الرئيسية كلها بيد هؤلاء الأجانب"
وهو يرى ضرورة تمصير الشركات:
- "الأصول التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي توجب الاهتمام الكامل بتمصير الشركات، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك، وتخليص المرافق العامة من يد غير أبنائها"
لكنه، بالطبع، لا يطالب بتأميم تلك الشركات وإنما فقط بتحويل ملكيتها من رأس المال الأجنبي إلى رأس المال المصري.
وهو ينادى باعادة توزيع الملكية :
- "توجب علينا روح الإسلام الحنيف، وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، ونشجع الملكيات الصغيرة .. وأن نوزع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا"
وينادى كذلك بفرض الضرائب التصاعدية:
- "لابد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي بحسب المال لا بحسب الربح يعفى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة"
ويؤكد على احترام قدسية الملكية الخاصة:
- "تقرير حرمة المال واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة. فقد امتدح الإسلام المال الصالح وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره، وأشاد بمنزلة الغنى الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله".
لقد انحاز الإخوان المسلمون بذلك لمصالح الطبقة المتوسطة ولدورها في المجتمع المصرى ، في مواجهة طبقة كبار الملاك والتي كانت سندا للملكية ، لكن دون ان تتغول على حقوقهم الخاصة ، وكذلك في مواجهة رأس المال الاجنبى الذى كان موال بطبيعة الحال لمصالح الاستعمار البريطاني .
الناصرية .. وتوظيف الطبقة المتوسطة
تراكمت مكتسبات الطبقة المتوسطة فضلا عن الطبقات الدنيا في فترة الملكية بظهور جماعة الإخوان المسلمين ، وما وفرته من دعم وحماية وقوة وتأثير لها بسبب أنشطتها الاجتماعية والتوعوية . لكن مع قيام الانقلاب العسكرى في مصر عام 1952 جرت مياه أخرى تحت الجسور ... فقد كان عبد الناصر يتعامل مع ابناء الطبقة المتوسطة (الاعمال وموظفى الدولة) بخطاب شعبوى تعبوى فقط !!
كيف تم احتواء الطبقة المتوسطة ؟
كانت خطة عبد الناصر استيعاب الطبقة المتوسطة لتوظيفها سياسيا باعتبارهم حشودا تؤيد وتهتف ، حيث كان يرى في "فلسفة الثورة" ان الجيش هو الجزء الوحيد المنظم في المجتمع، وهو الذي يمكنه بل يجب عليه قيادة مصر لإخراجها من محنتها. وقدم ناصر هذا الدور القيادي للجيش باعتباره آمرا مؤقتا ، حتى يكتسب المصريون الصفات التي تسمح لهم بالتصرف بشكل ناضج ! (8)
فقام النظام الناصري بعملية هندسة اجتماعية واسعة للمجتمع المصري، صفَّى من خلالها الطبقة الأرستقراطية الزراعية سياسيا واقتصاديا، لكن الخطوة الأهم التي قام بها النظام الناصري هي إعادة تشكيل الطبقة الوسطى المصرية من جديد، عبر جملة من السياسات التي مكَّنت نظام عبد الناصر من بناء طبقة وسطى واسعة مرتبطة بنظامه ارتباطا عضويا، فى حياتها ووجودها ومعاشها !! (9)
فكان الإصلاح الزراعى :
باتباع تلك السياسة استطاع عبد الناصر ان يتخلص من طبقة كبار الملاك والتي كانت هي النخبة الاجتماعية التي اعتمدت عليها اسرة محمد على خاصة في أواخر عهدها ، ليبدأ عبد الناصر في محاولة بناء حاضنة جديدة تدين لعصره بالولاء .
فقد كانت تلك الإصلاحات محدودة الأثر، فقد تم إعادة توزيع 13% فقط من هذه الأراضي الزراعية على حوالي 10% من العائلات الفلاحية من اصل 2.1 مليون عائلة فلاحية الموجودة عام 1952 ، بمعنى ان المستفيد الأساسي من الإصلاح الزراعي لم يكن الفلاحين الفقراء بل كانت الفئات الوسطى من ملاك الأرض الذين شكلوا الجذور الريفية للطبقة الوسطى الحديثة !
فقد زادت المساحة الزراعية التي في حوزة هؤلاء من حوالي 1.8 مليون فدان عام 1952 إلى حوالي 2 مليون فدان عام 1965. وبهذا لم يحتفظ الملاك المتوسطين فقط بنصيبهم من الأرض بل اكتسبوا نفوذاً اجتماعياً وسياسياً في المجالات التي كانت خاضعة لسيطرة كبار الملاك من قبل (10)
وتوسع عبد الناصر في مجال التعليم :
وكم حدث في السياسة الزراعية ، حدث كذلك في التعليم .. فقد تم تخفيض المصاريف الجامعية وتحويل جزء من ميزانية التعليم الأساسي إلى التعليم الجامعي. وخلال الفترة ما بين عامي 1954 و1962 تضاعفت ميزانية الجامعات عدة مرات (ثمانية أضعاف) في حين زادت ميزانية التعليم ككل بنسبة 200%. وزادت نسبة التعليم العالي من الميزانية الكلية للتعليم في نفس الفترة من 14% إلى 22%.
لكن للأسف لم تكن هذه الزيادة الضخمة مرتبطة باحتياجات سوق العمل بقدر ما كانت مرتبطة برغبة النظام الناصري في الاستيعاب السياسي والاجتماعي للطبقة الوسطى الحديثة !! (11)
وهكذا صار هناك اتفاق ضمني غير مكتوب بين السلطة (عبد الناصر) وبين الطبقة المتوسطة عنوانه "الخبز مقابل السياسة"، أي تنازل المواطنين عن ممارسة حقوقهم السياسية والدستورية كونهم مواطنين، وتحوُّلهم إلى رعايا، لكن بدلا من كونهم عبيد إحسانات أفندينا في زمن محمد علي، تحوَّلوا إلى عبيد إحسانات دولة يوليو كلها .. بالاضافة لترويج فكرة ان التنافس على السلطة خيانة للوطنية المصرية وتهديدا لسلامة الدولة (12)
كيف سقط عبد الناصر ونجح الإخوان ؟
وبرغم تضييق نظام عبد الناصر الخناق على المجتمع المصرى ، وبرغم سياسة القمع التى مارسها ضد جماعة الإخوان المسلمين ، ليُفقد (الجماهير) القدرة على مقاومته او حتى مجرد الوعى بمخططاته ، الا انه عجز عن إحكام ذلك الخناق ، وكذلك لم يستطع تلويث جماعة الإخوان المسلمين فى نظر (الجماهير) ..
أزمة لم تكن في الحسبان ... فخطة الاستيعاب السياسى والاجتماعي التى مارسها عبد الناصر ، كانت تعتمد بالكامل على نجاح النمو الاقتصادي والخطة الخمسية. فبرغم ان الحكومة الزمت بنفسها بتعيين كافة خريجين الجامعات والمعاهد في وظائف حكومية أو في القطاع العام.
حيث وصل عدد المعينين في وظائف داخل القطاع العام والحكومة من ذوي المؤهلات العليا والمتوسطة 450 ألف موظف خلال عام 1969 منهم 153 ألف خريج جامعي، أو ما يوازي 60% من إجمالي عدد الخريجين. وقد شمل ذلك أكثر من 90% من المهندسين والعلماء و87% من الأطباء وأكثر من 60% من المحاميين. (13)
فقد وُضعت الخطة الخمسية الأولى في عام 1960-1961 كنقطة بداية لتوجيه استثمارات الدولة الى عملية التصنيع، بالتزامن مع خطة أخرى للاستفادة من السد العالى في توفير الطاقة وزيادة الإنتاج الزراعى .. الا ان هذه الخطة سرعان ما تحولت الى أشلاء ! فلم تكتمل خطة عبد الناصر في استيعاب تلك الاعداد الوفيرة سياسيا ! فبعد ان استفاد منهم او من معظهم سياسيا بتأييد سياساته كجزء من سياسة الحشود التي اتبعها ، الا انها تحولت بعد ذلك الى عبء عليه عندما فشلت خططه التنموية ..
المواجهة مع الإخوان
ففي أكتوبر 1954 بدأت تلك المواجهة واستمرت لعشرين عاما .. فبعد محاولة اغتيال لعبد الناصر - قال الإخوان انها مدبرة بهدف تصفية الوجود الإخوانى - تمكن نظام عبد الناصر من تدمير البنية التنظيمية والمجتمعية من خلال تأميم المؤسسات الخيرية والأهلية التي كان الإخوان قد بنوها عبر عقدين من النشاط المكثف ، لتنكشف الطبقة المتوسطة مرة أخرى امام حالة احتواء سياسى هائل من أجهزة اعلام عبد الناصر التعبوية .
لكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن .. أتت بعد ذلك هزيمة 1967 لتجهض أحلام الجميع سواء من في السلطة او من في الشارع ، ولتدفع بشباب الطبقة الوسطى الحديثة الى البحث عن بدائل تستوعب آمالهم واحلامهم في حياة عزيزة كريمة عجزت سياسة عبد الناصر ان توفرها لهم ، فكانت مظاهرات عام 1968 على إثر محاكمات هزلية لضباط الطيران باعتبارهم مسئولين عن هزيمة 67 !
وذلك في الوقت الذى تعرض فيه الإخوان الى قمع وحشي خلال عامي 1965 و1966 ، ليخرجوا بعد ذلك في بداية عهد السادات بعد عشرين عاما من اضطهاد عبد الناصر ، فيكونوا هم البديل امام شباب الطبقة المتوسطة التي عجز عبد الناصر ان يلبى طموحاتها السياسية والاجتماعية .
لتكون من مفارقات تلك الفترة كانت لحظة انهيار مشروع عبد الناصر لحظة دالة على ما سيحدث لعقدين تاليين ، حيث قرر الحزب الشيوعي حل نفسه والاندماج في تنظيمات عبد الناصر ، حدث هذا بينما كانت جُلّ كوادره في سجون عبد الناصر ! فقط لان علاقة الاتحاد السوفيتي كانت قد تحسنت بالنظام الناصري في ذلك الوقت!
بينما كان سيد قطب يعدم شنقاً ويحاكم بقية الإخوان محاكمات اختلط فيها الهزل بالجد ثمنا لمعارضتهم لنظام عبد الناصر القمعى ! المفارقة هنا ان (التقدميون) تواطئوا مع النظام مندمجين فيه وداعمين له ! بينما (الرجعيون) عارضوا النظام القمعى وماتوا على مشانقه (!)
هذه المفارقة هي التي شكلت الوعى السياسي للأجيال التالية ، فكانت النتيجة ان الأجيال التي تربت في عهد عبد الناصر بل ومن داخل نظامه اختارت الانخراط في مشروع الإخوان المسلمين وهم مجرد جماعة تملك حلم ، بينما تركوا مشروع عبد الناصر وهو كان يملك دولة !!
الفهرس
- الطبقة المتوسطة ودورها فى التنمية
- أهمية الطبقة المتوسطة وأهم أسباب انحسارها
- السيسي والاستهداف الممنهج للطبقة الوسطى بمصر
- كبار الملاك والفلاحين في مصر 1837-1952
- جماعة الإخوان المسلمين:مركز كارنيجى للشرق الأوسط
- برنيارليا (1998)، جماعة الإخوان المسلمين في مصر:الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية
- مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي: رسائل الإمام الشهيد حسن البنا
- ثورة السيسي الثقافية
- نهاية الخبز والسياسة.. كيف هزمت الطبقة الوسطى المصرية نفسها؟
- الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية
- السابق
- نهاية الخبز والسياسة.. كيف هزمت الطبقة الوسطى المصرية نفسها؟
- الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية