د. علوش: أمريكا تبحث عن إمبراطورية لا عن شراكة
اذهب إلى التنقل
اذهب إلى البحث
د. علوش: أمريكا تبحث عن إمبراطورية لا عن شراكة
21-02-2005
حوار: جلنار فهيم
يدعي البعض أنَّ موضوع الشراكة العربية الأمريكية هي شراكة المتصالح والمتعاون، وجاءت لتنقذ المنطقة من شرور الداء والفقر في آن واحد!! فيما يرى الآخرون وهم كثر أنَّ تلك الشراكة المزعومة ما هي إلا شراكة القوي للضعيف لأجل السيطرة والهيمنة، وأنَّ أمريكا لا تريد فيها سوى أكل البقية المتبقية من الدول العربية والإسلامية في آن واحد.
ولشرح الموقف أكثر التقينا الدكتور إبراهيم علوش الكاتب والمتخصص في الشئون العربية، كان معه الحوار الآتي:
- ماذا تعني الشراكة العربية الأمريكية في المفهوم الأمريكي؟
- في الواقع، أمريكا لا تبحث عن شراكة بل عن إمبراطورية، وهذا لا ينطبق على العرب فحسب، بل على كل شعوب الأرض، ولكن الموقع الإستراتيجي للوطن العربي على خطوط المواصلات والتجارة الدولية، والاحتياطي النفطي الكبير الذي يتمتع به، وتأثير اليهودية في تكوين العقل الأمريكي منذ نشأة أمريكا، وزحف العولمة لإفساح المجال للشركات متعدية الحدود كي تستثمر وتسرح وتمرح في طول الكرة الأرضية وعرضها، وانهيار دول المنظومة الاشتراكية الذي أدَّى إلى اختلال ميزان القوى الدولي، ورغبة أمريكا بالمحافظة على هيمنتها وتفوقها على أوروبا واليابان، وغيرها من العوامل، جعل للوطن العربي أهمية إستراتيجية خاصة لدى الإدارة الأمريكية.
- وكلمة أهمية لا تعني على الإطلاق شراكة أو ندية في العلاقة أو احترام وصداقة، بل تعني أن الوطن العربي أصبح منطقة مصالح إستراتيجية للإمبريالية الأمريكية في هذه المرحلة التاريخية لا تبارزها في الأهمية ربما إلا أمريكا الجنوبية كحديقة خلفية للولايات المتحدة، وحتى تلك المنطقة ليست ميدان صراع ضد الهيمنة الأمريكية على العالم كما هو الوطن العربي؛ فالوطن العربي مهم بحد ذاته من ناحية ثروات وأسواق، ولكنه أيضًا على تخوم الإمبراطورية الأمريكية بعد هيمنة أمريكا من خلال حلف الناتو على أوروبا الشرقية بعد تدمير وتفتيت يوغوسلافيا.
- والوطن العربي مفتاح السيطرة على آسيا وأفريقيا؛ حيث لا يبقى بعده كتل كبرى أو عوامل قوة أخرى منافسة لأمريكا إلا الهند والصين، خاصةً الصين، من هنا جاء إعلان بوش الابن في 9 مايو 2003م، وبعد شهر بالضبط من سقوط بغداد لسوق "شرق أوسطية- أمريكية حرة"؛ حيث ظن أن السيطرة على العراق هي حجر الأساس في ذلك المشروع "الشرق أوسطي" المسمى مشروع الإصلاح، وهو في الواقع مشروع هيمنة وتفتيت للوطن العربي.
- لكن ماذا تريد أمريكا بهذه الشراكة؟
- أمريكا تريد أولاً الهيمنة الإستراتيجية على المنطقة، وثانيًا النفط والأسواق، وثالثًا وضع الكيان الصهيوني في موضع القطب الإقليمي الذي يدور الجميع في مداره، ولتحقيق هذه الأهداف، لا بد لأمريكا بالضرورة أن تفكك الكتل الكبرى في الوطن العربي، خاصةً الدول العربية المركزية مثل العراق وسوريا والسعودية ومصر والمغرب والجزائر، وأن تُعيد صياغة العقل العربي بحيث يمكن تغيير هوية المنطقة من عربية إسلامية إلى "شرق أوسطية".
- أما مشروع التفكيك، فنرى إرهاصاته في العراق والسودان الآن، أما مشروع إعادة صياغة العقل العربي، فنرى تجلياته من خلال إصرار أمريكا على إعادة صياغة المناهج الدراسية وفرض الرقابة على وسائل الإعلام بحجة اجتثاث جذور "الإرهاب"، والمقصود في الواقع هو محو الهوية الحضارية للأمة.
- هل يمكن للعرب تطبيق هذه الشراكة عمليًّا أم قبولها ترضيةً لأمريكا؟
- لا يمكن قبول مثل هذه الشراكة من المنظور العربي؛ لأنها ليست شراكة أصلاً، فالشراكة تكون بين أطراف متشابهة بالحجم، أو على الأقل متشابهة بالتوجه الفكري، أو بالحد الأدنى متشابهة بالمصالح، فلا يمكن إذن أن نُسمي العلاقة (تبعية) مع قوة غاشمة تختلف معنا بالتوجه الفكري والعقائدي، وتتناقض مصالحنا كأمة مع مصالحها أما لو قلنا (شراكة) فهل يمكن مثلاً أن تكون هناك شراكة بين الجلاد والضحية؟ بين المستكبر والمستضعف؟ أو بين مَن يحتل العراق وفلسطين ويعمل تقطيعًا بجسد الأمة، من جهة، وبين من ينتمي لهذه الأمة؟! لا أظن ذلك!
- وإذ يحاول بعض العرب أن يتأقلم مع الضغوط الأمريكية للسير قدمًا بما يُسمى مشروع الإصلاح، فإنه سيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن مشروع الإصلاح هذا يستهدفه أولاً؛ لأن الوقت الذي يستطيع فيه حاكم أو مسئول بترضية أمريكا بخطوة جزئية أو تنازل مبدئي قد مضى والمطلوب اليوم هو إعادة صياغة المنطقة بأسرها، والتفكيك والتجزئة وإعادة رسم الخرائط والعقول والأفئدة، ومَن يحاول ترضية أمريكا يلعب في الوقت الضائع فحسب.
- وماذا عن مجالات الشراكة التي تطبق الآن؟
- مجالات "الشراكة" مع أمريكا هي ببساطة كل شيء، ففي مؤتمر دافوس الأردن الذي عُقد على البحر الميت ربيع 2003م، وبعدها في ربيع 2004م، جاء مشروع الإصلاح والشراكة، أو مشروع الهيمنة، ليغطي كل شيء في الحياة العربية، من الاقتصاد والمال إلى السياسة والثقافة والتعليم، وكل تفصيل من تفاصيل الحياة العربية.
- فنحن نتحدث هنا عن طرف يريد إعادة خلقنا على صورته، كمسخٍ له في الواقع، كمجالٍ حيوي، كمزرعة له وماخور وقاعدة عسكرية وبئر نفط وخدم، ونحن سعداء بذلك كله، يريدنا حقلاً للهيمنة، وحتى يتحقق له ذلك، لا بد أن يحولنا إلى دويلات صغيرة ضعيفة، وأن يربط اقتصادنا به وبالشركات متعدية الحدود، وأن نتنكر لثقافتنا، وأن نتمسح ببركاته الثقافية الذي يزمع أن يسبغها علينا تحت عنوان الإصلاح، وإذا قبل بصيغ إسلامية مثلاً أو عربية، فإنها يجب أن تكون مقولبة حسب مصالحه أو أن تخدمه سياسيًّا على الأقل في هذه النقطة أو تلك.
- ما احتمالات نجاحها وفشلها؟
- يجب أن لا نقلل من خطورة الهجمة الإمبريالية- الصهيونية التي تأخذ أشكالاً متعددة سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، في البعدين الثقافي والإعلامي، فإنَّ تلك الهجمة تفعل فعلها من خلال الامتدادات العربية عبر بعض المثقفين والإعلاميين العرب، ومن خلال الأدوات الثقافية والإعلامية الغربية نفسها، ومن خلال ما يُسمى بالمنظمات غير الحكومية الممولة أجنبيًا.. هذه الأطراف باتت تنتج قطاعات شبابية وغير شبابية عربية موالية ثقافيًا للغرب، قطاعات مستلبة ومهيأة لتقبل المشروع الأمريكي بكل أريحية.
- وبالمقابل، هناك قطاعات أخرى باتت تتفشى فيها النزعة الاستسلامية نتيجة بعض النكسات التي عاشتها الأمة، فصارت أميل إلى مسايرة الضغط الأمريكي، وهناك الأنظمة العربية بالطبع التي تتمنى أن يرضى عليها الأمريكيون.. ولن يرضوا مهما قدم لهم!!.
- إذن، لا بد من القول إنَّ هناك عوامل ضعف لدينا بينما العدو يصول ويجول، ولكن لدينا أيضًا عوامل قوة ومنعة، ومن أهم هذه العوامل قوى المقاومة في العراق وفلسطين وغيرهما، ومنها الروح الجهادية المزروعة في وجدان الأمة، ومنها شباب الأمة وشاباتها الذين لا يتعبون ولا يكلون ولا يعرف اليأس إلى قلوبهم مدخلاً، ولكن كل ذلك لا يكفي إذا لم يوجد مشروع نهضوي عربي هو في الوقت نفسه مشروع مقاوم للطرف الأمريكي-الصهيوني، وإذا لم ينتج شباب الأمة حركة تحرير شعبية عربية تتصدى لكل التحديات التي يواجهنا التاريخ بها، إذن، نحن بحاجة لأداة تحشد القوى وتنظم الصفوف، أداة تخرج من الشارع بقوة الشارع لتواجه العدوان الغاشم وتنهض بالأمة.
المصدر
- مقال:د. علوش: أمريكا تبحث عن إمبراطورية لا عن شراكةإخوان أون لاين
