رؤية حسن البنا والإخوان إلى الاتفاقات التي وقعتها مصر
مقدمة
يقول البنا:
- إن رسالة الإسلام وتعاليمه هى المنقذ للبشرية، والمشيد للإنسانية، والعلاج النافع لكل أدوائها وأمراضها، فلا رسالة تدعو إلى السلام والوحدة والحب والأخوة والتسامح والإنصاف وبناء نظام الحياة الدنيا على أدق القواعد، وأكثرها مسايرة لطبائع البشر، وإسعاد الروح بالسمو بها إلى أرقى مدارج السمو.
ويقول عاكف:
- ولكل أمةٍ أسس وأدوات لقيام نهضتها، خاصة إذا تربص بها الأعداء، ولئن كانت أمتنا الإسلامية في عصرنا محطَّ استهدافٍ لقوى الشر التي تتزعمها أمريكا فلا بدَّ من التترس بالقيم الربانية والتي تتصدرها الوحدة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).
ولذا دعى الإمام البنا إلى وحدة الأمة وتترسها خلف دينها والأخذ بسبل القوة في مواجهة المتربصين بها، فجاءت مواقفه متوافقة مع مصالح الأمة بما فيها الاتفاقيات التي تعقد فإن كانت في صالح الأمة والوطن فالإخوان يقرونها ويبقون عليها، أما إذا كانت مجحفة وتنتقص من حق الأمة فالإخوان يعملون بكل طاقتهم على نقضها وتعديلها لما فيه صالح الجميع.
البنا والاتفاقات الدولية
يثير العلمانيون واليساريون الشبهات حول الإخوان وفكرهم، ويصدرونه للخارج في محاولة لبث القلق والرعب في نفوس الدول الخارجية من أن الإخوان ضد الاتفاقيات التي أبرمت، وأنهم إذا ما وصلوا للحكم ينقضون كل المعاهدات التي أبرمت بين مصر وغيرها من الدول. في محاولة منهم لتشتيت جهد الإخوان، ولوقوف الجميع أمامهم حتى لا يصلوا للحكم.
وإن كانت هذه التهم ليست جديدة، وهو مبدأ العلمانيين منذ أن ظهر تيار إسلامي وسطي يدعو إلى الإسلام بمفهومه الشامل الذي لا يفرق بين الدين والسياسة وهو ما أزعج الإستعمار وتلاميذه من العلمانيين واليساريين الذين يرون في الإسلام خطر عليهم وعلى مصالحهم.
لقد نظر حسن البنا إلى الاتفاقيات على محورين:
- المحور الأول: ما فيه مصلحة البلاد والأمة وقد أقرها الإمام البنا ووافق عليها ومن بعده الإخوان حتى يومنا هذا.
اتفاقيات لصالح الوطن
وافق البنا والإخوان على الاتفاقيات الداخلية والدولية التي تعود بالصالح على مصر وشعبها، وهو ما حاول أن يقوله ويؤكد عليه في مؤتمر الطلبة الذي عقد عام 1938م صراحة:
- (يعلن المؤتمرون فى صراحة ووضوح وقوة أنه ليس معنى الرجوع إلى المنهاج الإسلامى نقض الاتفاقات الدولية، ولا العدوان على الأقليات المواطنة والأجنبية، ولا الإخلال بنظام الحكم النيابى، ولا إحياء مظاهر رجعية لا تتفق مع المدنية الصحيحة؛ فإن الإسلام خير كله، وقد وضع لكل ذلك أفضل النظم وأعدلها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ "الأنبياء: 107") (1)
وفي مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي أكد على المعني السابق والمعني الذي ينادي به الإخوان وهو إقرار الاتفاقيات التي تعود بالنفع على الوطن فيقول:
- (ومع هذا فقد رحب الإسلام بالوسائل السلمية لحسم الخلاف وإنهاء الخصومة متى أدت هذه الوسائل إلى الاعتراف بالحق الكامل لأصحابه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ "الأنفال: 61". وما خير النبى صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن محرمًا.
- ومن السلم المفاوضة إذا أوصلت إلى الحق الكامل، وقد فاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديبية، ومن السلم التحاكم إذا أدى إلى هذا الحق أيضًا، وإن كنا لا نعلم أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أو أحد من الخلفاء الراشدين المهديين رضى بتحكيم كافر، ولكنه مقتضى عموم الآية، ولازم الاتفاق على الخير، الذى لا يمنعه الإسلام بين المسلمين وغيرهم متى كان فيه مصلحة لهم وليس فيه ضرر عليهم) (2)
بل دعا الشعوب العربية والإسلامية إلى عقد تحالفات تقوي شأنهم وتغنيهم عن الفرقة التي يبثها المستعمر الغربي وسطهم فقال:
- (ويجب أن يتم التفاهم بين شعوب المسلمين بعضهم والبعض الآخر، فإنما هم أمة واحدة وشعب واحد فى الحقيقة برغم هذه التجزئة الاستعمارية وهذا التحديد الجغرافى الذى لا تعرفه العقيدة ولا يقره الإسلام، على أن المصلحة ووحدة الألم والأمل والداء والدواء تحتم على هذه الشعوب التحالف التام، ولقد أباحت قضية فلسطين المباركة لزعماء العالم الإسلامى والعربى أن يتعارفوا ويتصل بعضهم ببعض
- وهى قضية يجب ألا تقف عند هذا الحد، ويجب ألا تذهب هكذا دون انتفاع بها بل يجب أن ينمو هذا التعارف ويزداد بالتزاور والمحالفات والاتفاقات الاقتصادية والثقافية والدفاعية والهجومية وكل أنواع الروابط السياسية والاقتصادية والأدبية حتى تبلغ الوحدة مداها، ففى ذلك كل القوة لهذه الشعوب جميعا) (3)
وقد سار الإخوان من هذا المنطلق في كل تصريحاتهم وأفعالهم بأن المعاهدات النافعة لشعبنا فنحن معها ونقرها.
اتفاقيات أضرت بالوطن
لكن المعاهدات التي سلبت حق الوطن والشعب فلن يقبل بها الإخوان أبدا وسيعملون على نقضها مهما كلفهم ذلك، وهو ما اتضح في تصريحات الأستاذ حسن البنا حول المفاوضات والاتفاقيات التي وقعتها مصر مع المحتل كمعاهدة 1936م والتي كانت وبال على مصر حتى نقضها من وقعها وهو النحاس باشا بعدما تبين له ضررها عام 1951م.
فكتب الأستاذ البنا مستنهضا الشعب برفض الاتفاقيات المجحفة بقوله:
- "أيها الشعب الأبى: حذار فإن الأمر جد لا هزل فيه، وهو مستقبل الأوطان والبلاد ومصير الأبناء والأحفاد، فاذكروا ذلك جيدا واحذروا من أن تخدعكم المسكنات أو تصرفكم عن الغاية الوعود والكلمات وصارحوا المفاوضين من الآن بأنكم ترفضون كل الرفض:
- كل تأجيل لأمر السودان وكل حل لا يحقق وحدة الوادى.
- أية معاهدة أو محالفة تحت ضغط الحراب وسلطة الاحتلال.
- أى ثمن مادى أو أدبى لهذا الجلاء، وهو حقكم الذى لا ينكره عليكم إلا جاحد منكر للجميل.
- أى اتفاق اقتصادى ينقص حقوق مصر، ويقيد حريتها ويضيع عليها دينها الثابت الذى اقتطع من دم للفلاح المتعب وعرق العامل المجهود.
كما نقول فى النهاية للمفاوضين من أبناء مصر حذار أن تنقضوا عهدكم لأمتكم، أو تهدموا الأساس الذى أعلنتموه غير مرة، فإما نجاح يحقق الآمال وإما جهاد فى سبيل الحرية والاستقلال. (4)
كان موقف الإخوان واضحا وجليا من هذه الاتفاقيات التي فرضها المستعمر على مصر وشعبها مستغلا حالة الضعف التي تعيشها البلاد، واستبداد حكامها، وانصياع حكومتها للمستعمر.
فجاء موقف الإخوان من اتفاقية 1936م واضح وضوح الشمس حيث قال الإمام حسن البنا:
- "أما الرد البريطانى، فقد جاء متمما لسلسلة المراوغات التى بدأت منذ الاحتلال البريطانى المشئوم سنة 1882 إلى الآن، والتى توالت فيها النكبات على مصر - رغم الوعود التى بذلت بسخاء ولم تف إنجلترا بشىء منها - وكان منها هذه الاتفاقات الباطلة التى أبرمت ففصلت السودان عن مصر، والمفاوضات الفاشلة التى انتهت بمعاهدة سنة 1936 وهى التى لم تكن سوى قيود كبلت البلاد، واتخذت منهما انجلترا ذريعة للاحتلال الصريح الذى نواصل الجهاد اليوم للتحرر" (5)
وفي خطاب لرئيس الوزراء عام 1947م يقول فيه عن معاهدة 1936م
- (والإخوان المسلمون يرون أن إعلان العزم على اتخاذ هذه الخطوة لا يفيد شيئًا ما لم يتبعه الإسراع فى الدراسة – فقد بلغ القلق بالأمة منتهاه- وما لم تعززه فورًا خطوات أخرى يقتضيها الموقف ويفرضها هذا الاتجاه ومنها:
- أولاً: دراسة الناحية القانونية التى تؤدى إلى إعلان بطلان معاهدة سنة 1936م واتفاقية عام 1899م وجميع القيود والعقود، والاتفاقات السياسية والودية المترتبة عليهما، ومطالبة الحكومة البريطانية بسحب قواتها فى الحال من أرض وادى النيل على اعتباره دولة مستقلة تامة السيادة) (6)
كما عمد إلى تذكير ولاة الأمر بما نتج عن هذه التحالفات التي أضرت بالوطن الإسلامي، وأنها لم تكن إلا لصالح المستعمر فحسب فقال:
- (ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامى الذى فرقته السياسة الغربية، وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية. ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية، التى تجعل من الوطن الإسلامى دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين
- ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها، فمصر وسورية والعراق والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش وكل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله، كل ذلك وطننا الكبير الذى نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضم أجزائه بعضها إلى بعض) (7)
كما رد الإمام البنا على كل من حاول أن يشكك أن تعاليم الدين الحنيف تقف عائقا أمام المعاهدات الدولية، وقد تناسوا أن الدولة الإسلامية عقدت في صدر تاريخها الكثير من المعاهدات الدولية، بل إن الوثيقة العمرية التي وقعها مع أهالي القدس ما زالت تدرس في كليات القانون في الدول الغربية.
حيث كتب لهم قائلا:
- ومن ذلك قولهم: إن العرف العصرى والاتفاقات الدولية تحول بيننا وبين الرجوع إلى ما جاء فى القرآن من أحكام، وهذا القول منقوض بقرارات المجامع الدولية نفسها، ففى لاهاى (ذلك فى المؤتمر الدولى للقانون المقارن - بلاهاى - سنة 1932م، والذى دعا فيه فقهاء القانون الدولى إلى اعتماد الشريعة الإسلامية منظومة قانونية متميزة مع المنظومات القانونية العالمية)
- وفى واشنطن ارتفع صوت المجتمعين بتزكية الشريعة الإسلامية، واعتبارها مصدرا مستقلا من مصادر التشريع صالحا للتطور والبقاء. وما مثلت مصر فى محكمة العدل الدولية بعضو قانونى، هو سعادة عبد الحميد بك بدوى، إلا بهذا الاعتبار. وهو أنها تستمد من شريعة مستقلة هى الشريعة الإسلامية، ولو قيل أنها تستمد تقنينها من إحدى الشرائع الأوروبية لأغنى عن تمثيلها العضو الذى يمثل الدولة ذات التشريع الأهلى، على أن العرف الدولى الآن قد تغير تغييرا كبيرا
- كوصار من المسلم به أن من حق كل شعب أن يفكر فى تنظيمه الداخلى كما يشاء، وتعديل الاتفاقيات والمعاهدات جائز فى كل الظروف والأوقات، فلو أردنا نحن إرادة صادقة لما وقف فى وجهنا أحد، ولكنا نحن الذين لا نريد، ونقيم فى وجه أنفسنا العقبات الثقال ونتوهمها توهما لا حقيقة له) (8)
وأكد المعنى في مكان أخر بقوله:
- (إن مصر والأمم العربية والإسلامية -وهى ترى من واجبها أن تساهم فى الأمن العالمى وفى بناء الحضارة الجديدة على أساس العدالة والمساواة- لم تعد غافلة ولا لاهية عما يدور حولها من أحداث جسام، واتفاقات ومؤتمرات تتناول مصالحها الجوهرية وحقوقها الطبيعية.
- وإن من حق أية دولة أن تمثل فى أى اجتماع يتصل بهذه الحقوق والمصالح، فإذا لم تدرك الأمم الكبرى هذه الحقائق فإن المجتمعين -وهم الحريصون على استقرار الطمأنينة والسلام- يدركون أن الشعب المصرى والشعوب العربية والإسلامية ستضطر اضطرارًا إلى الوقوف من الدول المعتدية فى الخارج والحكومات غير الوطنية التى تصادقها فى الداخل موقفًا لا يعين على التعاون العالمى المنشود الذى هو أمنية الجميع) (9)
ويذمر أن المفاوضات لا طائل منها وأن الحقوق المسلوبة لا تسترد إلا بالقوة من المستعمر، لكن لو كانت اتفاقيات بين دول فيحق للشعب أن يوقف هذه المفاوضات ويلجأ للخيار الصالح له
فيقول الإمام البنا:
- (لقد فاوضنا فلم نصل إلى شىء لتعنت الإنجليز وتصلبهم ومناورتهم، واحتكمنا فلم نصل إلى شىء، كذلك أمام تغلب المصالح الدولية والمطامع الاستعمارية.
- ولقد قال كاتب فاضل: إننا وصلنا إلى كسب أدبى عظيم بالدعاية الواسعة لقضيتنا بطرحها أمام أنظار العالم كله، وإخراجها من حيث التفاهم الثنائى الضيق إلى حيز التحاكم الدولى الواسع، وذلك صحيح، ولكن هذا الكسب الأدبى لن يغنى عن الحقيقة الواقعة شيئا، وهى أننا ما زلنا مع الإنجليز حيث كنا لم نتقدم خطوة، بل إن هذا الركود كان مدعاة إلى التساؤل والبلبلة.
- لم يبق -إذًا- إلا "النبذ على سواء" بأن نعلنهم بالخصومة الصريحة السافرة، ونقرر فى صراحة إلغاء ما بيننا وبينهم من معاهدات واتفاقات، ونعلن اعتبار أمة وادى النيل معهم فى حالة حرب -ولو سلبية- وننظم حياتنا على هذا الاعتبار) (10)
البنا والتوافق على مصلحة الوطن
رحل البنا عام 1949م وجاء بعده بعشرات السنين من يحاول أن يلمز سيرته، ويتهمه فيها بالخيانة دون أن يمتلك دليل واحد إلا كرهه للبنا والإخوان وما يستطيع أن يسطره عبر الصحف أو الكتب أو وسائل الإعلام. حتى أن الكثيرين اتهموه وجماعته أنها ما أنشئت إلا ضد حزب الوفد صاحب الأغلبية.
والسؤال: ماذا فعل حزب الأغلبية لمصر طيلة تولية الوزارة؟ سواء في عهد سعد زغلول أو النحاس باشا، أو حتى من انشقوا عنه وأسسوا أحزاب على مبادئ الوفد أمثال أحمد ماهر والنقراشي وإبراهيم عبدالهادي. مذا قدموا جميعا للقضية المصرية وللشعب المصري؟!!! لا شيء.
ومع ذلك لم ينجاز الإخوان الوفد (كونه كبير) لكن الوفد هو من حقد على الإخوان، فنراه يسارع بتلبية أوامر الإنجليز حينما كلفوه باقناع البنا عن عدم خوض انتخابات البرلمان عام 1942م، بل قام بحل جميع الشعب عام 1943م، بل قام أنصاره في بورسعيد بمحاولة قتل الأستاذ البنا عام 1946م، بل قام أحد الوفدين في مدرسة شبين الكوم الثانوية بطعن الطالب الإخواني صادق مرعى أفندي وكادت تحدث فتنة لولا أن أرسل الإمام البنا يهدأ من روع شباب الإخوان وطالبهم بترك الأمر للقضاء وبالفعل صدر حكم على القاتل بـ15 عاما.
مع كل ذلك كان الإمام البنا يتلمس أى تحالف يحقق مصلحة الوطن ومن ذلك رد الإمام البنا على مشروع اتفاق أرسل به حزب الوفد للإخوان، وهو ما جاء في رد الإمام البنا بقوله:
حضرة صاحب السعادة الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا.
السلام عليكم ورحمة الله
تلقيت بمزيد من الارتياح خطابكم الكريم وأنى أحيى فى شخص سعادتكم هذه الروح الطيبة التى أملت على سعادتكم تعزيز الروابط الحزبية بين الإخوان المسلمين والوفد وإنى أرحب بكل تعاون فى سبيل البر والخير والنفع للوطن والمسلمين.
من أجل هذا أتشرف بأن أبلغ سعادتكم موافقتى على أن نتقابل فى الزمان والمكان المحددين بخطابكم المؤرخ 12- 8- 1948 ... أن يوفقنا إلى ما فيه خير العباد وسعادة البلاد (11)
وقد اتفق الطرفان على تسعة بنود منها:
أولاً: اتحاد الجهود وتضافر القوى للخلاص من النظام الحاضر الذى يمثله صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا.
ثانيًا: يحتفظ كل حزب بطابعة الحزبى ونظامه الداخلى وبرنامجه السياسى كل فى دائرته دون التدخل فى أى جانب من هذه الجوانب الرئيسية.
ثالثًا: تأليف لجنة اتصال تمثل الوفد والإخوان.
رابعًا: اتفق الطرفان على التعاون والاتحاد والتضامن فى تأليف لجان الطلبة بالمدارس والكليات والجامعة الأزهرية.
خامسًا: نظرًا لأن البلاد قادمة بعد شهور قليلة على خوض معركة انتخابية عامة فى جميع دوائر القطر فقد اتفق الطرفان على أن يكون لهذا الائتلاف أثره فى التضامن الانتخابى.
سادسًا: تؤلف لجنة من الوفد والإخوان لدراسة المسألة الانتخابية تكون مكونة من خمسة من الوفديين وخمسة من الإخوان برئاسة من يختاره الحزب لهذا الغرض.
سابعًا: ليس للوفد أن ينفرد بتأييد أى نظام سياسى دون موافقة الإخوان المسلمين والتشاور معهم فى تقرير الخطة التى توافق مصلحة البلاد.
ثامنًا: اتفق الطرفان على تأليف لجنة خاصة تكون مهمتها توجيه لجان الطلبة فى الميادين السياسية.
تاسعًا: أعرب ممثلو الوفد والإخوان بأن هذا الاتفاق يعرض على الهيئة التى يمثلها كلاهما للموافقة عليه فى خلال أسبوع من تاريخه ويكفى تأييدًا للموافقة تبادل خطابات التهنئة بما انتهى إليه الوفد والإخوان من تضامن وائتلاف. (12)
ومع ذلك الاتفاق الذي لم يكتمل بسبب تسارع الأحداث وصدور قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948م. إلا أن جزء منه تحقق في انتخابات 1950م حيث ناصر الإخوان الوفد في الانتخابات التي جرت في 3 يناير 1950م.
هذه بعض النماذج من موقف الإمام البنا والإخوان من قضية الاتفاقيات التي أبرمتها مصر مع بعض الدول سواء أثناء وقوعها تحت نير الإستعمار أو غير ذلك.
ردود وشبهات
كثير من القضايا التي تطرح الآن طرحت على عهد الإمام البنا وأوضح فيها رأيه ورأي الإخوان جيدا غير أن الموتورين ما زالوا يطرحونها في محاولة للتشكيك في فكر الإخوان وتشتيت جهدهم.
ومن هذه القضايا التي طرحت على الإمام البنا ورد عليها بقوله:
- ويقولون أيضا: وماذا تفعلون مع غير المسلمين من المواطنين؟ والجواب حاضر سهل ميسور مقنع وهو أننا لا نقدم لهم هذه الأحكام على أنها دين يؤمنون به أو عقيدة جديدة تخالف ما يعتقدون، ولكنا نقدمه على أنه قانون اجتماعى تحارب به الجريمة التى حرمتها كل الأديان،
- ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا، ولا يصطدم مع نص من نصوصها، ولا يتعرض للمؤمنين بها فى عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعى الذى يحقق فعلا ما يريده دينه، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد فى القرآن أو أوحى به الإسلام، ومن يكون المتعصب إذن فى هذه الحال؟.
- أما الأجانب فنريد أن نسأل من يرون فى تطبيق هذه الأحكام صعوبة بالنسبة لهم، ماذا يطبق علينا الأجانب فى بلادهم من قوانين؟!.. فإن قالوا: يطبقون قوانينهم، قلنا: فلماذا لا نطبق عليهم نحن قوانيننا؟.. ولماذا لا نضع أنفسنا معهم على قدم المساواة، وما الذى يدعونا إلى أن نستشعر أننا أقل منهم وأضعف؟.. وإن قالوا: يطبقون قوانيننا، قلنا: فلنطبق عليهم قوانينهم، ويكون ذلك امتياز بامتياز، على أن الأمر الواقع أنهم يطبقون علينا قوانينهم ولا يعترضون إن طبقنا نحن عليهم قوانين البلاد، ولا يحتاج الأمر منا إلا أن نؤمن بتشريعنا أو أنفسنا.
- ويقال: كيف نطبق شريعة مضى عليها ألف عام أو تزيد؟.. والجواب على هذا أن هذه الشريعة نفسها قد احتاطت لهذه الأغراض فلم تورط نفسها فى جزئيات الأمور، ولم تتحكم فيما يتجدد بتجدد الحوادث والأعصار، وجاءت على نسق جعلها أعظم الشرائع مرونة، وقبولا للتطور مع الأزمان، والصلاحية للحكم فى كل عصر ومكان
- حتى أثر عن أئمتها الأجلاء قول بعضهم: "تحدث للناس أقضيتهم بقدر ما أحدثوا من الفجور، وما نص عليه فيها من عقوبات لا تتجاوز عدد أصابع اليد لجرائم أساسية وجدت مع الغريزة الإنسانية، ولا يمكن كبحها إلا بهذا الأسلوب من التشريع الحازم الجرىء، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامية علم وصدق ما نقول وأدرك جلال ما فيه من مرونة ودقة وانفساح واتساع، وقابلية لكل الظروف والأحوال.
أ:ما تهمة القسوة والشدة فى الحدود التى جعلت بعض الذين لا يعلمون يتطاول إلى وصفها بالوحشية والرجعية والهمجية إلى غير هذه الأوصاف فأمر مقصود لحكمة سابقة، ونظرة عالية يكشف اليوم عن جلالها وجمالها ودقتها وروعتها ما ذهب إليه المشرعون العصريون من أن العقاب علاج لا مجرد جزاء، وأنه يجب أن يساير طابع النفوس وغرائزها
- ويصدر عن علم بخفاياها ودقائقها، والحدود الإسلامية مبنية على ذلك فى صورتها، فهى تبدو فى شكل من القسوة يرهب ويخيف حقا، ولكن لعدد محدود من الجرائم يتصل بالغرائز الإنسانية التى لابد لردعها وعلاجها من هذه الصورة من الدواء، حتى إذا وصل الأمر إلى يد القاضى، فهناك طرق الإثبات، وهناك ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، ولن تجد بعد ذلك تشريعا أرفق وأرحم، ولا أدق وأكرم من تشريع الإسلام
- وخذ مثلا لذلك: حد الزنا، وهو أقسى الحدود فى نظر الناس فهو جلد على ملأ من الناس أو رجم بالحجارة إلى الموت كيف يثبت؟ لا يمكن إلا بالشهادة بصورتها المعروفة، ولن تتوفر، أو بالإقرار ولا عذر لمن أقر، حتى إذا عرضت للقاضى أضيق ثغرة أو وقعت فى نفسه أدنى شبهة عدل عن الحد إلى ما دونه، وهو التعزير والتأديب بما يناسب من العقوبات، وبذلك تجمع هذه الحدود بين الصورة الرادعة والرحمة الوادعة ولن يستقيم ذلك بعد تشريع العليم الخبير، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.
- فيأيها الذين يريدون الاستناد إلى الأوهام حسبكم، وعودوا إلى أحكام الله، ففيها الدواء والشفاء والحد من حدود الله يقام فى أرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا، والتبعة الأولى على الحكام.
وهى من بعدهم على العلماء والكتاب. وهى أخيرا على الأئمة والهيئات والأحزاب. (13)
المراجع
- مجموعة رسائل الإمام حسن البنا: رسالة مؤتمر الطلبة 1938، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006.
- مجموعة رسائل الإمام حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
- حسن البنا: الدرس الذى نستفيده من الحالة العالمية والأعمال التى يجب أن نقوم بها حالا، مجلة النذير، العدد (14)، السنة الثانية، 3 ربيع الثانى 1358ه- 23 مايو 1939م، صـ3.
- حسن البنا: إلى شعب وادى النيل، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (14)، السنة الأولى، 19 جماد الآخرة 1365 - 20 مايو 1946، صـ1.
- حسن البنا: بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل، جريدة الإخوان المسلمين، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365/ 9 فبراير 1946، صـ3.
- حسن البنا: خطاب الإخوان إلى دولة رئيس الوزراء، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (240)، السنة الأولى، 22ربيع أول 1366ه - 13 فبراير 1947م، صـ2.
- حسن البنا: رسالة الى الشباب، مجموعة الرسائل.
- حسن البنا: معركة المصحف، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ - 20 مايو 1948م، صـ3.
- حسن البنا: رسالة مؤتمر رؤساء المناطق والشعب، مجموعة الرسائل.
- حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، مجموعة الرسائل.
- حسن البنا: حول مشروع اتفاق الوفد والإخوان المسلمين رد الشيخ البنا، جريدة طنطا (الوفدية)، العدد (841)، السنة (23)، 24ذو القعدة 1367ه - 27 ستمبر 1948م، صـ2.
- حسن البنا: حول مشروع اتفاق الوفد والإخوان المسلمين رد الشيخ البنا، جريدة طنطا (الوفدية)، العدد (841)، السنة (23)، 24ذو القعدة 1367ه - 27 ستمبر 1948م، صـ2.
- حسن البنا: معركة المصحف، مرجع سابق، صـ3.