عبدالناصر ومجانية التعليم.. تفنيد الأكذوبة الكبرى
كتبه ناصر المنشاوي
مقدمة
يواصل إعلام العسكر إطلاق الشائعات والأكاذيب التي تنسب الأعمال العظيمة للعسكر، دون سند من واقع أو تاريخ؛ حيث زعم أحمد موسى، أحمد أبواق العسكر الإعلامية، في برنامج "على مسئولتي" على فضائية "صدى البلد" مساء 23 يوليو الجاري، أن ما أسماها بثورة 23 يوليو قضت على السيد والعبد، و لولا مجانية التعليم ماكناش اتعلمنا!
موسى في برنامج يواصل مسلسل الأكاذيب التي لا تتوقف، بالزعم أن قرار مجانية التعليم يعود إلى الطاغية جمال عبد الناصر، وأنه لولا هذه المجانية التي قررتها ناصر لما تعلم الشعب المصري! إذا فكيف تعلم عبد الناصر نفسه، وكيف تخرج من الكلية الحربية وهو ابن فلاح فقير إلا إذا كانت المجانية مقررة قبل ذلك بسنوات طوال؟
طه حسين والمجانية
في مقاله "مؤسس مجانية التعليم في مصر الحديثة" يشير الخبير التربوي الكبير الدكتور سعيد إسماعيل ، إلى أن ما يتردد عن عن إقرار جمال عبد الناصر لمجانية التعليم هي شائعة تمثل جزءا من فما كان بعد 23 يوليو 1952 هو قرار بمجانية التعليم العالى، جاء فى خطاب لجمال عبد الناصر فى يوليو عام 1962، بعد أن كانت قد ترسخت فى التعليمين الابتدائى عام 1944، والثانوى عام 1950، على يد طه حسين".
ويضيف عميد الأدب العربي " فى الرابع من فبراير عام 1942، تشكلت حكومة الوفد، خلال الموقف الشهير، برئاسة مصطفى النحاس، واختير أحمد نجيب الهلالى وزيرا للمعارف، والذى اختار بدوره الدكتور طه حسين مستشارا فنيا للوزارة، حيث تشير وقائع الأحداث التعليمية زمنها بأن بصمته ظاهرة، وفكره حاكم وموجِّه، وهو ما يتضح جليا من التقرير الخطير الذى صدر فى نوفمبر عام 1943 بعنوان (تقرير عن إصلاح التعليم فى مصر).
ويتابع الخبير التربوي:
- "يبدو أن صدور هذا التقرير كان تأسيا بما صدر فى بريطانيا فى الفترة نفسها، مما عرف باسم (الكتاب الأبيض)، وملاحظة التركيز الشديد خلال صفحاته، على أن بريطانيا ينبغى أن تمتثل لخبرة الحرب العالمية بأن تعيد النظر فى بناء المواطن الإنجليزى، بحيث يتم التركيز على النهج الديمقراطى، وأن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بأن يكون التعليم نفسه ديمقراطيا متاحا للمواطنين كافة، لا يحول بينهم وبين المتع به عقبة من مال أو نوع أو طبقة أو دين أو مذهب.
ووفقا لما جاء فى ص 34 من التقرير المصرى، فقد لوحظ أن تلميذ المدرسة الابتدائية فى مصر كان يدفع 10 جنيهات، بينما تكلفته 24 جنيها، ويدفع 20 جنيها فى التعليم الثانوى، بينما يتكلف 43 جنيها. ولما كانت الكثرة الغالبة من الفقراء لا يستطيعون دفع هذه المصروفات، فقد كان هذا يعنى أن الدولة تدعم الأغنياء، مما استفز التقرير وكأننا نسمع تساؤله الصارخ:" فأى عدل اجتماعى فى هذا؟ وأين مكانه من الديمقراطية التى تحرص على التزام اساليبها فى نظام الحكم؟"".
وقدم الهلالى هذا التقرير إلى مجلس النواب لمناقشته، للتعرف على أراء الأعضاء فيما جاء به، واستمرت المناقشات أيام 3، 4، 5، و10، 12 يناير عام 1944. وفى بداية المناقشة أكد الهلالى على أهمية أن يكون التعليم حظا شائعا بين المواطنين جميعا، يقوم أمرهم فيه على المساواة التى هى أساس الديمقراطية التى يكفلها الدستور (1923): " لأنه ليس من العدالة الاجتماعية أن تكون مهمة الطبقة العاملة أن تكدح وتكدح، وننكر عليها حقها فى التفكير وفى الاستمتاع بنور العلم".
وبالفعل صدر قرار وزارى بتقرير مجانية التعليم فى العام 1944 لطلاب التعليم الابتدائى، وكان هذا أول الغيث…منذ أن أن أُلغيت المجانية فى أواخر القرن التاسع عشر، زمن الاحتلال البريطانى".
ويشير إلى أن مجانية التعليم الثانوي تمت أيضا في عام 1950 على يد الدكتور طه حسين في حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، بل إن عميد الأدب العربي طالب بمجانية التعليم الجامعي في عام 1952 قبل انقلاب 23 يوليو للقادرين علميا وهو ما وقف أمامه القصر حتى أقرت عام 1962 بقرار من عبد الناصر.
يقول الخبير التربوي:
- " وإذا كانت مجانية التعليم العالى لم تتقرر إلا عام 1962، إلا أننا يجب أن نعلم أن كل من كان يحصل على أكثر من 60% فى الثانوية العامة (التوجيهية)، كان يُعفى من المصروفات الجامعية، ويستمر فى هذا إذا حافظ على تقدير لا يقل عن جيد، وهو ما تمتع به جيلنا الجامعى فى الخمسينيات والحمد لله".
ما يعني أن التعليم الجامعي نفسه كان مجانيا لمن يحصل على أكثر من 60% في الثانوية العامة وأن قرار عبد الناصر جاء ليدفع بمن هم أقل علميا إلى الجامعة وهو أحد أسباب أزمة التعليم في مصر بحسب خبراء ومحللين.
من أجل هتاف الجماهير
وفي مقاله اليوم الأربعاء 25 يوليو بصحيفة "الوطن" بعنوان "الأكذوبة الكبرى"، يؤكد الدكتور محمود خليل أستاذ الصحافة بكلية الإعلام أن ما يشاع عن منح ثورة يوليو الفقراء حق التعليم المجاني في كافة مراحله هي أكذوبة كبرى.
وينتقد الكاتب قرار الديكتاتور عبد الناصر بجعل التعليم مجانيا في المرحلة الجامعية مضيفا "الخلاف حول مجانية التعليم الجامعى يبدو طبيعياً. فمن المنطق أن يكون التعليم فى هذا المستوى مجانياً للمتفوقين فقط. وذلك هو النهج فى أغلب دول العالم، فلكى تمنح خدمة تعليمية حقيقية وجيدة لا بد أن تحاصر الأعداد داخل الجامعات فى التخصصات المختلفة من خلال عاملين: عامل التفوق (الذى يمنح الحق فى المجانية)، وعامل الدفع (لمن يملك رفاهية التعليم الجامعى داخل الجامعات ذات المصروفات).
وعلينا ألا ننسى أن منح الحق فى التعليم الجامعى لكل الحاصلين على الثانوية العامة فى عهد "عبد الناصر" أدى إلى الإضرار بمستوى الخدمة التعليمية المقدمة أشد الضرر، بسبب الأعداد الكبيرة، وعدم قدرة الجامعات على الاستيعاب".
ويشكك الكاتب في نوايا عبد الناصر من هذا القرار متابعا "فارق كبير بين أن تكون المجانية أداة لتحقيق الشعبية واستجلاب هتاف الجماهير، وبين أن تكون وسيلة لمنح المتميزين والمتفوقين حق الحصول على خدمة تعليمية حقيقية تؤدى إلى إفراز عناصر قادرة على إفادة المجتمع".
المصدر
- تقرير: عبدالناصر ومجانية التعليم.. تفنيد الأكذوبة الكبرى بوابة الحرية والعدالة