عبدالقادر عودة الشهيد البرئ
اعترافات عبد الناصر ببراءته
في يوم الخميس 9 ديسمبر عام 1954م كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على عبد القادر عودة بتهمة التآمر في حادثة محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر، حيث كان صدور حكم الإعدام مفاجأةً كبيرةً لذويه وللجميع؛ لأن الشهيد كان يلتقي قبل حادث المنشية كثيرًا بعبد الناصر في جلساتٍ للتفاوض فيما يخص علاقة الإخوان بالثورة، وعودة الجيش للثكنات، وعودة الحياة المدنية للبلاد، ومحاولات رأب الصدع بين جماعه الإخوان وعبد الناصر، وأفرزت هذه اللقاءات رفض الشهيد عبد القادر كل ما عرضه عليه عبد الناصر من إغراءات من أجل استقطابه، وكانت آخر دعوة لحضور مجلس الوزراء في شهر أغسطس- أي قبل الاستشهاد بنحو أربعه أشهر- عندما أرسل عبد الناصر ياور من الجيش إلى الشهيد بحجة استكمال المباحثات وحلِّ المشكلات بين الإخوان وعبد الناصر غير أن الشهيد عودة رفض اغراءات عبدالناصر والانحياز بجانبه على حساب الوطن.
واعدم الشهيد عبدالقادر عودة وخمسة من رفاقه الذين زلزلوا أركان الدولة الصهيونية الناشئة في حرب 1948م كما زلزلوا أركان الدولة البريطانية الاستعمارية في حرب القنال 1951م حتى أنهم رصدوا مكافآت كبيرة لمن يأتي برأس يوسف طلعت أو محمد فرغلي غير أن عبدالناصر –وبما انطلت عليه نفسه- قدمها مجانا لارضاء غروره وتأمين قبضته الحديدة على البلاد والتي لم تطل به القام حتى فارق الحياة ومات مخلفا ارثا مخزيا من الهزائم وقهر الناس.
غير أن الله فضح أمثال عبدالناصر على ألسنتهم حيث اعترف ببراءة عوده وحين يأتي اعترافٌ من الخصم- الذي حكم على الإخوان بالإعدام والسجن والتشريد- بأن حكمه على أحدهم كان ظالمًا، ولا يستند لقانون أو تشريع، وإنما ينطلق من حسابات سياسية، هنا لابد للتاريخ والمؤرخين من وقفة؛ فإنَّ لهذا الاعتراف قيمة تاريخية ووثائقية لا تنكر، ولا يُماري فيها أحد من المدافعين عن الظلم والظالمين بالباطل، والوالغين في أعراض الدعاة بالكذب والبهتان.
وينسحب هذا الاعتراف منطقيًا على بقية الدعاة الذين عُلِّقوا على أعواد المشانق أو غُيِّبوا بين جدران السجون، ولم تكن هناك جريمة ارتكبوها يُعاقب عليها قانون أو تشريع، وإنما هي كما قال كبيرهم "أسباب سياسية" كان غرضها استئصال الدعوة والدعاة، ونورد اعترافَ جمال عبد الناصر نفسه ببراءة شهيد الإخوان: عبد القادر عودة الذي أُعدم عام 1954م.
اعترافات بيت سطور مذكرات أحمد حسين
تحدث الزعيم الوطني أحمد حسين في مذكراته التي نشرها بجريدة الشعب المصرية عام 1982م عن الشهيد عبد القادر عودة أحد قادة الإخوان المسلمين، والذي أُعدم ظلمًا وعدوانًا لتصفية حسابات سياسية بين جمال عبد الناصر والإخوان وشخصية بينه وبين شهيدنا المتهم البريء والقتيل المظلوم، كل ذلك باعتراف جمال عبد الناصر نفسه، وها هو نص المذكرات كما كتبها أحمد حسين: "نحن الآن في عام 1954م أفرج عني وتنازلت عن القضية، ولكنني ظللت مجروحًا؛ فلم يحدث في كل تاريخي النضالي أن أهنت واعتدي علي كما اعتدي علي في ظل الثورة.
ووقعت الواقعة: أُطلق الرصاص في ميدان المنشية على جمال عبد الناصر، وكان الضارب يُدعى محمود عبد اللطيف من الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من أن عبد الناصر نجا فقد ظنَّ أنه أصيب في مقتل، وراح يثرثر بكلام فارغ يكشف عما في عقله الباطن، فراح يُخاطب الشعب بقوله: غرستُ فيكم العزة والكرامة.
واستغل هذا الحادث للبطش بالإخوان المسلمين، وتألفت محكمة خاصة لمحاكمتهم، وقضت على زعمائهم بعقوبات قاسية، وعلى الرغم من أن واحدًا منهم وهو عبد القادر عودة كان مسجونًا قبل وقوع الحادث فلم ينجُ من عقوبة الإعدام!.
وفزعتُ من هول المحاكمة، ومن فظاعة أحكامها، وأدركتُ أننا أصبحنا نعيش في ظل عهد جديد؛ حيث لا قانون ولا حدود، وإنما إرادة الحاكم ومطلق مشيئته، فقررتُ أن أهاجر من مصر، وإذا كان الوقت هو موسم العمرة، فقد قررت أن أسافر إلى السعودية؛ طلبًا للعمرة، ومن السعودية أختار البلد الذي أتوجه إليه، وإمعانًا في التمويه والتعمية طلبت مقابلة عبد الناصر لأستأذنه في السفر، وبالرغم من أنني كنت مقررًا أن لا أتحدث في غير التحيات والسلامات والمجاملات العادية، فقد كان هو الذي دفعني للكلام، حيث لم أتمالك نفسي عن نقده.
سألني: وما رأيك فى الإخوان المسلمين؟
قلتُ: إنك تعرف رأيي- أقصد الموقف الأخير- ووجدتني أندفع بلا وعي أندد بإعدام عبد القادر عودة.. لقد كان باستطاعتك أن توفر 50% من النقد الذي وجه إليك لو وفرت حياة إنسان واحد.
وأسرع يقول: تقصد عبد القادر عودة؟
قلتُ: نعم. فإن عبد القادر عودة بريء من الحادث الذي وقع عليك، كما أنه بريء من أعمال العنف.
ومضيتُ أترافع في حماسة: هناك ثلاثة أدلة يكفي كل واحد منها لتبرئة عبد القادر عودة، وقد ثبتت كلها أمام المحكمة:
الأول: أنه كان سجينًا قبل وقوع الحادث بعدة أسابيع.
الثاني: أنه اقترح من بعض الأعضاء القيام بمظاهرة مسلحة، فأنكر عبد القادر عودة هذا الاقتراح بشدة.
الثالث: أن البعض اقترح القيام بمظاهرة سلمية فرفض عودة القيام بأية مظاهرة.
وأصغى جمال عبد الناصر لمرافعتي ثم قال: "والله يا أحمد نحن لم ننظر للأمر من الناحية القانونية؛ بل نظرنا إليه من الناحية السياسية".
غادرتُ مصر إلى السعودية وأنا لا أكاد أصدق أنني هربت من الجحيم الذي أصبح الأبرياء فيه يعدمون لأسباب سياسية.
دلائل تؤكد ما نشره أحمد حسين على براءة عودة
يذكر الدكتور خالد عبدالقادر عودة أن والده حبس في بيته قبل حادثة المنشية بشهر حيث يقول: تمَّ القبض على الشهيد عقب حادث المنشية مباشرةً، لكن تمَّ تحديد إقامته قبلها بنحو شهر بمنزله في شارع أورستا بالدقي، وكان البيت عبارة عن فيلا مكونة من ثلاثة طوابق، فحاصرت الشرطة البيت؛ مما يدل على أنَّ هذه الحادثة مدبرةٌ ومعدٌّ لها مسبقًا، وبعد المحاصرة تقدَّم كبير الشرطة وأخبر الشهيد بأنه محبوس في داره وغير مسموح له بالخروج أو استقبال أحد عنده أو الاتصال بأحد، وتقبَّل والدي الأمر بصدر رحب، وقال: هذه فرصة جيدة لاستكمال الكتاب- يقصد كتاب "التشريع الجنائي الإسلامي"- وقد أتمه في السجن بعد ذلك، وتسلَّمنا الورق من داخل السجن مكتوبًا بالقلم الرصاص، والعجيب أنه أتمه قبل إعدامه بليلة واحدة فقط!!
بعد استشهاد والدي صرف لنا (منظمة المؤتمر الإسلامي) منحة استمرت لمدة عامين، خصصها لنا أنور السادات بعد تعيينه في هذه المنظمة، كأنه يحاول تقديم نوعٍ من الاعتذار، أو إبداء تعاطفه مع أسرة مَنْ قامت الثورة بإعدامه لرفضه التخلي عن دعوته.
وكان عبدالناصر يحاول بين الحين والآخر إرسال رسائل غير مباشرة بأنه غير المسئول عن إعدام والدي الشهيد، وأن السبب في ذلك هو جمال سالم، وأنه في هذه الفترة كان غير مسيطر على الجيش، وأنه خشي قيام حرب داخلية بين الجيش والشعب، فإنني أذكر يوم زفاف أختي على المرحوم "حسن حمد" أن ياور من الجيش من طرف عبد الناصر أصرَّ على الانفراد بنا نحن أبناء الشهيد- وكان ذلك عام 1963م- وتحدث معنا كثيرًا عن عظمة الرئيس وتفانيه في خدمه الشعب، وعلق على إعدام أبي بقوله" إنه أمر خارج عن إرادة الرئيس، وإننا ما زلنا صغارًا على معرفة الحقيقة"، وتكشَّف لنا كذبُ مثل هذه الادعاءات عام 1965م عندما تم إعدام "سيد قطب" ورفاقه دون وجود جمال سالم (شماعة عبد الناصر لتبرير أخطائه)، ودون صدام بين الجيش والشعب، بل كان الإعدام بأمر مباشر من عبد الناصر، بل وإصرار شديد بالرغم من وساطة جميع رؤساء وملوك العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
المصدر:
- جريدة الشعب: السنة الرابعة، العدد 143 ، الموافق 7 سبتمبر1982م.
- نجل عبد القادر عودة: هكذا عاش أبي..!! أخوان ويكي