دعوة الإخوان في العتبة
ميدان العتبة الخضراء قلب القاهرة النابض الذى لا يتوقف أبدا عن الحركة ليلا ولا نهارا . العتبة الخضراء المركز التجاري للعاصمة وكذلك المركز الرئيسي للمواصلات . الذين يريدون شراء ما يريدون شراءه بأسعار مقبولة ، يجيئون الى العتبـة الخضراء.
سمع القاهريون باسم العتبة الخضراء لأول مرة عام 1845م، غير أن بعض الباحثين أرجع أن سبب تسمية العتبة بهذا الاسم يعود إلى القرن الثامن عشر حينما شيد أحد تجار التوابل الأثرياء ويدعى قاسم الشرايبي عام 1732م جامع وسبيل أطلق عليها العتبة الزرقاء في منطقة الأزبكية التي كانت تغطيها الرمال والأتربة. (1)
والبعض قال أنها تنسب لوقت دخول العثمانيين مصر عام 1517م وأنها تعود لرجل يدعى رضوان كتحدا قام بتشيد قصر كبير في الأزبكية على حافة بركتها اطلق عليها (الثلاث ولية) العتبة الزرقاء لأن لون عتبها أزرق، وظلت حتى آلت إلى الخديو عباس حلمي الأول الذي همدمها وأعاد بنائها وأطلق عليها العتبة الخضراء لأنه كان يتشاءم من اللون الأزرق. (2)
وأخرين قالوا في عام 1845م انتهى أحمد باشا طاهر من بناء قصر العتبة الخضراء بعد ثلاث سنوات من العمل المستمر، وكان القصر يقع على الأرض التي يشغلها الآن ميدان العتبة وقسم الموسكي ومركز المطافئ وهيئة البريد، والشارع الذي يمتد من جانب هيئة البريد إلى تمثال إبراهيم باشا، وكان قصر العتبة الخضراء يتكون من قسمين "سراي الحرملك" أي دار الحريم، و"سراء السلاملك" أي دار استقبال ال1ضيوف، وكانت عتبة كل منهما من الحجر الأخضر، ولهذا سمى القصر بالعتبة الخضراء.
وفي أخر حياته وقف أحمد طاهر أملاكه وعين زوجته خديجة خاتون مشرفة على الوقف، وقد حدث في عام 1952م أن باعت الأرملة سراء الحرملك للسيدة بمبا قادن والدة الخديو عباس الأول، وأجرت لها الثانية لستين عاما بإيجار قيمته 15 مليونا من الجنيهات، وفي عام 1863م باعت بمبا قادن حق الايجار للخديو إسماعيل، وعلى الرغم أن النزاع ظل قائما بين ورثة أحمد طاهر والحكومة المصرية حتى سقط الوقف مع ثورة 1952م إلا أن الميدان ظل محتفظا بنفس الاسم العتبة الخضراء. (3)
العتبة والإخوان المسلمين
بعد انتقال الإمام البنا إلى القاهرة في أكتوبر 1932م للعمل بمدرسة عباس الأول في السبتية، اجتمع مجلس إدارة الإخوان بالإسماعيلية وقرروا اعتبار القاهرة هي "المركز العام للإخوان المسلمين"، ولم يكن في القاهرة مقر مناسب لذلك
فاعتبر إخوان القاهرة الدور الأول في السكن الذي يقيم به الإمام الشهيد هو مقر الدعوة، وكان الإمام الشهيد يسكن في الدور الثاني، ويعتبر هذا المكان المقر الأول للمركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وكان عنوانه رقم 24 حارة نافع المتفرعة من حارة عبدالله بك إحدى حواري شارع السروجية. (4)
ثم انتقل مقر المركز العام إلى حارة المعمار بسوق السلاح في ذي القعدة 1352هـ الموافق مارس 1934م وكان عنوانه 6 حارة المعمار بشارع سوق السلاح، وفي غرة رجب 1354هـ الموافق 28 من سبتمبر 1935م انتقل المركز العام إلى السيدة زينب من شارع الناصرية، وفي مارس 1937م انتقل المركز العام إلى عمارة الأوقاف رقم 5 بميدان العتبة الخضراء
وكانت تمتاز عن سابقتها بكثرة عدد حجراتها واتساع مساحتها، فقد كان بها سبع حجرات، واحدة منها كانت تبلغ مجموع مساحة الدار السابقة، وكان بها "فرندة" تتسع لمئات الكراسي وتصلح لعقد المؤتمرات فضلاً عن الاجتماعات والمحاضرات، وكان موقعها في أفضل ميادين القاهرة في ذلك العهد وهو ميدان العتبة الخضراء، ويوجد في نفس العمارة التي بها تلك الدار لوكاندة البرلمان التي كانت معلمًا من معالم القاهرة. (5)
استمر المركز العام في العتبة حتى انتقل إلى الحلمية الجديدة، واتضح من البيان الذي نشره المركز العام عام 1936م أن الإخوان كان لهم بجانب المركز العام شعبة وكانت نائبها الأستاذ حامد بك عبد الرحمن.
ولم يبرز نشاط الأخوات في العمل العام إلا في عام 1937م حين تم تنظيم لقاءات لعموم المسلمات في المركز العام في العتبة وفي حلوان، حيث انتظمت دروس السيدات في دار الإخوان بالعتبة الخضراء وخصص لها عصر كل جمعة بين الساعة الرابعة والسادسة والنصف. وحينما أنشأ الإخوان مجلة لهم تحت مسمى مجلة الإخوان المسلمون كان مقرها بدار الإخوان في 5 ميدان الملكة فريدة بالعتبة الخضراء "عمارة الأوقاف".
حرص الإخوان على الأخلاق العامة في حي العتبة الخضراء وحاربوا الفساد الذي انتشر فيها فنجد الأستاذ حسن البنا يرسل برسالة إلى معالي وزير العدل أحمد محمد خشبة حول انتشار حوادث الخمارات جاء فيها :وإن في قطعة من شارع محمد علي وحده بين العتبة وباب الخلق أكثر من عشرين خمارة وليس هذا الحي من أحياء الفجور والفساد فكيف بغيره؟ أهذا يرضي الله ويتفق مع الدستور ويساير مكانة مصر. (6)
وحينما تولى الملك فاروق العرش بعد وفاة والده الملك فؤاد، استعدت كل الهيئات والأحزاب للاحتفال بجلوس فاروق على العرش، فتجمع الإخوان في مسجد الكخيا في صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب تجمع الإخوان أمام مقرهم في ميدان العتبة الخضراء وظلوا يهتفون "الله أكبر ولله الحمد لا نريد غير الإسلام قانونًا"، وبذلك انتهى موكب الإخوان احتفالاً بتولية الملك فاروق عرش مصر.
وهذا الموكب هو الذي اتخذه البعض وسيلة لتشويه صورة الإخوان وإظهار أنهم قد والوا الملك وأعطوا له مبايعة على بياض، والحقيقة أن مبايعة الإخوان المسلمين للملك فاروق في حفل توليه العرش كانت مشروطة بوجوب العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كما أن الإمام البنا كان زعيم الهيئة الوحيد دون زعماء الهيئات الأخرى الذي لم يلبس الملابس الخاصة في حفل تتويج الملك بل كان بملابسه العادية يسير بجانب الإخوان في الموكب. (7)
كما اهتم الإخوان بالقضية الفلسطينية انعقد أول مؤتمر عربي يعقد من أجل فلسطين، وقد عقد في دار المركز العام بالعتبة عام 1937، حيث وجه الإخوان الدعوة لرجالات البلاد العربية لعقد مؤتمر لدراسة مشكلة فلسطين في مصر، واستجاب الكثير منهم، ومثلت أكثر البلاد العربية بنخبة من كبار رجالها في ذلك الوقت
وكان من بين المشاركين فارس الخوري رئيس الوزراء السوري، والذي تكلم في المؤتمر فألهب مشاعر الحاضرين، وانتهى المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية.. وكان لهذا المؤتمر آثار بعيدة المدى؛ لأنه جعل الحكومات العربية تحس لأول مرة أن عليها مسئولية تجاه مشكلة فلسطين. (8)
ويقال أن الشيخ محمد الغزالي حينما التحق بجماعة الإخوان المسلمين كان يعمل في مسجد العتبة الخضراء. غير أن الدعوة حينما اشتدد عودها تعرضت للاضطهاد من قبل المحتل البريطاني ومن تعاون معه من الحكومات الجالسة على كرسي مصر، ففي حادث هو الأبشع من نوعه اعتدى مأمور قسم الخليفة على طابور لجوالة شعبة الخليفة أثناء تدريباتهم الكشفية الأسبوعية بميدان قرة
وليس ذلك فحسب بل أطلق المأمور الرصاص عليه وأخذ يمزق المصحف الشريف ويدوس علم البلاد بعد أن مزقه، ثم أخذ البوليس في القبض على المصابين وغير المصابين جوالين وغير جوالين، في الوقت الذي كانت تسير فيه الجوالة الإسرائيلية تخترق ميدان الملكة فريدة "العتبة الخضراء" تجول فيما حوله من الشوارع آمنة مطمئنة. (9)
وحينما توجه النقراشي باشا لعرض القضية المصرية على مجلس الأمن عام 1947م، خرج الإخوان في مظاهرات لدعمه، واستمرت المظاهرة في خط سيرها في شارع الأزهر متجهة إلى ميدان العتبة ولم تكن تصل إلى ميدان العتبة الخضراء وفي مقدمتها سيارة تحمل الإمام البنا وبعض الأعضاء حتى انطلقت الأعيرة النارية في كل صوب، فنزل الإمام ليستطلع الخبر فإذا بعيار ناري يطلق عليه وتستقر رصاصة في ساعده، حيث أطلق الأمن الرصاص.
الغريب أن تاريخ شعبة العتبة لم يرد في كتب الإخوان بعد ذلك وأصبحت تذكر القاهرة عموما في دعوة الإخوان.
المراجع
- جيهان مأمون: من سيرة المماليك، طـ1، دار نهضة مصر، القاهرة، 2012م.
- عباس الطرابيلي: شوارع لها تاريخ.. سياحة في عقل الامة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000م، صـ135.
- صلاح عيسى: هوامش المقريزي: حكايات من مصر، طـ1، دار الكرمة للنشر، القاهرة، 2019م، صـ71.
- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2001م، صـ155.
- جريدة الإخوان المسلمين: السنة الرابعة، العدد 47، 48 – 26 ذي الحجة 1355هـ - 9 مارس 1937م.
- النذير، العدد (2)، السنة الثانية، 8 محرم 1357ه/ - 28 فبراير 1939م، صـ11-13.
- جريدة الإخوان المسلمين: السنة الخامسة، العدد 12 – 29 جمادى الأولى 1356هـ - 6 أغسطس 1937م.
- محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة، الإسكندرية، 1999، الجزء الأول، صـ148.
- الإخوان المسلمين اليومية: العدد 356 – السنة الثانية، 11 شعبان 1366هـ - 30 يونيو 1947م، صـ1