تشكّل تركيا إضافة بالغة الأهميّة للقضيّة الفلسطينيّة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تشكّل تركيا إضافة بالغة الأهميّة للقضيّة الفلسطينيّة


بقلم: الأستاذ إبراهيم المصري

الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

الجريمة النكراء التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد ركاب سفن أسطول الحرية من المتضامنين مع قطاع غزة المحاصر، لن تمرّ كما مرّت غيرها من المجازر الصهيونية بحق اللبنانيين والفلسطينيين، فقد دخل على الخط عامل جديد مؤثر هو عودة الأمة التركية إلى ساحة المواجهة، واذا كانت حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين قد نجحت في حماية قطاع غزة، مرة عندما أنقذته من مخطط اتفاقية أوسلو الذي أدى الى عودة القوات الاسرائيلية الى احتلال مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية واعادتها الى هيمنة السلطات الأمنيّة الاسرائيلية.

ومرة ثانية عندما صمدت في القطاع الأعزل المحاصر، واستطاعت مع بدايات عام 2009 الدفاع عنه في وجه آلة الحرب الاسرائيلية براً وبحراً وجواً.. فإنها نجحت مرة ثالثة في توسيع نطاق المواجهة التي كانت مقتصرة على العالم العربي، الضعيف المتخلف المهزوم، لتضيف اليها الساحة التركية التي تعود رويداً الى أصالتها الإسلامية، بعد عزلها عنها قرابة قرن من الزمان، حين استشرى «يهود الدونمة» وضباط «الاتحاد والترقي»، واستطاع بهم الغرب عزل تركيا عن محيطها العربي وتجريدها من أصالتها الإسلامية.

كان الإسلاميون الفلسطينيون يعرفون ماذا يفعلون عندما كانت جمعياتهم ومؤسساتهم تقيم مؤتمراتها في المدن التركية، وتثبّت أقدامها في الساحات الشعبية، الدينية والمدنية، الحزبية والشبابية.

والتيارات التركية سبق لها أن عملت الكثير من أجل القضية الفلسطينية، وقدمت الكثير لغزة المحاصرة وللقدس والأقصى، لذلك كان طبيعياً أن يشارك مئات الأتراك، رجالاً ونساء، قوميين وإسلاميين، من أتباع اربكان وأردوغان، في سفن أسطول الحرية، وهم يدركون أنهم يبحرون في موكب شهادة، لأن الكيان الصهيوني لا يمكن أن يستسلم لعملية كسر الحصار المضروب على قطاع غزة، وخاصة أنه مطمئن الى دعم عربي ودولي، باعتبار أن غزة منطقة موصومة بالإرهاب، وهي مثل كوريا الشمالية أو فييتنام القديمة، لا أحد يدافع عنها أو يرفع قضيتها في الأوساط الدولية.

قبل انطلاق القافلة حرص من كان فيها على أن يجري تفتيشها وتوضيبها وشحنها بالحمولة، التي كانت مواد غذائية وطبية ومعدات للمعاقين، من قبل سلطات الموانئ التي انطلقت منها السفن، سواء كانت تركية أو أوروبية، وكانت تتجه كلها الى ميناء لارنكا القبرصي اليوناني لاستكمال التجهيز، لكن السلطات القبرصية رفضت ربما لأن هناك اشكالية في علاقتها بالسلطات أو البواخر التركية، ثم تابعت السفن ابحارها الى أن وصلت الى ما يبعد اكثر من مائة ميل بحري عن الأراضي الفلسطينية، وقد كانت في المياه الدولية بعيداً عن المياه الإقليمية، حين بدأت المواجهة مع زوارق حربية اسرائيلية وطائرات هيليكوبتر عسكرية، حيث جرى اطلاق الرصاص قبل نزول الكومندوس على سطح السفن، وكذلك القنابل الصوتية والمسيلة للدموع.. ثم كانت المجزرة التي سقط فيها عشرات الشهداء والجرحى.

لقد آلت السفن كلها الى عهدة قوات الاحتلال، ولم تقل مرة واحدة إنها وجدت فيها أية قطعة سلاح، لا أبيض ولا اسود، الا مسدس انتزعه أحد ركاب السفينة من يد أحد الجنود وحاول به الدفاع عن نفسه. فكيف يدّعي المجرمون أنهم كانوا في حالة دفاع عن النفس؟!

لقد كانت السفن في المياه الدولية، وهناك لا سلطان لأحد عليها، لا أن يفتشها ولا أن يحتلها ولا أن يحوّلها عن مسارها.

ثم ان كل ركاب السفن، الأتراك والعرب والأوروبيين، المسلمين والمسيحيين واليهود، مدنيون عزّل، أعلنوا أنهم يتوجهون الى سواحل غزة، وهي أرض محررة سبق لجيش الاحتلال أن انسحب منها بعد اتفاقية أوسلو عام 1994، وانجز الانسحاب بشكل كامل في أيلول عام 2005، ثم جرت في كل الأراضي الفلسطينية انتخابات تشريعية فازت فيها حركت حماس وشكّلت حكومتها الأولى والثانية، ثم كان العدوان الذي فشل في اختراق الأراضي المحررة من القطاع مع نهاية عام 2008، ومن حق القطاع المحرر أن يستعمل أجواءه المحررة ومياهه الاقليمية، لولا أن سلطات الاحتلال كانت تمنع أهله حتى من الصيد في شواطئهم المحررة.

وسفن أسطول الحرية تريد أن تتجه الى المياه الاقليمية لقطاع غزة، وهي تحمل متضامنين عزّل ومواد طبية وأدوات مدنية، فبأي حق تدّعي سلطات الاحتلال أنها كانت في وضع الدفاع عن النفس؟

والآن، لقد اختلط الدم التركي بالدم العربي على شواطئ فلسطين، وكسب العرب الى جانبهم حليفاً قوياً كان مجرد عضو في حلف شمال الأطلسي، وهو من الدول التي سبق لها أن اعترفت بالكيان الصهيوني.

لقد اعتدى جيش الاحتلال على سفن ترفع العلم التركي وأطلقت عليها الرصاص وساقتها الى موانئها بغير وجه حق، والحكومة التركية تريد أولاً الاعتذار عن هذه التصرفات.

ثم هي تطالب بالتعويض عن القتلى والجرحى الأتراك، ومن حق حكومتهم المطالبة بالاعتذار والتعويض. والحكومة التركية تستند الى تأييد شعبي ونيابي ودولي واسع النطاق، فبعد وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى أنقرة قاطعاً جولته في أميركا الجنوبية، ألقى كلمة، في البرلمان التركي بلغت قمة القوة قائلاً: «أندد بأشد العبارات بهذه المجزرة الدموية، وينبغي بلا شك معاقبة سلوك اسرائيل.. وليس لأحد اختبار صبر تركيا، وحان الوقت لأن يقول المجتمع الدولي: كفى..» واعتبر قرار مجلس الأمن الدولي غير كاف، وكرر أن تصريحات الادانة الجافة غير كافية، يجب ان تكون هناك نتائج.

والجديد في الأمر أن أحزاب المعارضة التركية دعمت موقف اردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية، وتحدّث رؤساؤها في جلسة البرلمان مؤيدين لأردوغان منددين بالعدوان مطالبين بالمزيد من الاجراءات ضد الكيان الصهيوني. أما جماهير الشارع التركي فقد كانت في قمة الغضب.

ومن ساعة الاعتداء على السفن ما زال آلاف المعتصمين يرابطون بالتناوب حول سفارة اسرائيل في أنقرة وقنصليتها في استامبول ومنزل السفير الاسرائيلي.

ولا بدّ أن الكيان الصهيوني بات يدرك المأزق الذي تورط فيه، وهو يمسك عن الرد على اتهامات وتهديدات أردوغان، وأعلن أنه أفرغ السفن من حمولتها وأرسلها في ثماني حاويات الى قطاع غزة ليستفيد منها المستحقون.

كما أن الاحساس بالذنب وصل الى المسؤولين المصريين، فاصدر الرئيس مبارك مرسوماً يقضي بفتح معبر رفح للعبور ونقل البضائع.

كما أن الرئيس الأميركي أوباما اتصل هاتفياً بأردوغان، بعد اجتماع مطوّل عقده وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مع وزيرة الخارجية كلينتون.. بانتظار ما يقرره مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية.

المصدر