صور من نقد الإمام البنا للمعارضين .. طه حسين أنموذجا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
صور من نقد الإمام البنا للمعارضين
طه حسين أنموذجا


إخوان ويكي

=مقدمة

"لاخير فيكم إن لم تقولوها .. ولا خير فينا إن لم نسمعها" قاعدة وضعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أوضحت أهمية النقد في إصلاح النفس والمجتمع حتى يتعرف المرء على مدى صواب مسلكه.

فالنقد البناء أول خطوة في الطريق إلى الرقي والتقدم، حيث تعتبر مسألة النقد والتقييم والمراجعة ظاهرة صحية في المؤسسات والمجتمعات المتحضرة، بل هي جزء أساسي من عملية التطوير والتقويم المستمر، يقول عبدالكريم بكار: إن جزءًا أصيلًا في كل طرح، وفي كل نظام عظيم، يكمن في قبوله للمراجعة، والنقد والإنماء والتغيير.

وهو ما عبر عنه المحامي الأمريكي فرانك كلارك بقوله عن طبيعة النقد:

النقد مثل المطر ينبغي أن يكون يسيراً بما يكفي ليغذي نمو الإنسان دون أن يدمر جذوره. وهكذا كان الإمام حسن البنا الذي ربى نفسه على تقبل النقد وإصلاح الذات ومعرفة الحق وهو ذات المنهج الذي عمد إلى تربية أتباعه عليه، بل بلغ به إدراك حقيقة النقد حتى لأعلى هرم السلطة لكنه مع ذلك كان نقدا بناءا إيجابيا مغلف بعذوبة الكلمات وانتقاء الألفاظ للمنتقد وعدم التعرض للأشخاص أو الهيئات.

حسن البنا ونقد الذات

أوضحت مسيرة الإمام البنا ومن كتب عنه سواء من الأحباب أو الأعداء أنه كان دائم النقد لذاته، وكان يجري مراجعة ذاتية، وهو ما وضح في رسائله التي اختلفت في المفاهيم بين بداية الدعوة وبعد مرورها بسنوات.

بل كان دائما ما يراجع أعمال الجماعة ليقف على الخلل ويستمع لكل ناصح وناقد أمين، ليرى الخلل في جماعته أين هو؟ وماذا تحتاج في المرحلة المقبلة، ولماذا أخفق في كذا، ولماذا نجح، وكيف يتجنب الإخفاق السابق. فكتب مقالات عديدة يحاسب فيها نفسه وجماعته، ماذا قدمت؟ وفيم نجحت؟ وفيم أخفقت؟ وما المطلوب منها؟.

فكتب مقالا تحت عنوان: (عامان في الميزان.. عام مضى، وعام في ضمير الغيب) حاول فيه الوقوف على ما وقع للإخوان في العام الماضي وما هم مقبولون عليه من حوادث في المستقبل وأن الطريق ليس بالسهل ومن ثم وجب على الإخوان – كما يقول: صلاح النفس، فهل اطمأننا على صلاح أنفسنا؟ أنفسكم أولاً أيها الإخوان: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ "الإسراء: 25".

فحاسبوا أنفسكم؛ لتعلموا أين هى من التمسك بمبادئ الحق والقوة والإسلام؟ هل أنت مؤد للفرائض كاملة؟ هل أنت بعيد عن المعصية والمنكر؟ هل تحب الخير وتعمله؟ ماذا قدمت من أنواع الخير لنفسك أو للناس؟ هل أنت مستعد للعمل فى سبيل فكرتك فجسمك صحيح وفكرك صحيح ووجدانك طاهر سليم؟ هل حاولت أن تبث فكرتك فى المحيط الذى يتصل بك؟ وهل آمن بدعوتك إليها واحد أو أكثر من أصدقائك؟

ويضيف عليه رحمة الله:

وعلينا إذن ألا يبعث النجاح فى أنفسنا القناعة والخمود فإن الطريق طويل وله مسالك متشعبة، وألا يبعث الإخفاق فى أنفسنا اليأس والقنوط فإن رحمة الله قريب من المحسنين بل واجبنا دائمًا أن نستمد من النجاح قوة تدفعنا إلى الأمام، ومن الإخفاق درسًا يدعونا إلى مضاعفة الجهود. (1)

بل كان يسعد بنقد الأخرين له ولإخوانه طالما النقد بناء وينطلق من المصلحة العامة وليس الأهواء الشخصية. فقد أرسل الشيخ محمد الحامد (أحد علماء سوريا الذين كانوا يدرسون في الأزهر وكان واحد من علماء الإخوان فيما بعد) ينقد الإخوان والبنا

فكتب الأستاذ البنا في مجلة الإخوان:

للأخ الشيخ محمد الحامد الحموي نظرات شرعية في بعض ما نشر وينشر في أعداد مجلة الإخوان، أحببنا أن نطالع بها القراء في هذه الصفحة تباعًا، تجلية للحقيقة، وعرضا لمختلف النظرات، والحقيقة بنت البحث كما يقولون.

وحينما سافر كتب الأستاذ البنا:

كنا نود لو بقي صاحبها (أي صفحة النقد) الفاضل بيننا يسعدنا بروحه الزكية، وينقلنا بسمته الهادئ، وآرائه المحافظة إلى عصر السلف الصالح من العلماء العاملين، ولكنه آثر السفر إلى سوريا، وغادر أهلا لا يقلون حبًّا له، وإجلالا عن أهله الأقربين، الذين سافر إليهم، جمعنا الله وإياه على خير ما يرضيه. (2)

ولم يقتصر نقد الإمام البنا على موقف واحد بل كانت مسيرة حياته الدعوية التي قاربت العشرين عاما نموذجا حيا للنقد البناء للذات ولجماعته من أجل الوقوف على الإصلاح.

الإمام البنا ومنهجه في التعامل مع الغير

كان الإمام البنا حريصاً على تحديد علاقات الجماعة، كجماعة وأفراد، مع الآخرين سواء كانوا كيانات وجماعات أو تيارات فكرية وسياسية، أو أفراداً داخل هذا الإطار. وكان يحدد كل ذلك وفق منهجية استمدها من تعاليم الإسلام، ومن تقييم وإدراك الواقع الذى حوله.

يقول الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي:

كان أسلوب الإمام الشهيد يتميز بالأسلوب الاستيعابى وليس التصادمى، مع عدم التنازل عن قول الحق وتوضحيه. كان رحمه الله يعتبر حسن التعامل مع الغير مبدأ وليس وسيلة ليحقق غرض، فكان يبدأ بنقاط الاتفاق أولاً، وليس بنقاط الخلاف، مع توسيع مساحة هذا الاتفاق بالدعوة والتفاهم قدر الإمكان، ثم الأسلوب العملى الإيجابى الذى ينتج عن هذه المساحة المشتركة، ولا يقف عند حدود الكلام النظرى، بل حسن توجيه الآخرين لآداء عملى إيجابى يساهم فى إصلاح المجتمع.
ومع ذلك فقد حرص على عدم إذابة جماعته خلال التفاعلات مع الأخريين وعدم الذوبان أو الانصراف عن أهدافها الرئيسية. فيقول: موقفنا من الدعوات فى هذا البلد : دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية – بناء على طبيعة دعوتنا – موقف واحد على ما أعتقد : نتمنى لها جميعاً الخير وندعو لها بالتوفيق، وأن خير طريق نسلكها ألا يشغلنا الالتفات إلى غيرنا عن الالتفات إلى أنفسنا. (3)

لقد كان الإمام حسن البنا واضحا في اختلافه ونقده حيث أن اختلاف وجهات النظر واختلاف مناهج التفكير وبرامج الإصلاح، أمر أساسى لابد منه، لأنه ليس خلافاً فى الأصل والمبدأ، ولا يمكن أن نتحد فى كل الفروع والتصورات، وهذا الاجتهاد البشرى لا يكون سبباً للخلاف والشقاق والخصومة، وإنما يكون معه الحوار والتفاهم فى جو الصفاء والحب.

فيقول الإمام الشهيد :

" ونحن مع هذا نعتقد ان الخلاف فى فروع الدين أمر لابد منه ولا يمكن أن نتحد فى هذه الفروع والآراء والمذاهب، لأسباب عدة".

ويضيف:

" نعتقد هذا فنلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا فى بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب، وتبادل الحب والتعاون على الخير.

ويؤكد المعنى بقوله:

يعلم الإخون المسلمون كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع الناس صدراً مع مخالفيهم ويرون أن مع كل قوم علماً وفى كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به، ويحاولون فى هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان فى الدين نسأل الله لنا ولهم الهداية. (4)

ثم يضع الإمام البنا قاعدة جاء فيها:

ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين يعملون لحساب هيئة من الهيئات أو يعتمدون على جماعة من الجماعات.

علاقة الإمام البنا بطه حسين

انطلق الإمام حسن البنا في نقده من الصالح العام وليس لأهواء شخصية أو مصالح فردية أو حزبية، لكن كان يجعل قاعدة انطلاقه مفاهيم الإسلام.

وكان هذا واضحا حتى مع الدكتور طه حسين – الذي كثيرا ما هاجمه بسبب أفكاره وسعيه لجعل مصر تسير في فلك الحضارة الغربية- حيث كان يثني عليه حينما يتحدث عن الإسلام بأسلوب راق، حيث كتب الإمام البنا مقالا بعنوان "إذا كان هذا صحيحا يا دكتور فقد اتفقنا" ذكر فيه أن بعض محبي الدكتور طه حسين أقاموا له حفلا بمناسبة تعيينه مراقبا للثقافة العامة

وكان مما قاله الدكتور فى هذا الحفل:

"ثم أريد أن أنتهز هذه الفرصة أيها الأصدقاء لأقول ما قلته ألف مرة ومرة وما سأقوله ألف مرة، فقد يظهر أننا هنا لا نسأم من القول والتكرار؛ وهو أن الإسلام أثبت مكانه وأمكن فى قلوب المسلمين وفى قلبى أنا كذلك من أن يتعرض لخطر لأن فلانا قال أو أن فلانا لم يحسن القول.
أيها الأصدقاء: أرجو أن نكون أحسن ظنا بالإسلام وأحسن ظنا بأنفسنا، وأن نكون أحسن ظنا بالله من أن نظن أن الإسلام معرض لأى خطر لأن فردا يرى هذا الرأى أو ذاك؛ وأتمنى أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه كما أدافع أنا عنه، وأن ينشره ويحببه للناس كما أنشره أنا وكما أحبب مبادئه للناس".

فيرد البنا على ما قاله في الحفل بقوله:

إذا صح هذا يا دكتور طه فقد اتفقنا كل الاتفاق، واعتبرنا أيها الداعية المسلم من جندك منذ الساعة، فإننا للإسلام نعيش وله نحيا وفى سبيل الدعوة إليه نموت شهداء.
صدقنى يا دكتور طه من غير أن أقسم لك -وإن شئت فأنا أقسم على هذا- أننى لأتمنى من كل قلبى مخلصا أن أرى ذلك اليوم الذى تدعو فيه أنت للإسلام وتنشره بين الناس وتحبب تعاليمه إليهم، وأعتقد أنك حينئذ تستطيع أن تخدم الإسلام بأجل وأكثر مما يفعل كثير منا نحن الدعاة المتواضعين، فإنك رجل جرئ لك قلم ولك لسان، ولك تلامذة معجبون وأصدقاء مخلصون، وفيك دأب ونشاط وإنتاج خصيب، وما نحسدك على هذا – علم الله- ولكنا نتمنى أن يكون ذلك فى ميزان الإسلام لا عليه، ولا فى كفة الخصومة له وتوهين أمره وبطريق غير مباشر. (5)

ثم تمنى الإمام البنا للدكتور طه الخير وحسن الختام فكتب يقول:

"وكلمة أخيرة يا دكتور: لقد قلت وهو قول حق: "إن حياتنا موقوتة، وكل ما فيها موقوت، وإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يسترد المنحة التى منحها لنا وهى الحياة فى أى لحظة، وهو قادر على أن يسترد ما يمنحنا أثناء الحياة".
ما أجمل هذا الإيمان! أذكرك هذه الكلمات، وأذكرك أنك الآن رجل قد جاوزت سن الآمال الخلب. وصرت إلى الآخرة أقرب، وأسأل الله أن يطيل حياتك خادما مخلصا للإسلام. وإن هذا الشعب شعب كريم النفس طيب القلب سرعان ما تنسيه الحسنة الواحدة كثيرا من السيئات
وإن الله تبارك وتعالى واسع المغفرة عظيم الفضل عفو كريم، فلا عليك يا دكتور أن تختم المطاف بتوبة صادقة نصوح، وتتجرد للإسلام ولخدمة الإسلام ولنشر الإسلام ولتحبب تعاليمه بحق إلى الناس فتفوز بخير الدنيا وسعادة الآخرة، ذلك ما نرجوه منك ولك، وقلوب الناس بيد الله يصرفها كيف يشاء ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ "الأنعام: 125" والسلام عليك ورحمة الله وبركاته" (6)

بل إنه – ووفق الوثائق التي نشرتها مكتبة الإسكندرية في أكتوبر 2013 - فقد أرسل الإمام البنا تليغرافا إلى الدكتور طه حسين من الأستاذ حسن البنا يهنئه فيه بزفاف كريمته وهي الوثيقة التي احتفظ بها طه حسين وسط مقتنياته الشخصية حتى أخرجها أحفاده في احتفال مكتبة الإسكندرية عام 2013م. (7)

وهكذا كان حسن البنا يتعامل مع خصومه ومعارضيه معاملة الإسلام حيث لا يهمل الجوانب الانسانية أو الانصاف لحاجة في نفسه، لكن كان ينقد من أجل الإصلاح أو كشف الفساد أو الدفاع عن الحق وليس الدفاع عن نفسه.

صور من نقد الإمام البنا لطه حسين (كتاب مستقبل الثقافة في مصر)

انتقلت الدعوة من الإسماعيلية للقاهرة بانتقال الإمام البنا واستقراره بها، فسعى للتواصل مع جميع الهيئات والمؤسسات والأشخاص من أجل تبليغ دعوته، حيث استطاع برقي أسلوبه أن يصل للجميع رغم صغر سنة.

لكن كان أهم شيء في حياة الإمام حسن البنا هو تبليغ دعوة الإسلام ونشره بصورته الحقيقية فكان لا يتوانى عن الدفاع عنه وإظهار وجهه الحقيقي، بل ونقد من يتطاول عليه لكنه بأسلوب عذب غير منفر. وممن وجه له النقد كان الدكتور طه حسين الذي لجأ إلى الجامعة المصرية بعدما فصله الأزهر لشططه في الرأى وجراته على الإسلام، فابتعثته الجامعة إلى فرنسا فكان الذوبان التام وزاده زواجه من فرنسيه ولولا بقية من القرآن في صدره لكان الدكتور حسين فرنسيا خالصا.

لم يهاجم الإمام البنا الدكتور طه حسين لشخصه أو ينقده لذاته بل كان نقده له بسبب الأفكار التي كان يصدرها للشعب المصري والعربي والإسلام وكان أخطرها كما جاء في كتابة مستقبل الثقافة في مصر:" أن نسيرَ سيرةَ الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب" (8)

وكان لهذا الكتاب دوي كبير في جميع الأوساط لاسيما الأوساط التعليمية والتربوية التي كان يعنيها موضوع الكتاب قبل غيرهم ، ولأن الكتاب كان دعوة صريحة إلي الاتجاه إلي الغرب بطريقة مزعجة.

حيث حاول الكتاب أن يثبت أن مصر بعيدة عن العقلية الشرقية، وهي لم تتأثر بالفرس أو الرومان أو العرب أو الإسلام، وأن العقل المصري متأثر بالبحر الأبيض المتوسط الأوروبي، ودعا إلى ضرورة تعلم اللغتين اللاتينية واليونانية باعتبارهما أساسًا للتعليم العالي الصحيح، ويجب على المصريين أن يسيروا سير الأوروبيين، وأن يسلكوا طريقهم ليكونوا لهم أندادًا وشركاء في الحضارة.

كما أشار أن السياسة شيء والدين شيء آخر غيره.. ودعا إلى تطوير اللغة العربية؛ لأنها تحتاج إلى كثير من العناية لتصبح ملائمة لما ظفرنا به في التعليم المدني، وأن الأزهر لا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة، بل يجب أن تتولاها كلية الآداب التي يجب أن تعنى كذلك بالدراسات الإسلامية على نحو علمي صحيح.

يقول محمود عبد الحليم:

وقد تناولت الكتاب أقلام النقاد بين قادح ومادح ، وسالت أنهار الصحف بهذا النقد ، فالمادحون هو الذين تربوا في أحضان الحضارة الغربية فهم بها مفتنون ، والقادحون كان أكثرهم من أعداء طه حسين التقليديين ... ولا أعتقد أن كتابًا في العصر الحديث في مصر استأثر باهتمام المشتغلين بالتربية والتعليم مثلما استأثر به هذا الكتاب.

تعرض الإمام البنا للكتاب بالنقد بعد هذه الثورة التي واجهت الكتاب والكاتب لدعوته الغريبة بتغريب الشعب الإسلامي والمصري، ولذا قبل الإمام البنا الدعوة التي وجهها له الدكتور يحيى الدرديري – جميعة الشبان المسلمين – لنقد الكتاب في محاضرة يحضرها الكثيرون.

يقول الأستاذ محمود عبد الحليم حول هذه الحادثة – والتي سعى العلمانيون والشيوعيون وأرباب الانقلاب العسكري للتشكيك فيها وأنها لم تحدث، لكن كثيرا من مقالات الإمام البنا التي نشرها يعضد ذلك الأمر بقيامه بنقد كتاب طه حسين على الملاء

قابلني الأستاذ البنا فقال لى أتعرف يا محمود لماذا حرصت هذه المرة علي أن تقابلني ؟ قلت : لعله خير إن شاء الله . قال : إن عندي حديثًا يجب أن تعرفه وظروفك حالت دون أن تكون معنا لتشهده . قلت متشوقاً : وما عساه أن يكون ؟ قال : لعلك طبعًا علمت بما كان من أمر كتاب الدكتور طه حسين الذي أصدره أخيرًا عن " مستقبل الثقافة في مصر "

وما تناولته الصحف من نقده ، قلت نعم ... قال : لقد بلغني أن الرجل لم يكترث بكل ما كتب وأنه مصمم علي وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره " مستشار الوزارة " ولم أكن لضيق وقتي قد اطلعت علي هذا الكتاب بعد .. وقد اتصل بي بعض أصدقائنا من الغيورين وطلبوا إلي أن أنقد الكتاب ..

فلما قلت لهم إنني لم أطلع عليه قالوا : إنه لم يعد هناك وقت وكان يجب أن تكون قد قرأت الكتاب فقد ظهر منذ عدة أشهر والدكتور طه حسين لم يكترث بكل ما كتب وبكل ما قيل وقد قرر وضع الكتاب موضع التنفيذ ، ولا ينبغي أن يكون هناك تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية دون أن يقول الإخوان كلمتهم قال : ولم يكتفوا بذلك بل أخبروني أنهم حددوا موعدًا في دار الشبان وطبعوا الدعوات وكان الموعد بعد خمسة أيام .

قال الأستاذ : ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطًا بها في خلال هذه الأيام الخمسة فلم أجد وقتًا أخصصه لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلي مدرستي وفترة رجوعي منها في الترام ، قال : فقرأت الكتاب – لأنه لم يكن كبيرًا– وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص علي فقرات معينة..ولم تمض الأيام الخمسة التي كنت قد استوعبت الكتاب كله .

قال الأستاذ : وفي الموعد المحدد ذهبت إلي دار الشبان فوجدتها – علي غير عادتها – غاصة .. والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر ، ليس من هو دون هذا المستوي .. ووقفت علي المنصة واستفتحت بحمد الله والصلاة والسلام علي رسول الله ، وبجانبي الدكتور يحيي الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين : ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص ...

قال وبدأت أول ما بدأت فقلت : إنني لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعضه .. وأخذت – ملتزمًا بهذا الشرط – أذكر العبارة من الكتاب وأعارضها بعبارة أخري من نفس الكتاب .. ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول

يقول الدكتور طه حسين في الكتاب في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها من خاطري ثم أقول ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري ، فاستوقفني الدكتور الدرديري ، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب ولم يلاحظ فيه هذا التناقض وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن .

وأحضر له الكتاب ، وظل يتابعني فيجد العبارات لا تنقص حرفًا ولا تزيد حرفاً ، ويجد الصفحات كما أحددها تمامًا ، فكاد الدكتور الدرديري يجن كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول ، والكل يتجه – كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين – إلي الدكتور الدرديري كأنهم يسألونه : أحقاً هذه العبارات في الكتاب ؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة " تمامًا بالنصوص والصفحات " .

قال الأستاذ وظللت علي هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب كله وأنهيت المحاضرة .... فقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري بين معانق ومقبل . قال الأستاذ : ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة لأنه يريد أن يسر إلي حديثاً

واقترب مني وأسر في أذني سرًا تعجبت له قال : لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور طه حسين وطلب إلي أن أعد له مكانًا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد فأعددنا له المكان وحضر المحاضرة من أولها إلي آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد .

قال لي الأستاذ المرشد : وفي اليوم التالي ، طلب الدكتور طه حسين بمكتبه بوزارة المعارف الأستاذ أحمد السكري وقال له : أحب أن ترتب لي اجتماعًا بالأستاذ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معنا أحد وبحيث لا يعلم به أحد ، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي أو في مكتبي هنا ، فليختر واحدًا من هذه الأمكنة . قال الأستاذ : وأبلغني الأستاذ أحمد السكري بذلك فريت أن يكون الاجتماع في مكتبه بالوزارة .

قال : وبدأ الدكتور طه الاجتماع بقوله : لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأني حضرت محاضرتك وبأنني كنت حريصًا علي حضورها وعلي الاستماع إلي كل كلمة تقولها لأنني أعرف من هو حسن البنا ، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتمامًا .... قال لي الأستاذ المرشد : فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب وهل لديه من رد عليها ؟ .

قال الدكتور طه : ليس لي رد علي شيء منها ، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك ، وهذا هو ما عناني مشقة الاستماع إليك ،ولقد كنت استمع إلي نقدك لي وأطرب ... وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم ، لكن أعدائي أخساء لا يتقيدون بمبدأ ولا بشرف

إن أعدائي هو الأزهريون ، وقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يمحوا أسمي من التاريخ ، وقد كرست حياتي لإحباط مكايدهم ، وهاأنذا بحمد الله في الموضع الذي وتتقطع أعناقهم دونه ... ليت أعدائي مثل حسن البنا إذن لمددت لهم يدي من أول يوم . ثم قال الدكتور طه : هل هناك سوي ذلك مما قد تختلف عليه مما تعرفه عنه ؟ .

قلت : هناك قضية العلم والدين ، إنكم تنادون بأن يكون الدين في خدمة العلم ،و هو الرأي الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة في الغرب ... وهذا الرأي خاطئ لأن معناه أنه إذا اصطدم الدين مع العلم في أمر من الأمور نبذ الدين واتخذ العلم دينًا . يجب الفصل بين العلم والدين ، لأن الدين حقائق ثابتة والعلم نظريات متطورة ، فإذا ألبسنا العلم ثوب الدين جمدنا العلم ، إذا نحن أخضعنا الدين للعلم ، فلسفنا الدين فأخرجناه بذلك من طبيعته ولم يعد دينًا .

قال الأستاذ : ثم تناقشنا في مواضيع مختلفة تدور حول طبيعة الفكرة الإسلامية ، ومدي إحاطتها بكل نواحي المجتمع فكان آخر حديث لي بعد أن تحدثنا أكثر من ساعتين أن قلت له : لو أن أصحاب الآراء حين يختلفون حول أمر من الأمور لم يعتقد كل منهم أن رأيه هو الصواب كله وأن آراء غيره هي الخطأ كله بل أضاف إلي اعتقاده في صحة رأيه اعتقادًا بأنه قد يكون في آراء الآخرين نوع من الصواب وإن لم يبن له. (9)

بم يقتصر الإمام البنا بالمحاضرة بل كتب مهاجما كتاب مستقبل الثقافة في مصر لأن طه حسين لم يكن بالرجل العادي أو الكاتب العادي، ففي ذلك الوقت عين الدكتور طه حسين المستشار الفني لوزارة المعارف، وهو منصب لم يكن موجودا من قبل ولكنه أنشئ للدكتور طه شخصيًا ، وكان لتعيين الدكتور طه في هذا المنصب دوي هائل في جميع الدوائر التعليمية والثقافية في مصر وفي خارج مصر ، باعتبار أن صاحب هذا المنصب هو الذي سيوجه الثقافة في مصر حيث يشاء ، وسيحتكم في تلوين ثقافة البلاد باللون الذي يروقه .

وقد يكون هذا المنصب أخطر المناصب تأثيرًا في بلد ناشئ كمصر تتجاذبه تيارات متضاربة لا يدري أيها أنفع له ولا إلي أيها يتجه . ولطه حسين نزعات عرفت عنه واشتهر بها . وتوجس الكثيرون خيفة مما عسي أن يسفر عنه تعيينه في هذا المنصب الخطير.

ولذا انتقد الإمام البنا ما كان يكتبه سواء طعنا في الدين أو دعوة لطمس هوية الأمة الإسلامية أو تغريبها، حيث كان يذكر الدكتور طه حسين بما قام به من أمور تجلي الحقائق كونه يسعى لتغريب المجتمع المصري

فكتب البنا يقول:

إن لك كتبا كثيرة ففى أيها ورد هذا الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه وتحبيب تعاليمه إلى الناس؟ وإن لك تلامذة قد اختصصت بهم واختصوا بك، فأيهم ظهر أثر دعوتك فيه فكان لسانا إسلاميا أو قلما إسلاميا أو صفحة من صفحات الفكرة الإسلامية أو مظهرا من مظاهر التمسك بالإسلام؟
وإنك قد ساهمت فى خدمة كثير من القضايا الاجتماعية، وحضرت كثيرا من الأحفال والمؤتمرات فى داخل القطر وخارجه، ففى أى هذه جميعا نطقت باسم الإسلام أو دعوت إلى تعاليمه؟
وأنت يا دكتور أستاذ فى الجامعة المصرية منذ أنشئت فأنشدك الحق: هل تذكر أنك عرضت فى دروسك ومحاضراتك لطلبتك بما بلغت أنظارهم إلى جلال هذا الدين وروعته ومتانة تشريعه؟ هذا والمادة التى اختصصت بتدريسها ألصق مواد الدراسة بالإسلام وكتاب الإسلام؟!
وبعد يا دكتور طه:
فهل من الدعوة للإسلام أن تعرض للنظر فى القرآن بالأسلوب الذى اخترته لنفسك من قبل ولعلك عدلت عنه من بعد –وهو ما أسر له- حتى مع تسليم الدعوى بأن البحث علمى بحت.
وهل من الدعوة للإسلام أن تقف وقفتك المعروفة فى شأن الكتابين الإنجليزيين، وما كان عليك وعلى الجامعة ولا على حرية الفكر من بأس أن تستجيب لأبناء مؤمنين من تلامذتك رأوا فى هذا الكلام طعنا فى مقدساتهم فلجئوا إليك بالطريق القانونى فى هدوء وأدب. أو ما كان أولى بالداعية إلى الإسلام أن يشجع هذه الغيرة ويسر لها ويعطف كل العطف على القائمين بها.
وهل من الدعوة للإسلام أن تنادى فى صراحة -لا تعدلها صراحة- أنه لا سبيل لنا إلى الرقى إلا إذا قلدنا أوروبا وسلكنا مسلك الأوربيين لنكون لهم شركاء فى حضارتهم خيرها وشرها، حلوها ومرها، نافعها وضارها، ما يحب منها وما يكره، وما يمدح فيها وما يعاب، ومن زعم لك غير ذلك فهو خادع أو مخدوع؟ ولعلك تقول كما قلت: إنما أريد الدعوة إلى العلم وإلى القوة وإلى الخلق وإلى النظام.
وهذا حسن جميل ولكن أفترى أن الإسلام لم يأمر بها ولم يسلك المسلمين السبيل إليه قبل أن تخرج أوروبا من ظلمات جهلها بمئات السنين؟ فلم تدعونا إلى العلم والقوة والخلق والنظام باسم أوربا الناشئة المتخبطة ولا تدعونا إلى ذلك باسم الإسلام الثابت الدعائم الراسخ الأركان؟
وهل من الدعوة للإسلام يا دكتور أن تخلط بين الفتيان والفتيات هذا الخلط فى كلية الآداب فتحذوا حذوها غيرها من الكليات وتبوء أنت بأثر ذلك كله، وتزين للفتيات فى صراحة هذا الاختلاط وتحثهن عليه وتدعوهن إليه. (10)

كما أرسل مذكرة إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي، وإلى وزير المعارف تحت عنوان: "مستقبل الثقافة فى مصر للحقيقة والتاريخ" أوضح فيها العور الذي أصاب الثقافة في مصر، وأرجع ذلك إلى الاحتلال، والازدواجية والانفصال في أنواع التعليم المصري بين الديني والمدني؛ مما جعل ثقافة الأمة ذات طابعين مختلفين لا يكاد يلتقي أحدهما بالآخر، وقدم رؤيته لإصلاح هذا الأمر، فقال: ليسمع الدكتور طه حسين:

يا صاحب.. إن من أمتن دعائم النهضة وأقوى أركانها وحدة الفكرة ووحدة العاطفة ووحدة الشعور ووحدة الآلام والآمال وذلك كله يتمه وحدة الثقافة، لهذا كانت فكرة توحيد المدارس الدينية والمدنية إلهاما مباركا فى هذا الوقت الذى نتهيأ فيه للعمل والنهوض، ولكن الفكرة وحدها لا تكفى بل لابد من الإنفاذ والعمل، والإنفاذ وحده لا يكفى بل لابد من التفكير فى أفضل طرقه ووسائله حتى لا تنحرف بنا الطريق فتضر أكثر مما تفيد. لهذا كان من واجب الغيورين أن يتقدموا بما عندهم من ملاحظات وآراء والحقيقة رهن البحث والتفكير.

إننا يا صاحب .. أمة متحدة فى كل شىء إلا فى شىء واحد لعله أهم مظاهر الوحدة هو الثقافة والتفكير، ولقد طفت هذا القطر المصرى الكريم من أقصاه إلى أقصاه، وجبت مدنه وقراه، واتصلت بأوساطه المختلفة وبيئاته العديدة فوجدت الوحدة تشمل كل مظاهر حياته من نظام معيشة وتقاليد وعادات إلا بعض الخلاف الموضعى الذى هو وليد الظروف الخاصة فقط وليس هناك تخالف جوهرى فى نظم الحياة العامة.

ولكن الخلاف الصارخ؛ الخلاف العظيم فى التفكير والثقافة والآمال والآلام، ولهذا لا تكاد تلتقى وجهات النظر إذ دار بحث قضية من القضايا فى مجتمع من مجتمعاتنا المصرية. هذا الخلاف طبيعى بالنسبة للظروف التى اجتازتها الأمة قديما وحديثا ولخطوات التطور التى نخطوها ولعصر الانتقال الذى نجتازه.. مما جعل ثقافة الأمة ذات طابعين متميزين تميزا تاما لا يكاد يلتقى أحدهما بالآخر وإن أخذا يتقاربان.

فلقد أتى على مصر زمان كانت ثقافتها فيه تدور حول محور واحد هو فروع الدين وتنحصر فى معهد واحد هو الأزهر وفروعه ففى الأزهر يتخرج العلماء والأئمة والوعاظ والقضاة والحاكمون، وأبناء الأزهر هم الذين يثقفون الأمة ويطبعونها بالطابع الذى يريدون، واستمر ذلك وقتا رسخت فيه أصول هذه المدرسة وثبتت دعائمها، ثم جاء دور الاتصال بأوروبا والنقل عن أوروبا فى أطواره المختلفة.

فأنشئت المدارس المدنية إلى جوار الأزهر، وعدت على اختصاصاته واحدا فواحدا حتى حصرته فى نطاق ضيق هو نطاق الفكرة الروحية، وأخذت منه كل المظاهر العملية تقريبا، وتعددت أنواع التعليم وتكاثرت وتكررت التجارب فإذا بنا نرى سلسلتين من أنواع المدارس:

فهناك الأزهر وأقسامه وفروعه من الابتدائى والثانوى والكليات وأقسام التخصص ويلحق به فى مهمته مدارس المعلمين الأولية والمدارس الأولية إن شئت ذلك. وهناك كذلك المدارس المدنية من رياض الأطفال والابتدائى والثانوى والجامعة ويلحق بها المدارس الخصوصية والفنية من زراعية وصناعية وتجارية إن شئت ذلك، وهناك معهدان حائران بين القسمين هما: دار العلوم ومعهد التربية.

يظن كثير من المدنيين أن فى مقدور الحكومة وفى مقدور الصحف وغيرها من دعاة الفكرة المدنية القضاء على آثار الفكرة الإسلامية وتخليص الأمة منها وصبغ كل شىء بالصبغة المدنية البحتة ويحتجون لذلك بما فعلته بعض الأمم الشرقية فى هذا السبيل، وهم يتحمسون لفكرتهم هذه ويوجهون إليها الشعب بمختلف الوسائل والدعايات، وفاتهم أن الحال فى مصر غيره فى البلاد الأخرى؛ فقد امتزج الإسلام بدم كل مصرى وتغلغل فى قلبه وروحه ودمه وعروقه وآمن به إيمانا هو أبقى على الزمن الباقى من الزمن.

فكل محاولة فى سبيل هدم هذا الإسلام فى نفوس المصريين محاولة فاشلة، إن أخفت مظاهرها حينا فلن تقضى عليه، وإنها لتظهر بأقوى مجاليها فى أحيان أخرى كثيرة والواقع أعدل شاهد على ذلك، فقد ظن الناس فى وقت قريب أن الإسلام قد وهن فى نفوس الشعب حتى عجز عن حماية نفسه، وإذا بهذا الإسلام ينتفض فتتحطم باسمه هيئات راسخة، وتتغلب باسمه حكومات وطيدة ويهرم الدهر بعد ذلك والإسلام إسلام. (11)

مهاجمة كتاب في الشعر الجاهلي

كان للإمام البنا وقفه أخرى مع كتاب أخر من الكتب التي سطرها طه حسين ليزيد من دعوته لتغريب المجتمع المصري والطعن في ثوابت الدين حتى أن الإمام البنا حضر جلسة البرلمان الخاصة بمناقشة الاستجواب الخاص بالدكتور طه حسين مراقب الثقافة في وزارة المعارف. (12)

وبعدها كتب الإمام البنا مهاجما بعض النواب الذين سعوا للتحايل على قرار البرلمان تحت عنوان "إلى حضرات النواب المحترمين وبخاصة الأستاذين عباس العقاد وزكريا مهنا" يقول: "منذ أسبوعين أثار النائب المحترم عبد العزيز بك الصوفانى مناقشة فى مجلس النواب حول موضوع الدكتور طه حسين اشترك فيها كثير من حضراتهم، وقد تناولت أمرين هامين: أولهما الإبطاء فى إعدام كتاب "فى الشعر الجاهلى"، وثانيهما وجوب إخراج الدكتور من الجامعة وإبعاده عن التدريس.

فإلى حضرات النواب المحترمين أتقدم بهذه الملاحظات التى هى شعور كل مسلم، وعاطفة كل مؤمن، وواجب كل مصرى غيور على الدين والخلق، راجيًا أن يكون لها أثرها.

يا حضرات النواب: قرر مجلسكم الموقر إعدام هذا الكتاب ومصادرته بناء على التقارير الرسمية التى أوضحت مغامزه وخلطه وجنايته على الفكر والعلم الصحيح، وبناء على قرار النيابة العمومية المؤيد لذلك، والمصرح بأن هذا الكتاب خطأ محض فى مادته، وفى أسلوبه، وفى معانيه، وفى غاية مؤلفه، فهل يسوغ لنا بعد كل هذا أن نتأخر فى إنفاذ حكم الإعدام على هذا الكتاب

وأن نلجأ إلى المناقشة والحوار، وأن يقول البعض: إن من مصلحة العلم بقاءه. فهل سمع أحد أن من مصلحة العلم أن يكون الجهل مصدرًا من مصادره، ومادة من مواده ينبع منها ويؤخذ عنها، وأن يعتذر آخر بحرية الفكر، ولم يقل أحد: إن معنى حرية الفكر إبطال الحق، وإحقاق الباطل، وخرق النواميس، وانتهاك حرمات الشرائع والقوانين، والإساءة إلى أربعمائة مليون من المسلمين كما فعل صاحب هذا الكتاب.

إن الإبطاء فى إعدام هذا الكتاب يمس كرامة مجلسنا، وينال من حرمة قراراته، ويعطل حكم القضاء وأنتم حماته والقائمون عليه. وإن الواجب أن تبادر وزارة المعارف إلى إعدام نسخ الكتاب، وتقرير مصادرة الكتاب الثانى "فى الأدب الجاهلى" الذى لا يخالف سابقه إلا بالتسمية، فتكون بذلك قد احترمت قرار المجلس واعتبرت قول لجان انتدبتها من خيرة رجالها، فحكمت على الكتاب بما يستحقه، وأحسنت إلى العلم، وأنقذت طلبته من مهاوى الحيرة والضلال.

أما إقصاء الدكتور عن التدريس والجامعة فأمر حتم يقتضيه واجب الوزارة من المحافظة على عقائد الطلبة وأخلاقهم، فإن المدرس ينظر إليه من جهات ثلاث: من مواهبه الخاصة فى المادة التى يدرسها، ومن مادته التى يقدمها لتلاميذه، ومن طريقته فى التفكير وما يبثه فى نفوس طلبته من أخلاق وطبائع" (13)

ثم ساق شواهد تؤكد طعن طه حسين في الإسلام في كتابه في الشعر الجاهلي فكتب يقول:

كانت مسألة الجامعة وكتاب "فى الشعر الجاهلى" عرضت على المجلس فى سبتمبر سنة 1928م وفى جلسة الاثنين 13 سبتمبر تكلم الأستاذ عبد الخالق عطية فى هذا الشأن فكانت شهادته على الكتاب: "أنه ذلك الذى تضمن طعنًا ذريعًا على الموسوية الكريمة، والعيسوية الرحيمة، وعلى الإسلام دين الدولة المصرية بنص القانون"

وكانت شهادته على المؤلف:

"أن تصرفه كان مخالفًا للذوق؛ إذ لم يكن من المعقول، ولا من المفهوم، ولا من حسن الذوق أن يقوم هذا الشخص فيبصق فى وجه الحكومة التى يتقاضى مرتبه من أموالها بالطعن على دين رعيتها من أقلية وأكثرية، وأنه على الذين يريدون حرق بخور الإلحاد أن يحرقوه فى قلوبهم، أما أن يطلقوه فى أجواء دور العلم ومنابر الجامعة فهذا مالا يمكن أن يفهم بحال من الأحوال".

وتكلم فى هذه الجلسة نفسها المرحوم الشيخ القاياتى فكان من قوله بالنص:

"لقد جاء فى هذا الكتاب تكذيب صريح للقرآن، ونسبته جريمة للنبى عليه الصلاة والسلام بأنه متحايل، وكذب صريح على التاريخ لا يجوز أبدًا أن يُهمل، ولا أن نترك صاحبه دون تدقيق معه فى البحث ويكون حسابنا معه عسير.
يا سيدى الأستاذ، فى وزارة المعارف الآن تقارير كثيرة كتبها أدباء كبار وأعلام من أئمة الأدب، ندبتهم الوزارة للحكم على الكتاب ومؤلفه، وكونت منهم اللجنة تلو اللجنة، واتفقت كلمتهم بعد التحرى العظيم والبحث الدقيق على جهالة الرجل فى كتابه وخلطه فى التاريخ والأدب معًا، ثم حفظت هذه التقارير فيما حفظ، وانبرى للرد عليه كل كاتب، وحسبك برد الرافعى والخضر وشكيب والغمراوى وغيرهم كثير

حتى قال الأستاذ الرافعى فى هذا المؤلف:

"كانت دروسه الأولى "فى الشعر الجاهلى" كفرًا بالله وسخرية بالناس، فكذب الأديان وسفه، وكثر غلطه وجهله، فلم تكن فى الطبيعة قوة تعنيه على حمل ذلك والقيام به إلا المكابرة واللجاجة، فمر يهذى فى دروسه، لا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا يترك الحقيقة الثابتة، وأراد أن يسلب أهل العلم ما يعلمونه، كما يسلب اللص ما تملك بالجرأة لا بالحق، وبالحيلة لا بالإقناع، وعن غفلة لا عن بينة".

فهل بعد كل هذا يريد حضرة النائب أن يصر على متابعة الأستاذ العقاد- وما نظن الأستاذ العقاد إلا رجع عن رأيه- أم يشايع الجماعة ويتابع السواد الأعظم؟

يا حضرات النواب.

يا معالى وزير المعارف.

إن الأمر واضح لا يحتاج إلى بحث أو نقاش، فالكتاب مبتذل ممقوت، والمؤلف متهم فى عقيدته ومادته والأدباء غيره كثير، فأعدموا الكتاب، وأقصوا المؤلف عن بث تعصبه على الإسلام فى أبنائنا وشبابنا، وأيدوا الحق، وأريحوا الطلبة والأمة من هذا العبء الثقيل. (14)

تشبيه طه حسين الأمة العربية بالغزاة

لم يتوقف طه حسين عن مهاجمة الدين الإسلامي والعربية حيث حاول تشبيها الفتح الإسلامي لمصر وغيرها بالغزو الذي أجبر أهلها على الدخزل في دين الله، مما حدا بالإمام البنا أن ينبري له مرة اخرى ليفند مزاعمه فكتب تحت عنوان "مصر عربية .. فليتق الله المفرقون للكلمة" قال فيه: يريد الدكتور طه حسين أن يجعل الأمة العربية ضمن الأمم التى غزت مصر، فأذاقتها صنوفًا من العدوان وألوانًا من العذاب، حتى تغلبت مصر فالتهمت العرب فيمن التهمت من الأمم من فرس ويونان وترك وفرنسيين وإنجليز ورومان.

وتلك فكرة لا ينفرد بها الدكتور طه وحده، بل نادى بها من قبله الأستاذ سلامة موسى، وحمل لواءها كل من يحمل ضغنًا على العربية وحفيظة على الإسلام، ومن الأسف أن خصوم هذا البلد الطيب أهله قدروا على تزيين هذه الفكرة بنعوت جميلة وألفاظ زائفة استخدمها هؤلاء الحانقون على العرب والإسلام

فزينوها بدورهم لكثير من الشبان، فوقعوا فى حبالتها، وأخذوا يهرفون بها، ومما يؤلم أنها راجت حتى على كثير من الرجال ولم تظل فكرة خيالية، بل برزت إلى حيز الوجود فى مظهرين هامين لا تزال الأمة على ذكر من المناقشة التى دارت حولهما، وهما تمثال نهضة مصر وضريح المغفور له سعد باشا.

هذه الفكرة التى يحمل علمها بعض الكتاب فى مصر بحسن نية أو بسوء نية خطأ محض، خطأ تاريخى وخطأ اجتماعى وخطأ فى جانب القومية المصرية لا يغتفر، وهى فكرة دسها الأجانب للقضاء على قوة الشرق ووحدته.

فأما أن الفكرة خطأ تاريخى؛ فلأن حكم التاريخ مضى بأن الاستعمار العربى لا يقاس بغيره من استعمار الأمم؛ لأن استعمار الأمم إنما يقصد به الفتح والغنيمة واستبداد الأمة الفاتحة بالأمة المغلوبة، أما الاستعمار العربى فهو استعمار ثقافى إرشادى روحى مهمته تمثيل الشعوب، وصبغها بالصبغة العربية الإسلامية حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله

فالعرب أمة طَوّعها الله لهداية العالم، ولنشر القرآن العربى بين ربوعه، وإيصال الهداية المحمدية إلى كافة البشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ "البقرة: 143"؛ ولهذا كان الفاتح العربى مثال الوفاء والعدالة، لا تمضى عليه فترة قصيرة حتى يمتزج بالأمم التى افتتح بلدانها فيكون منها وتكون منه، وهناك تمحى الفوارق والأنساب والعصبيات، ولا تبقى إلا الأخوة حول القرآن العربى واللسان العربى والهداية المحمدية.

هذا ما يقوله التاريخ ويؤيده الواقع، فإن مصر وطرابلس وتونس والجزائر والمغرب الأقصى لم تر الحكم العربى إلا بهذه الصبغة، بل الأندلس على قصر مدة العرب فيها ازدهرت بالحضارة العربية، واصطبغت بالصبغة العربية، وسرى فيها لسان العرب وعاداتهم، وما كنت ترى فارقًا بين الفاتحين والسكان الأصليين، ولو استمر حكم العرب فى الأندلس إلى الآن لكان من شبه جزيرة أيبيريا جبهة عربية فى غرب أوروبا لا تقل غيرة وحماسة للعروبة عن العراق والشام.

على أن التاريخ يحدثنا بوحدة فى الدماء واللغات بين سكان جزيرة العرب وسكان وادى النيل فى القديم والحديث، ولا ننسى أن كثيرًا من سكان الصعيد وسكان الشرقية والبحيرة والفيوم يعلمون إلى الآن أنسابهم العربية، وينتمون إلى قبائل عريقة فى العروبة، وذلك تعبير مجمل له تفصيل لمن أراد الاستقصاء.

وأما أن هذه الفكرة خاطئة اجتماعيًا؛ فلأن الأمة إنما تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها وما إلى ذلك من مظاهر الحياة، فهل يرى الدكتور طه وغيره أن لمصر لغة غير اللغة العربية، وأن لها دينًا غير الدين الذى حمل لواءه العرب؟

وهل يرون أننا نستطيع أن نتخلى عن اللغة العربية والقرآن العربى والشعور العربى، ونحل محل ذلك كله لغة ودينًا وثقافة تختص بمصر والمصريين؟ وما هى يا ترى هذه اللغة، وما هذا الدين، وما تلك الثقافة؟ لعل القوم يقصدون الهيروغليفية ودين أبيس وآمون وهورس وفتاح.

يا قوم اتقوا الله وخذوا فى سبيل الجد، ودعوا هذا العبث، فإن الأمة فى حاجة إلى أن تصرفوا جهودكم فى معالى الأمور إن كنتم تستطيعون. وأما خطأ الفكرة من ناحية القومية المصرية؛ فلأن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من الخليج الفارسى إلى المحيط الأطلسى، بل إلى أبعد من ذلك، ويبلغ عددها أضعاف أضعاف الملايين المحصورة فى وادى النيل، فأى مصرى يكره أن تشاطره هذه الشعوب التى تظلها العربية شعوره وآماله وأفراحه وآلامه؟!

إن من يحاول سلخ قطر عربى من الجسم العام للأمة العربية يعين الخصوم الغاصبين على خضد شوكة وطنه، وإضعاف قوة بلاده، ويصوب معهم الرصاصة إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة فى قوميتها ولغتها ودينها وآدابها ومشاعرها ومطمحها.

على كل منا أن يعتقد أنه حارس للأرض التى نشأ عليها يذود عن حياضها، ويطالب بحقوقها، ويعمل لإعزازها، فهو مصرى أو عراقى أو شامى بالنسبة لهذه الأرض، وعليه كذلك أن يعتقد أنه عضو فى جسم أمة عظيمة وحد بينها اللسان والدين والشعور والمطمح.

تلك هى الأمة العربية، فهو عربى بهذه القومية، ولقد جَلا هذه الحقيقة الكاتبان الكبيران الأستاذ عبد القادر حمزة والأستاذ محب الدين الخطيب بما لا يدع زيادة لمستزيد، وحيا الله ذلك الشباب المتوثب الرابض على جنبات العرين العربى فى مصر وفلسطين وسوريا والعراق (15)

أخيرا

حاول الإمام البنا أن يوجه الإخوان إلى منهج التعامل مع خصومهم، بتوجيه النصح لهم والإرشاد لعلهم يرجعون، وتواجه الجماعة الفكرة بالفكرة، والدعوة بالدعوة، لا تسارع فى تكفيرهم أو تنادى باستئصالهم أو تعين ظالماً عليهم، فليس هذا أسلوب الدعوة (كما يقول الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي).

ولا تتهم الأشخاص بالظنة ولا تلقى بأوصاف التآمر والعداء لكل من خالفها أو هاجمها وإنما تأخذ الناس بالظاهر وحسب أقوالهم وأعمالهم وأن يكون ميزان الشرع وضوابطه هو الأساس، وألا تهبط إلى مستوى الإسفاف حتى وإن لجؤوا هم إليه، وأن تترك ذوات الأشخاص والحكم عليهم.

المراجع

  1. مجلة التعارف: العدد (3)، السنة الخامسة، السبت 23 محرم 1359ه- 2 مارس 1940م، صـ1-2.
  2. مجلة الإخوان المسلون النصف شهرية: العدد 19، السنة الأولى، 14 من رجب 1362هـ ـ 17 يوليو سنة 1943م.
  3. محمد عبد الرحمن المرسي: الإمام البنا ومنهجه في التعامل مع الغير
  4. حسن البنا: رسالة دعوتنا، مجموعة رسائل الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2006م.
  5. مجلة التعارف، العدد (7)، السنة الخامسة، 21 صفر 1359ه - 30 مارس 1940م، ص(4).
  6. مجلة التعارف، المرجع السابق.
  7. سيد محمود حسن: بالصور.. ننفرد بعرض وثائق طه حسين التي تكشف عنها مكتبة الإسكندرية الليلة ومنها تهنئة بزواج ابنته من حسن البنا، الأهرام المصرية، 30 أكتوبر 2013م
  8. طه حسين: مستقبل الثقافة فى مصر، دار المعارف، القاهرة، 1944، صـ69.
  9. مجلة التعارف، العدد (3)، السنة الخامسة، 23محرم 1359ه - 2 مارس 1940م، ص(6)- ومحمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، دار الدعوة للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 1999م، صـ197-198.
  10. مجلة التعارف، العدد (7)، مرجع سابق.
  11. النذير، العدد (6)، السنة الثانية، 6 صفر 1358ه - 28 مارس 1939م، صـ 3-7.
  12. أحمد حسن شوربجي: حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر، دار الدعوة،الإسكندرية، 1998م، صـ214.
  13. مجلة الفتح، العدد (202)، السنة الخامسة، 8محرم 1349ه- 5 يونيو 1930م.
  14. مجلة الفتح، العدد (202)، المرجع السابق.
  15. جريدة الإخوان المسلمين: العدد (15)، السنة الأولى، غرة جمادى الثانية 1352ه - 21 سبتمبر 1933م، صـ1-3.