سيد قطب مقاوم ضد الاستعمار

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سيد قطب مقاوم ضد الاستعمار


مقدمة

قضيتان كبيرتان احتلتا اهتمام ونضال سيد قطب، قضيتا الاستبداد والاستعمار، وكانت تلك القضيتان سبباً رئيسيا في الهجوم على سيد قطب ومحاولة دفنه وتاريخه كله في أغوار النسيان! ولن نكون مبالغين اذا قلنا أن سيد قطب كان متفرداً من بين أقرانه فى موقفه من الاستعمار، فلم يضاهيه أو يقترب منه أحد فى هذا المضمار.

وإن إغفال دور سيد قطب فى مواجهة الاستعمار بأشكاله كلها، لهو ظلم كبير للأديب والمفكر والثائر سيد قطب، وكذلك ظلم كبير لاجيال لم تعش هذه الفترة من تاريخ مصر والمنطقة العربية والاسلامية، وفوق هذا وذاك خيانة لأمانة العلم والكلمة. فقد تنبه سيد قطب الى حقيقة الاستعمار وأشكاله، والى ضرورة عدم الانحياز الى أي من أشكاله، فكان سيد قطب بذلك استثناءً بين مثقفى عصره الذين انحازوا فى معظمهم الى شكل من أشكال الاستعمار.

ولم تكن كتابات سيد قطب فى مواجهة الاستعمار، كتابات غاضب ينفث غضبه فى أوراقه وكتاباته، إنما كانت تأسيساً لمنهج علمى واضح ورؤية مستقاة من دين وحضارة الاسلام. لذا فقد هاجم الشيوعية بنفس القدر الذى هاجم به الرأسمالية.. فحاربه الشيوعيون بنفس الوقت والقدر الذى حاربه فيه الرأسماليون ومعهم المستبدون.. فقد حاربه الجميع!

لكن كل الطامحين الى الى حياة أفضل في ظل وطن عزيز حر، انحازوا لسيد القطب الاديب والثائر والمفكر، فقد رأت تلك الاجيال فى سيد أملاً وريادةً، فتبنت أفكاره وآمنت بمبادئه.

سيد قطب.. وعصر الاستعمار

وضعت الأقدار سيد قطب في وقت واجهت فيه الامة الإسلامية هجوما إستعماريا ضاريا في النصف الاول من القرن العشرين، ساعتها لم يكن سقوط الدولة العثمانية في عام 1924 هو الاخطر، بل كان تفككها هو الأكثر خرابا على العالم الاسلامى، مما أغرى خصوم الإسلام والدولة بإجتياح العالم الاسلامى وإقتسامه..

ورافق ذلك صراعاً محليا وإقليميا آخر حول الأفكار والمناهج والمعتقدات، ما بين أصيل يدافع عن نفسِه ووافد يريد أن يفرض نفسَه، ما بين اسلامى واشتراكى شيوعى أو رأسمالى غربى، كلهم يحاول ملء الفراغ الناشئ عن سقوط الدولة الكبيرة الجامعة لشتات العالم الاسلامى. هكذا كان الوضع في مصر التي هي قلب قلب العالم الاسلامى في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

سيد قطب ثائر في وجه الشيوعية

فى أربعينات القرن العشرين، إكتسب الاتحاد السوفيتى شهرة كبيرة، خاصة الزعيم السوفييتى ستالين بعد صموده أمام هتلر، حيث صار للنموذج السوفييتى جاذبية شديدة لدى الكثيرين فى مصر وفى عالمنا العربى، خاصةً بين المتعلمين والمثقفين وبين بعض أبناء الطبقة الأرستقراطية.

وبرغم أن الحزب الشيوعى المصرى تأسس عام 1923، الا أن الفترة من 1939 وحتى عام 1958 شهدت تأسيس العديد من الحركات والمنظمات الشيوعية ومنها منظمة تحرير الشعب، والعصبة الماركسية، والحزب الشيوعي المصري الموحد وغيرها، وضمت في عضويتها الطلبة والموظفين والمثقفين..(1)

وكانت مشكلة الفقر الذى كان ينهش في أجساد المصريين، تؤرق العددين داخل مصر وخارجها، ففي الداخل قدَّم النائب محمد خطاب وكذلك إبراهيم شكرى مشروع قانون إلى مجلس النواب لتحديد الملكية الزراعية، الا أن الأغلبية رفضته وغضب قصر عابدين من هذه الأفكار والمقترحات. (2)

وفى الخارج عبر السفير الامريكى بالقاهرة كافرى وغيره للملك فاروق عن ضرورة اتخاذ خطوات للحد من مشكلة الفقر، تجنبا لثورة شيوعية يمكن أن تطيح به وتفتح المجال لتغلغل سوفييتى فى المنطقة كلها، الا أن فاروق لم يستجب لدعوات الداخل وتحذيرات الخارج، مما أوجد بيئة خصبة لتلقى دعايات الشيوعيين حول صراع الطبقات والانتصار للفقراء والطبقات الكادحة.

وكان أحد الذين تزعجهم هذه الأوضاع سيد قطب، فأبان من خلال كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، أن العدالة الاجتماعية ليست عند الشيوعيين ولا الغربيين؛ وإنما هي ظاهرة جليَّة في الإسلام؛ ففي الإسلام وحده الخلاص من الظلم الاجتماعيِّ.

وكان سيد قطب يرى أن منشأ الفكرة الشيوعية يعود الى احتلالها (في عالم المبادئ مساحة اوسع من المساحة التي انتهت اليها مبادئ الثورة الفرنسية في العالم الغربي.. ان الشيوعية هي النهاية الطبيعية لحضارة خالية من الروح، خاوية من المثل، مجرّدة من الاحلام) (3)

لكنه كتب ناقدا لها:

"وأرادت الشيوعية ان تقيم تجمعا من نوع آخر، يتخطّى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون، ولكنها لم تقمه على قاعدة إنسانية عامة، إنما أقامته على القاعدة "الطبقية" فكان هذا المجتمع هو الوجه الآخر للتجمّع الروماني القديم. هذا تجمع على قاعدة طبقة [الأشراف] وذلك تجمع على قاعدة طبقة الصعاليك "البروليتاريا"" (4)

بل ان سيد قطب تنبأ في عام 1947، بأن تعايشا سيحدث بين الماركسية والرأسمالية، وقبل أن يحدث ذلك فعليا بنحو ثلاثين عاماً، وقال بأن الانقسام بين الكتلة الشيوعية في الشرق والكتلة الرأسمالية في الغرب، هو انقسام ظاهرى وليس حقيقى، وأنه انقسام على المصالح لا على المبادئ.. وأن الصراع الحقيقى هو بين تلك الكتلتين وبين الإسلام، فلقد حذر سيد من العدوين معا، القائم والقادم. (5)

وقد أحدث هذا الكتاب ضجة في مختلف الأوساط بمجرَّد ظهوره؛ فعاداه الشيوعيون لأنه سحب البساط من تحت أرجلهم بحديثه عن قضيتهم الأساسية من منظور إسلاميٍّ للعدالة الاجتماعية، وقد طبع الكتاب عدَّة طبعات في حياة سيد، كان آخرها الطبعة السادسة التي أصدرتها "دار إحياء الكتب العربية" عام 1964م

سيد قطب ثائر في وجه الرأسمالية

تحدث سيد قطب عن تغلغل الاستعمار في الأمة الإسلامية فيقول:

"ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة، وان تزوّر التاريخ، فتزعم لنا أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار... كلا... إنما الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة على السفور
كما كانت في القرون الوسطى! والتي تحطّمت على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر، وفيهم صلاح الدين الكردي، ونوران شاه المملوكي، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة" (6)

ويتتبع سيد قطب الاستعمار بأشكاله كلها، فهو يكتب عن فرنسا الاستعمارية في الجزائر، ويكتب عن أمريكا في فلسطين، ويكتب عن وراثة أمريكا الاستعمارية مستعمرات بريطانيا الاستعمارية..

سيد قطب.. و (عبيد فرنسا)

فعندما نفّذت فرنسا جريمة اغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشاد في 4 ديسمبر 1952، عن طريق ذراعها عصابة اليد الحمراء. إنبرى الأديب الثائر سيد قطب في جريدة "الرسالة" الثقافية في عددها ليوم 15 ديسمبر 1952، فكتب مقالا بعنوان "فرنسا أمّ الحرية"، حمل فيه على فرنسا الاستعمارية حملا شديدا، وبطبيعة الحال نالت ذات الحملة أنصار فرنسا فى مصر

حيث قال:

(هذه هي فرنسا عصابة من قطاع الطرق، عصابة متبربرة متوحشة، تترصد للزعماء السياسيين فتقتلهم غيلة وغدرا، وتمثل بجثثهم في نذالة وخسّة… هذه هي فرنسا تقف كاللبؤة فمها يقطر من دم الزعيم البطل فرحات حشاد، والدنيا كلها ترقبها وهي تلغ في الدم، ولكنها لا تخجل لأنّ فرنسا "الحرة" قد ضيعت دم الحياء وهي تلغ في دم الشهداء)
ثم يصوب سيد قطب طلقاته الحارقة الخارقة لأنصار فرنسا المدافعين عنها والساكتين على جرائمها، فقال: (هذه هي فرنسا التي تهجّد بذكراها وسبّح بحمدها وصلّى رجال ممن يقال عنهم أو عن بعضهم أنهم من قادة الفكر. ومنذ قرن وربع قرن، وفرنسا تمثل مسرحيتها الوحشية هذه على مسرح الشمال الإفريقي منذ احتلالها للجزائر في عام 1830)

ولا يفوت سيد قطب أن يشير الى شراكة الاستعمار كله فى الجريمة، فقال:

"إنّ جريمة فرنسا الجديدة هي جريمة الضمير الغربي كله. ففرنسا لا ترتكب جرائمها إلاّ وهي مسنودة الظهر بالمعسكر الغربي. إنّ الضمير الغربي كله، بكل ما فيه من وحشية عميقة الجذور، ليتمثل بوضوح في تلك الجريمة.
إنّها جريمة "العالم الحرّ" جريمة الحضارة التي يدعونا العبيد الكثيرون المنتشرون في مصر والشرق العربي من قادة الفكر أن نترك عقائدنا وتقاليدنا وتاريخنا وأمجادنا لنلهث وراءها كيما نرتقي ونتحضر ونلحق بركب العالم المتحضر، العالم الذي يقتل الزعماء الوطنيين غيلة غدرا ويمثل بجثثهم في نذالة وخسّة.
إنّ هذا الضمير الذي أوحى إلى فرنسا بأن تقتل الزعيم التونسي وتمثل بجثته لهو ذات الضمير الذي أوحى إلى أنجلترا أن تلقي بالجرحى من الفدائيين في القنال إلى الكلاب المتوحشة) ثم يعود سيد قطب مرة أخرى لأنصار فرنسا والغرب عموما فى بلادنا

فيقول:

"إنّه هو هو ضمير العالم المتحضر، العالم الذي تسبّح بحمده أقلام خائنة وألسنة خادعة ومن هذه الأقلام قادة الفكر. ونحن ببلاهة منقطعة النظير نصفق للخونة ونهتف للخادعين ونرفع مكانهم عليّا ونهيّء لهم المناصب والمراكز التي يتمكنون بها من تنفيذ جريمة الخداع والخيانة. إلى هؤلاء العبيد أوجه سؤالي: متى كانت فرنسا صديقتنا؟ متى وقفت في صفنا مرة واحدة في التاريخ كله؟" (7)

هذه الكلمات القوية التى ربما لم يقل مثلها بقوتها ووضوحها أحد، مثلما قال بها سيد. هل من الانصاف أن تغيب عن مقالات يدبجها أصحابها للحديث عن سيد ومنهج سيد؟!

سيد قطب وخداع أمريكا

فللمخدوعين من أبناء المسلمين بأمريكا، كتب سيد قطب عقب عودته من أمريكا:

(انني حين أكتب عن أمريكا ما احسه من حقائق لا أعني انني راض عن الحياة في الشرق وما فيها، ولكن هناك شيئاً واحداً لا يصح ان نغفله: ان امريكا تستخدم كل رصيدها الممكن واننا نهمل رصيدنا فنبدو مفلسين.. ان الحاضر الواقع في بلادنا لا يرضي احداً
ولكن الممكنات امامها كثيرة لو وثقنا في أنفسنا وفي رصيدنا المكنون وهذا هو مفترق الطريق.. ولو انك عشت في امريكا بعض الوقت كما عشت لحمدت للشرق روحه رغم هذا الخمول الذي يُعانيه).. وقال سيد في موضع آخر: (تصلح أمريكا ان تكون ورشة العالم فتؤدي وظيفتها على خير ما يكون. اما ان يكون العالم كله كأمريكا فتلك هي كارثة الانسانية بكل تأكيد.. وما أشبه اليوم بالبارحة!).

لقد بدا أن سيد قطب وهو يكتب عن أمريكا وحضارتها، كأنه عالم اجتماع وعالم نفس وعالم سياسة واسع الاطلاع عميق الثقافة دقيق الملاحظة متين التعبير:

(وانه ليبدو ان العبقرية الاميركية كلها قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والانتاج بحيث لم تبق فيها بقية تنتج شيئاً في حقل القيم الانسانية... شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء بينما في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق البشرية الاولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك)

وحين نقرأ اليوم "امريكا التي رأيت" لسيد قطب، نفاجأ لدقة التحليل وعمق الرؤية وكأننا نقرأ النص اليوم في مطلع الالفية الثالثة (وبعد مرور نصف قرن على كتابته). (8)

وعن السياسة الاستعمارية لأمريكا، كتب سيد مقالا بعنوان:

"عدونا الأول: الرجل الأبيض"، فيقول: (الذين يعتقدون أن الأمريكان يمكن أن يكونوا معنا ضد الاستعمار الأوروبي هم قوم إما مغفلون، أو مخادعون، يشكلون طابورًا خامسًا للاستعمار المنتظر لبلاد الشرق الإسلامي. إن مصالح الاستعمار الأمريكي قد تختلف أحيانًا مع مصالح الاستعمار الأوروبي، ولكن هذا ليس معناه أن يكونوا- أي الأمريكان- في صف استقلالنا وحريتنا.
إنما معناه أن يحاولوا زحزحة أقدام الأوروبيين ليضعوا هم أقدامهم فوق رقابنا. وفي الغالب هم يجدون حلاًّ لخلافاتهم مع الاستعمار الأوربي على حسابنا. إن الرجل الأبيض هو عدونا الأول سواء كان في أوروبا، أو كان في أمريكا، وهذا ما يجب أن نحسب حسابه، ونجعله حجر الزاوية في سياستنا الخارجية، وفي تربيتنا القومية كذلك.
ولكن الذي نفعله هو عكس هذا على خط مستقيم، عندنا في وزارة المعارف عبيد للرجل الأبيض، عبيد يعبدون هذا الرجل كعبادة الله، بل إنهم ليلحدون في الله، ولا يلحدون في أوروبا أو أمريكا، سرًّا وعلانيةً! عندنا فتات آدمي ينظر إلى الرجل الأبيض نظرة التقديس، ويطبع مشاعر الطلبة الذين سيصبحون مدرسين بطابع الإعجاب، والقداسة لأولئك المستعمرين القذرين، الذين يحتقروننا ويهينون كرامتنا، جناية قومية، وجناية إنسانية. (9)

وقال:

(أمريكا قد ورثت عن الدول الغربية الاستعمارية استعمارها وسلطانها على البلدان التي كانت خاضعة لسلطان تلك الدول- إلا ما خضع للاستعمار الروسي- بل إن الدول الغربية الاستعمارية ذات التاريخ الاستعماري- إسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، وهولندة، وبلجيكا، وفرنسا، وبريطانيا- أصبحت خاضعة لأمريكا، دائرة في فلكها، متمتعة بحمايتها.
إن أمريكا بدأت تظهر بوجهها الاستعماري الكالح في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي حطمت الدول الأوروبية المستعمِرة، وجعلت شمسها تغرب عن مستعمراتها، فاستلمت أمريكا الراية الاستعمارية الجاهلية الدَّنِسة، وأمعنت في استعمارها، وهيمنتها، وسلطانها على البلدان الخاضعة لها على الطريقة الأمريكية البدائية بصلفها وعنجهيتها وغرورها وانتفاشها) (10)

أمريكا وتوظيف الإسلام

في مقاله الشهير "إسلام أمريكاني" الذي نُشر في مجلة الرسالة سنة 1952 يفضح سياسة أميركا وعملاءها في المنطقة، فيقول:

(والإسلام الذي يريده الأمريكان وحلفاؤهم في الشرق الأوسط ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، ولكنه فقط الإسلام الذي يقاوم الشيوعية! إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم، لأن الإسلام حين يحكم سيُنشِئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلـِّم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن طرد المستعمــر فريضــة، وأن الشيوعيــة كالاستعمــار وباء فكلاهما عدو، وكلاهما اعتداء)

وبالنسبة للأميركيين وعملائهم فالإسلام

(يجوز أن يستفتى في منع الحمل، ويجوز أن يُستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوز أن يستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يستفتى أبدا في أوضاعنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي، ولا يستفتى أبدا في أوضاعنا السياسية والقومية) !

أصدر سيد قطب كتابه (السلام العالمى والإسلام) عام 1952، وفيه فصل كامل بعنوان (والآن) وفيه فضح زيف ادعاء أمريكا بأنها تقدم المعونات لاجل الدول النامية، كما فضح السياسة الاستعمارية لأمريكا في المنطقة.. لكن الغريب أن هذا الفصل بالذات تم حذفه من الطبعات التالية للكتاب في عصر عبد الناصر بداية من طبعات 1954!

وكانت الطبعات الأولى من الكتاب متضمنة ذلك الفصل قد بدأت قبل قيام حركة الجيش في 1952 وقبل أن يتمكن السفير الامريكى جفرسون كفرى من السيطرة على مجموعة (الضباط الأحرار).. وهكذا لم يقف سيد قطب عند مناهضة النفوذ البريطاني، بل تجاوز ذلك الى فضح الاستعمار الشيوعى والامريكى في بداياته. وهذا دلَّ على عبقرية سيد قطب ووعيه المبكر فيما يخص الاستعمار بنوعيه ونواياه بالمنطقة العربية والإسلامية.

ولكى ندرك البون الشاسع بين ما كان في رأس وعقل سيد قطب وما كان في رأس وعقل حركة ضباط يوليو، نقرأ ما ذكره السادات في كتابه (يا ولدى هذا عمك جمال) والذى طبع في عام 1965، حيث قصر السادات معنى الاستعمار على الانجليز، بل قال في كتابه ذلك، أن أمريكا هي ضد الاستعمار!

قضية فلسطين

كان سيد قطب واعيًا بالسياسة الأمريكية ودعمها للصهاينة في فِلَسْطِينَ، فكتب مقالاً في مجلة الرسالة بعنوان "الضمير الأمريكاني وقضية فلسطين"

قال:

"أخيرًا يتكشَّف ضمير الولايات المتحدة الذي تعلَّقتْ به أنظار كثيرة في الشرق، وحسبته شيئًا آخر غير الضمير الإنجليزي والضمير الفَرنسي، وسائر الضمائر الأوربية المعروفة.
أخيرًا يتكشف ضمير الولايات المتحدة هذا، فإذا هو - ككل شيء أمريكي آخر – "ضمير أمريكاني"! ونحن نعرف في مصر "اللعبة الأمريكانية"، ونعرف أنها "نصب في نصب"، وقد حرّمت هذه اللعبة لما فيها من غشٍّ وخداع، و"الضمير الأمريكاني" الذي تكشف عنه تصريحات ترومان لا يرتفع كثيرًا عن هذه اللعبة الممنوعة!
ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير؛ لأن الشرق لم يحتكَّ طويلاً بأمريكا، كما احتكَّ بإنجلترا وفرنسا وهولندا، فلما بدأ الاحتكاك في مسألة فلسطين تكشَّف هذا الخداع عن ذلك الضمير المخول، الذي يقامر بمصائر الشعوب، وبحقوق بني الإنسان؛ ليشتري بضعة أصوات في الانتخاب.
وكلهم سواءٌ أولئك الغربيون: ضمير متعفِّن، وحضارة زائفة، وخُدعة ضخمة اسمها "الديمقراطية" يؤمن بها المخدوعون! تلك كانت عقيدتي في الجميع، في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريق ويسيء الظن بفريق، وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتَّع بحسن الظن من الكثيرين، فها هي ذي أمريكا تتكشَّف للجميع (11)

الخاتمة

الدور الذى قام به سيد قطب فى مواجهة الاستعمار وفضحه، أنقذ العديد من شباب العالم العربى والاسلامى، منعهم من الانجراف فى تيار التطبيع معه، سواء كان إستعمارا انجليزيا أو فرنسيا أو شيوعيا أو أمريكياً.

وليس هناك أصدق وأوضح من كلمات العلامة محب الدين الخطيب حين قال عن سيد قطب فى مقدمة كتاب (دراسات إسلاميّة) لسيد قطب:

(نحن الآن في مرحلة سعيدة من مراحل التاريخ، لأننا آخذون في التحرر من سلطان الاستعمار.. ولكن الذي يحزّ في النفس أن المثقفين منا، الذين آمنوا بضرورة تحرير هذه الأوطان من الاستعمار السياسي والعسكري، لا يزال أكثرهم على أتم الغِبطة والرضا بما حبّبه الاستعمار إليهم – في مراحل التعليم كلها- من مبادئ وعقائد وأخلاق وآداب..
لذلك كان من حاجة الأمة الإسلامية أن تكوّن رأيها الحكيم منذ الآن فيما تأخذ من حضارة الغرب وما تدع، وأن تفهم إسلامها ورسالته الاجتماعية والأدبية بمعانيهما الأصيلة السليمة، وأنه نظام اجتماعي متكامل تترابط جوانبه وتتساند وأنه يختلف عن النظم الأجنبية كلها في طبيعته، وفي فكرته عن الحياة، وفي وسائله لتصريفها
وأن الإسلام بمجموع أنظمته واتجاهاته هو الذي يدعو إلى عالم أفضل، وليس في أنظمة البشر نظام يدعو إلى عالم أفضل من العالم الذي يدعو إليه الإسلام. ومن الآن إلى أن تكون لنا مدارس وجامعات تؤمن بهذه الحقائق، وتُلقّن أبناءنا وسائل الإيمان بها، لا مناص لنا من الاعتماد على مثل هذه الصرخات القوية تسجلها أقلام المؤمنين الأقوياء من أمثال سيد قطب) (12)

المصادر

  1. موجز تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر
  2. العدالة الاجتماعية بين اليمين واليسار
  3. (نحو مجتمع اسلامي ـ ص 22 ـ 23)
  4. كتاب العدالة الاجتماعية فى الاسلام
  5. المصدر السابق
  6. العدالة الاجتماعية فى الاسلام
  7. فرنسا ضيّعت دم الحياء وهي تلغ في دم الشهداء
  8. سيد قطب.. وأميركا
  9. أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب ص41
  10. أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب ص7
  11. مجلة الرسالة، العدد 694، بتاريخ 21/10/1946م.
  12. العلّامة محبّ الدّين الخطيب يكتب عن سيد قطب