قانون مكافحة الإرهاب الجديد يهدد الحريات الإعلامية بالإنقراض
أصبح العمل الصحفى فى مصر أزمة حقيقية تواجه ممثلى وسائل الإعلام فى الآونة الأخيرة فى مصر، وازداد الوضع سوءاً بعد إصدار قانون الإرهاب الجديد الذى يمنح للسلطة والأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة وفضفاضة فى التعامل مع الصحفيين، وقد أثارت المواد المتعلقة بالعمل الصحفى مؤخراً حالة من الجدل بين الجميع، وقُوبلت بردود أفعال مختلفة من قبل أطراف متعددة وبترحيب تام من وزارة الداخلية ومسؤلى وزارة الخارجية وبعض الخبراء الأمنين وقلة من العاملين بمجال الصحافة وجاء تأيدهم للقانون بأنه غير مقيد لحرية الصحافة .
البنية التشريعية لقانون الصحافة دولياً ومحلياً
يعتبرالإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو القوام الأساسى الذي يمنح الحق لكل شخص بالتمتع بحرية الرأي والتعبير في المادة 19 منه، وأيضاً تنص نفس المادة بالنسبة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث نصت على: “من حق كل إنسان اعتناق الآراء دون مضايقة، والتعبير عنها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، وبالوسيلة التي يختارها”
كما نصت المادة 65 فى باب الحقوق والحريات العامة فى الدستور المصرى –الذي تم إقراره في العام الماضى- على “حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”
على الرغم من توافر مواد قانونية تقضي بالحفاظ على الصحفي وحمايته من الحبس في قضايا النشر، إلا أنه مازالت أساليب التعنت مع الصحفيين تمارس بكل عنف .
واستمراراً لمسيرة التضييقات على الصحفيين فى مصر، فقد صادق رئيس جمهورية مصر العربية الرئيس عبدالفتاح السيسى فى منتصف أغسطس من هذا العام على قانون لمكافحة الإرهاب بشكل نهائى بقرار جمهورى رقم 94 لسنة 2015 ، والغرض منه اتساع المجال ومنح كافة الصلاحيات للأجهزة الأمنية فى مكافحة الإرهاب.
جاءت “المادة 29”من القانون لتتضمن ” فرض عقوبة بالسجن المشدد لمدة لا تقل عن 5 سنوات لكل من أنشأ أواستخدم موقعاً إلكترونيا” بغرض الترويج للأفكار أوالمعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية” .
وشمل أيضاً فرض عقوبات لمن ينشرأخبار مخالفة للبيانات الرسمية الصادرة من الجهات المختصة، وبموجب “المادة 35” من القانون، يغرم بـ200 ألف جنيه إلى 500 ألف جنيه “23 ألف يورو إلى 58 ألف يورو” كل من يبث أو ينشر معلومات “غير حقيقية” عن الاعتداءات أو العمليات ضد المتشددين.
وبتطبيق هذا القانون يعتبر الصحفى مقيد وملتزم بمصدر واحد فقط للحصول على الأخبار وهو بيانات القوات المسلحة وفى حالة عدم الألتزام بنص البيانات يعاقب الصحفى على الفور، ومن المتعارف عليه أن أى صحفى يحتاج إلى التنوع والتعددية فى المصادر للحصول على المعلومات، وهذا يتنافى مع مبادئ الحريات الإعلامية الممنوحة للعاملين بالمهنة ويدعو لتقييد العمل الصحفى .
كما يمنع القانون المحكوم عليه من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد عن عام إذا تضمنت الجريمة إخلالاً بأصول المهنة”، ولم يشر البند المذكور في القانون بصفة مباشرة لمهنة الصحافة، وقد طرح القانون عقوبة الإعدام للأشخاص المدانين بإنشاء منظمة “إرهابية” أو إدارتها أو تمويلها
كما نصت أيضاً “المادة 36 “ على أنه : “فى قضايا الإرهاب المنصوص عليها فى هذا القانون، يحظر قيام أى فرد أو جهة بتسجيل أو تصوير وقائع جلسات المحاكمة بأية وسيلة كانت ويستثنى من هذا هيئة الأمن القومى ويعاقب من يخالف ذلك بالغرامة التى لا تقل عن 20 ألف جنيه ولاتزيد عن مائة ألف جنيه.
أراء وانتقادات من مختلف الأطراف
نددت بعض المنظمات الحقوقية بقانون مكافحة الإرهاب الجديد، معتبره اياه ماهو إلا قانون يقضي على الحقوق الطبيعية للحريات الإعلامية وقطاع حقوق الإنسان فى مصر، حيث وجهت منظمة “هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان انتقادًا حادًا لقانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي أقره رئيس مصر، واعتبرت أن الإجراء يشتمل على تعريف واسع ومطاط للأعمال الإرهابية ويجعل المصريين عرضة لأحكام قاسية في تهم قد ترقى إلى مستوى العصيان المدني .
وقال نديم خوري نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة ” هيومان رايتس ووتش ” أنه من خلال هذا القرار الجديد، إتخذ النظام خطوة كبيرة نحو تكريس حالة طوارئ دائمة في البلاد
وأن الحكومة قد حصنت نفسها بصلاحيات واسعة للاستمرار في تكميم أفواه معارضيها وخصومها السياسيين تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.
كما انتقدت لجنة حماية الصحفيين الدولية، إصدار قانون مكافحة الإرهاب، مؤكده أن القانون يهدد حرية الصحافة والصحفيين، لتبنيه غرامة ثقيلة جدٌا للصحفيين الذين يوردون معلومات تناقض البيانات الرسمية بشأن الاعتداءات.
وقال نقيب الصحفيين، يحيى قلاش : نحن أمام نص غاية في الإرتباك، لأن به فقرات تؤدي بعدم دستوريته، وكأن هناك من يتعمد أن يخرج القانون بعدم دستوريته بهذا الشكل”، مُشيراً إلى أن الأمر لا ينتهي بمجرد صدور القانون، وأنه لو يوجد ملاحظات جادة فسيتم المطالبة بتعديلها
فى نفس الوقت ردت الخارجية المصرية على تلك الانتقادات بمذكرات شارحة باللغتين العربية والإنجليزية، مؤكدة فيها “استقلالية” القرار المصري، ورفض كل هذه الانتقادات ووضع خطة واسعة لشرح مواد القانون بالكامل، وأوضح المتحدث الرسمي بأن الوزارة أمرت بتكليف السفارات المصرية بالخارج بشرح عناصرها إلى المسئولين الأجانب، وتسلميها إلى المسئولين فى المنظمات الدولية المعنية ونشرها على موقع وزارة الخارجية وصفحة الوزارة على شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك لضمان الانتشار الأوسع لها ووصول الرؤية المصرية إلى جميع الأطراف المعنية فى الداخل والخارج.
قوبلت هذه المواد والنصوص بوابل من الانتقادات وتحفظ شديد عليها من ممثلى وسائل الإعلام فى المقام الأول ومن المؤسسات الحقوقية فى المقام الثانى، وقد أطلقوا على تلك القوانين وصف “الفضفاضة”، إلا أن السلطات المصرية دافعت عن هذا القانون بصفته ضرورة لمواجهة هجمات المتشددين التي أسفرت عن مقتل المئات من رجال الشرطة والجيش فى العامين الماضين
ومن أبرز التعليقات التى وردت من فئة الصحفيين على هذا القانون، كانت من صحفى اليوم السابع ، حيث عقب خالد حسين بعد صدور قانون الإرهاب بمقالة كتبها بعنوان “المادة 35” قانون إرهاب الصحافة، وقد وجه كلماته بالنيابة عن حال زملائه الصحفيين أجمعين قائلاً : “إخترع من القوانين ما شئت، وإستخدم أتباعك ومضللينك ليعلنوا أن مصر تحارب الإرهاب، ولكن لا تنسى الصحفي إن قُصِف قلمه سيجد قلماً أخر، ولكن إن وقعت أنت أمامه فلن تكون لك فرصة أخرى للنهوض”.
الوهلة الأولى التى أدت لصمت الصحافة بعد اصدارقانون الإرهاب
قانون الإرهاب الجديد فتح باباً للتأويل والحيرة، ووضع الصحفيين فى مأزق كبيرٍأثناء تلقى المعلومة من مصادرهم الخاصة، وأكبر دليل على ذلك أنه وبعد أربع أيام من صدورالقانون تم تفجير مبنى الأمن الوطني بمنطقة شبرا الخيمة، وأصيب عشرات الأشخاص، ولكن هذا الموقف جعل جميع الصحفيين حائرين ومتوجسين خيفة من نشر الخبر لأكثر من ساعة خوفًا من نشر بيانات مخالفة للبيانات الرسمية ودخولهم فى دائرة الاتهام وتوقيع عقوبة كبيرة تماشياً مع القانون ونصوص مواده الصارمة، وهذا مايحجم من عمل الصحفى وترقبه قبل نشر أى معلومة حتى وإن كانت صحيحة وإنفراد خاص به، وقد عبر مجموعة من ممثلى وسائل الإعلام عن وقوع ذلك التفجير عن رأيهم فى القانون بأنه وسيلة لعرقلة وتكميم أفواه الصحافة بشكل كبير .
بعد هذه الواقعة وضعت أجهزة الدولة جميع الصحفيين فى خانة الصمت ولم تكن بياناتها الرسمية شافية ومتوفرة وقت الحادث ولم تساعد الصحفيين في نقل أخبار الحادث أو التوصل إلى تفاصيله، فادي إلي مرور ساعات طويلة بدون وجود أي معلومات وهذا دليل قوى على أن قانون الإرهاب لا يمكن تطبيقه .
المصدر
- تقرير:قانون مكافحة الإرهاب الجديد يهدد الحريات الإعلامية بالإنقراضموقع: مرصد صحفيون ضد التعذيب

