ذكرى قصف حلبجة بالغازات السامة
بقلم : مصطفى الطحان
قام وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بأول زيارة إلى العراق.. ناقش خلالها الأوضاع مع بريمر الحاكم العسكري الأمريكي الذي يمثل سلطة الاحتلال.. وعندما سئل وزير الخارجية عن رأيه في الأوضاع.. قال: إن الأوضاع جيدة خاصة في الجانب السياسي والاقتصادي.. وهناك بعض الخلل الأمني يسببه الإرهابيون الذين قدموا من خارج العراق، يحفزهم حقدهم على القوة الأمريكية التي تنشر الحضارة في العالم. وختم الوزير زيارته فقام بزيارة مدينة حلبجة وشارك في إحياء ذكرى ضحايا القصف بالأسلحة الكيميائية الذي قام به جيش صدام حسين عام 1988، وسقط فيه خمسة آلاف قتيل كردي من سكان المدينة.
ونحب أن نلفت نظر القراء إلى بعض الأمور التي وردت على لسان وزير الخارجية الأمريكي.. ونتساءل مع الآخرين:
- 1- ما هي هذه الحضارة الأمريكية التي يتحدث عنها الوزير..؟
- 2- وما هي قصة حلبجة؟
- 3- وما هو دور صدام حسين في نكبة العراق؟
(1)
الحضارة الأمريكية
تصفية 120 مليون من السكان الأصليين
• أول هذه الصور الحضارية الأمريكية سجلها أولئك الذين نزلوا أمريكا بلباس البوريتانية الإنكليزية وهم يحملون معهم الاعتقاد الأشد فتكاً في تاريخ الإنسانية وهو: الاعتقاد بفكرة الشعب المختار الذي أُعطى الشرعية لعمليات استئصال السكان الأصليين واغتصاب أراضيهم وكأنها أمرٌ إلهي!!
يذكر توكفيل الكاتب الفرنسي إحدى هذه الحفلات التي شاهدها قائلاً: في قلب الصحراء، وفي أواسط الشتاء، حيث كان البرد قارساً جداً، قام ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف بمطاردة الأعراق البدوية من الوطنيين الذين كانوا يفرون أمامهم. حاملين مرضاهم وجرحاهم، وأطفالاً ولدوا حديثاً، وشيوخاً على حافة الموت، ثم يقول: إن المشهد كان مثيراً ولم يُمح من ذاكرتي أبداً.
• عام 1730م أقرّ البرلمان الأمريكي تشريعاً يبيح للبروتستانت الأطهار إبادة من تبقى من الهنود الحمر، فأصدر قراراً بتقديم مكافأة مقدارها 40 جنيهاً مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هنـدي أحمر، و40 جنيهاً مقابل أسـر واحد منهم، وبعد خمسة عشر عامـاً ارتفعت المكافأة إلى 100 جنيه و50 جنيه مقابل فروة رأس امرأة أو فروة رأس طفل.
وفي عام 1763م أمر القائد الأمريكي (البريطاني الأصل) جفري أهرست برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري إلى الهنود الحمر بهدف نشر الوباء بينهم مما أدى إلى موت الملايين من الهنود في (أول وأكبر عملية استخدمت فيها أسلحة الدمار الشامل).
العبيد الأفارقة
• والصورة الحضارية الثانية التي تميزت بها الحضارة الغربية بقيادة بريطانيا من قبل وأمريكا بعد ذلك.. هي ما ارتكبته هذه الحضارة في الاستعمار الذي استنزف الثروات، واستعبد الناس فنقلوا الملايين من سكان أفريقيا عبيداً تعساء إلى ما أسموه العالم الجديد. وفي موانئ تجارة الرقيق كان يقام أغرب حفل ديني عرفه التاريخ، حيث يجلس الأسقف على كرسي من الرخام، يحيط به عدد من كبار الموظفين، ثم يعمّد الأسقف ببركاته رعاياه التعساء الذين سيشحنون عبيداً لخدمة البروتستانت الأطهار في العالم الجديد.
في الولايات المتحدة اليوم حوالي 30 مليونا من هؤلاء الزنوج.. هم ما تبقى من هؤلاء التعساء الذين مات معظمهم على يد السادة البيض أصحاب الحضارة المتفوقة!
• كان الرجال العظماء يبنون أمريكا من خلال منظمة (كوكلس كلان) التي تعاهدت على إهانة الرجل الأسود وضربه وشنقه بلا محاكمة، وجعله يفهم أنه جيء به إلى أمريكا لغرض العبودية وليس لأي غرض آخر.
• في دربان في جنوب أفريقيا عقدت الأمم المتحدة عام 2002 مؤتمراً حول حقوق الإنسان، واختاروا المكان الذي امتهن فيه الإنسان الأفريقي واتخذه الأوروبي عبداً لخدمته.. وطالب المؤتمر الدول الأوروبية بتعويضات عن فترة الاستعمار والاستعباد.. ولكن أمريكا رفضت مجرد أن يتضمن جدول الأعمال مثل هذا البند.
العولمة
والصورة الحضارية الثالثة التي تفتق عنها الفكر الأمريكي هي العولمة.
يقول (ويلسون): إنطلاقاً مــن حقيقة أن التجارة ليس لها حدود قومية، وانطلاقاً من أن الصناعي يريد امتلاك العالم من أجـل الأسواق، فإن على علم بلاده أن يتبعه أينما ذهب، وعلى الأبواب المغلقة للأمم الأخرى أن تُخلع، وعلى وزراء الولايات المتحدة أن يحملوا امتيازات أصحاب رؤوس الأموال، حتى ولو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الأمم الأخرى المتمردة، يجب خلق المستعمرات أو الحصول عليها، بحيث لا نهمل أو نتغاضى عن أصغر زاوية في العالم.
وهكذا طبق ويلسون عقيدته هذه عندما أصبح رئيساً للجمهورية الأمريكية بغزوه المكسيك وجزيرة اسبانيولا التي تشكل هايتي وجمهورية الدومينكان (أبريل 1916).
ويقول (بول نيتش) رئيس جهاز التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية عام 1950: تمتلك الولايات المتحدة قوة كونية، لهذا سيكون من الضروري أن نحدد لنا عدواً كونياً، وعلينا أن نضفي على هذا العدو كل صفات الشيطان، بحيث يصبح كل تدخل أو عدوان للولايات المتحدة مبرراً مسبقاً، وكأنه عمل دفاعي تجاه خطر يشمل الأرض كلها.
في 6 أغسطس 1945 أمر الرئيس الأمريكي ترومان بإلقاء القنبلة الذرية الأولى على مدينة هوريشيما اليابانية، وفي 9 أغسطس ألقيت القنبلة الثانية، فحصدتا أكثر من 1،5 مليون إنسان ياباني.
وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي صاغتها إدارة الرئيس بوش، وكتب هو مقدمتها، كشفت عن حقيقة الأهداف والغايات التي تسعى السياسة الأمريكية الخارجية لتحقيقها على مستوى العالم العربي والإسلامي وعلى مستوى العالم بوجه عام.. إنها تجسد السعي الأمريكي للهيمنة على العالم العربي والإسلامي كخطوة رئيسية وأساسية لابد من تحقيقها: وصولاً لتحقيق وتأكيد هيمنتها على العالم وإدارة شؤونه.
ذكرت مجلة موثر جونز (يونيو 2002): أن العديد من الدوائر الثقافية الأمريكية المؤثرة، اعتمدت فكرة إشاعة التشكيك في القرآن الكريم من جانب المثقفين الغربيين، وانتقدت المجلة عدم قيام الإعلام الغربي عقب 11 سبتمبر 2001 بالتشكيك في صحة القرآن كحل لإنهاء التعصب الإسلامي.
وبتواطؤ أمريكا قتل الملايين في مجازر عديدة في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر والأردن وإندونيسيا ونيكاراغوا والسلفادور وهندوراس بالأسلحة الأمريكية الفتاكة.
(2)
قصة حلبجة
القضية الثانية التي أثارها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، هي حضوره الاحتفال الذي أقيم بمناسبة قصف مدينة حلبجة بالغازات السامة..
فقد قصف النظام الطاغوتي في بغداد بقيادة علي حسن المجيد المعروف عند العراقيين بعلي الكيماوي يوم 16 مارس 1988.. هذه المدينة البعيدة عن الحرب الدائرة بين العراق وإيران.. والتي استمرت فيها الطائرات لمدة يومين كاملين تقصف سكان المدينة الذين قتلوا عن بكرة أبيهم.. والذين تجاوز عددهم الخمسة آلاف إنسان!!
كان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد يتحدث عن جرائم صدام حسين، واستشهد بقصف حلبجة.. فاخرج له احد الصحفيين صورة تمثله مع صدام حسين أيام الغزل الأمريكي معه.. وتلعثم الوزير واضطر للاعتراف بأن الرئيس ريغان أرسله لمناقشة صدام حسين ودراسة تزويده بما يحتاجه من السلاح المتطور. والغريب أن الإدارة الأمريكية التي تتأسف اليوم على سكان حلبجة التي قصفها صدام بالسلاح الكيماوي الأمريكي.. كانت اتهمت إيران بأنها هي التي قصفت المدينة بالغازات السامة.
(3)
دور صدام حسين في نكبة العراق
ليس صدام حسين وحده هو الذي خرب العراق، وشتت ثروته، وأخضعه لحروب لا تنتهي.. بل جميع الحكام الذين استجابوا لتعليمات الأمريكان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. ابتداءً من انقلاب حسني الزعيم في سوريا في مارس 1949 وانقلاب عبد الناصر في يوليو 1952 وانقلاب صدام حسين وأحمد البكر في العراق عام 1958 ..
سلسلة من الإنقلابات التي قضت على الحريات، وأجهضت الأنظمة الديمقراطية، وحاربت القوى الحية، وأوصلت الأمة إلى هذا الدرك السفلي الذي أصبحنا فيه مجرد قطع شطرنج يتحكم بها العدو الأمريكي.
لا بأس أن نقرأ معاً كتاب لعبة الأمم لمايلز كوبلاند عضو الاستخبارات الأمريكية المكلف بملف الانقلابات لنعرف تفاصيل الجريمة.
27/10/2003
المصدر
- مقال:ذكرى قصف حلبجة بالغازات السامةموقع:الشبكة الدعوية