انقلاب يوليو بين مصر وتونس
ثلاثون عاما ظن النظام المصري بعدها أنه في مأمن من غضبة الشعب الذي أثقله بأعباء المعيشة وارتفاع الأسعار وكبت الحريات وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، حتى كان المواطن ينام ويصحوا على قهر وذل وخوف.
غير أن الأجيال التي رفعت مبارك على الأعناق وعاشت سنوات الذل في عهد عبد الناصر لم تكن حائط صد قوي لنظام مبارك، حيث خرجت أجيال شبت عن الطوق والتحمت مع بعضها، وزاد تلاحمها الانتشار الواسع لاستخدام الانترنت الذي حول العالم لقرية صغيرة يعرف القاصي أخبار الداني وقت وقوعها.
شعر مبارك بعدم ثقة في المحيطين حوله، كما استشعر القلق من زيادة صيحات الشباب المطالبة بالاصلاح ببعض الحريات، مما دفعه للتترس خلف رجالات أمنه – والتي وضع بذرتها عبد الناصر بعد انتفاضات فبراير ونوفمبر 1968م وأكد عليها السادات بعد انتفاضة الشعب ضد ارتفاع الخبز عام 1977 - إلا أنهم في لحظة تحولوا للدابة التي قتلت صاحبها بسبب تصرفاتهم المهينة في مختلف صفوف الشعب الذي ظل يئن طيلة ثلاثين عاما من ويلات قانون الطوارئ.
عمد مبارك منذ بداية تسعينيات القرن العشرين إلى إغلاق جميع نوافذ الحرية، ففرض الحراسة على النقابات، وزور الانتخابات المحلية والبرلمانية، واعتقل كل صوت ينادي بالإصلاح ويندد بالممارسات القمعية.
ظهرت كثير من القوى والحركات متضامنة على هدف واحد ألا وهو المطالبة بالاصلاح والتصدي لتوريث الحكم الذي بدأ النظام يعد العدة له، فكان قمع انتفاضة القضاة عام 2006م، ثم تكميم الأفواه، وبيع ثروات البلاد بثمن بخس لاسرائيل، وتفشى الفساد، حتى كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عام 2010م والتى لم ينجح فيها من المعارضة أحد
بل إن أحمد عز سافر لبعض الدوائر لفرض مرشح بعينه على القضاة، والتقت هذه الممارسات مع عنصرية الشرطة ضد الشعب حتى أن قيادات الداخلية في إحدى الدوائر هدد الجميع بقوله: "معي قوات تنيم المدينة من المغرب" في إشارة أن ما يريدونه هو ما سيكون.
كانت النيران مشتعلة تحت الرماد حتى هبت الرياح التي أزاحت هذا الرماد لتشتعل نيران الغضب، وينتفض الشباب مطالبين بالحرية والعدالة والكرامة الانسانية حيث بلغت هتافاتهم يوم 25 يناير عنان السماء، فالتقفتها قلوب متحمسة في كل مكان
فاشتعلت الميادين وزحف الجميع من كل حدب وصوب في تلاحم أخرج النظام من سكرته ونشوته وطمأنينته التي نطق بها تحت قبة البرلمان "خليهم يتسلوا" فتحولت تسليتهم إلى واقع مخيف أخذ يتجسم أمام مبارك ونظامه، فحاول بكل وسائله ومؤسساته وأمواله صد هذا السيل المنهدر ضدهم لكن كان الوقت قد مضى، وتدحرجت كرة الثلج الذي لم يستطع أحد صدها.
خرجت جموع الشعب بمختلف أطيافها يوم جمعة الغضب 28 يناير بعدما خلعت عنها ثوب الخوف، فتلقت رصاصات الظلم بصدور عارية أفزعت النظام وجعلته ينسحب شارع تلو شارع ومؤسسة تلو مؤسسة حتى اضطر لاطلاق العنان لقوته العسكرية للسيطرة على الموقف وللتخطيط المناسب لهم في ظل تسارع الأحداث.
لا ننكر أن صيحات الثوار تلاقت مع رغبات العسكر في إزاحة النظام الذي كان يشرعن للتوريث من واحد خارج مؤسستهم، فكانت ثورة يناير فرصة سانحة لإعادة بسط نفوذهم على الدولة من جديد وكان بداية الانقلاب الذي جاء على ظهر الثوار دون أن يشعروا.
ظل الجميع مترابط ومتلاحم، يقتسمون لقمة العيش، ويتشاركون الغطاء هربا من البرد، ويتناوبون الحراسة تأمينا للميدان، إلا أنه كان واضحا أن أيدي الثورة المضادة قد بدأت في وضع خططها لتفتيت هذا التلاحم.
وبالفعل جاءت كلمات عمر سليمان – نائب الرئيس – كومضة إلا أن الجميع وقتها لم يتلفت لها ولم يأخذها أحد على محمل الجد – وها نحن في الذكرى العاشرة للثورة نتجرع مرارتها – لقد قال لمن التقى معه من القوى السياسية "إما التفاوض وإما الانقلاب"، وحينما رفض الجميع التفاوض والتمسك بمطلب رحيل مبارك
بعدها بدأت كلمات التخوين بين الجميع حينما غمز ولمز البعض القوى التي شاركت في الجلوس مع عمر سليمان وأحمد شفيق، ووقتها اتخذت الثورة المضادة قرارها بالإنقلاب لكنه انقلاب مغلف بنشوة انتصار الثوار حينما رقصوا عندما أعلن عمر سليمان في 11 فبراير تنحية مبارك عن الحكم وتسليم إدارة البلاد إلى المجلس العسكري فكان الانقلاب الذي هدد به عمر سليمان.
رقص الثوار ورقص الشعب وتعالت الهتافات وفتحت الفضائيات أبوابها لكل من أدعى أنه ثوري يتكلم ويحكي ويزيد عن بطولاته وبدأت كلمات التخوين تزداد وتزداد وتزداد، حتى تجلت صورة الثوار منقسمة، بل حملت جميع الأطراف السلاح في وجه الأخر وتحول الميدان لساحة حرب بينهم، وبعدما كانوا رفقاء أصبحوا الإخوة الأعداء، ومن وقتها نجح الانقلاب في إدارة رقاب العباد حتى الآن.. واستطاع أن يعود أشد قسوة من ذي قبل.
والمشهد في تونس ينذر بذلك بعد التخطيط الداخلي والاقليمي والدولي من أجل الانقضاض على أخر معاقل ثورات الربيع العربي، وتدعم الإمارات تلك الانقلابات دعما شديد لكرهها لتلك الثورات بل لكرهها لأى تيار إسلامي قد تساعده الثورة على بلوغ الحكم.
بل حتى لو لم يصل أى تيار إسلامي فالإمارات لديها فوبيا من ثورات الربيع العربي والتي جعلتها تسخر كل طاقتها البشر والمالية والدبلوماسية من أجل القضاء على أى صوت ينادي بالحرية في المنطقة العربية.. ويدعمها الدول الغربية جمعاء لتلاقي كرههم لاعطاء الحرية للعرب خاصة والمسلمين عامة.