مؤسسات إخوانية لها تاريخ

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مؤسسات إخوانية لها تاريخ
مسجد الإخوان ومعهد حراء ومدرسة أمهات المؤنين


إخوان ويكي


مقدمة

شهد المجتمع المصرى منذ بداية القرن العشرين موجة عاتية من الانحلال الاجتماعى والخلقى، تسللت إلى كل ميدان من ميادينه حتى اصطبغت بها الحياة العامة. فقد سادت الطبقية بين أبناء الشعب المصرى الواحد، وانتشر البغاء السرى والعلنى، وكثر تعاطى الخمور والمقامرات، وانتشرت البارات والحانات فى الشوارع والطرقات، فضلا عن الانحلال الخلقى فى المصايف والمتنزهات وعلى الشواطئ والبلاجات وفى السينما والإذاعات.


كما ساءت أوضاع الريف المصرى، وكثرت فيه الأمراض والعادات السيئة وزادت معاناة الفلاح المصرى من البؤس والفقر والحرمان والجهل والأمية، ونشطت حركات التنصير مستغلة الأوضاع المتردية التى يعيشها أغلب المصريين. وتسرب تيار التغريب إلى حياة المصريين، والذى اتخذ ستار الحرية الفكرية، فدعى إلى تغريب المجتمع المصرى والاقتداء بالغرب فى كل شىء. واشتدت الدعوة لسفور المرأة وخروجها للعمل واختلاطها بالرجال فانصاعت لتلك الدعوات كثير من الفتيات بل والعائلات بحجة التقدم.


ولم يقتصر الأمر على ذلك بل انحرفت المناهج التعليمية عن روح الإسلام ومبادئه (حيث كان المستعمر الغربي هو المتحكم في وضع المناهج) ، وخلت موادها تماما من التركيز على التربية الإسلامية ودورها فى إرشاد وتوجيه النشء، مما نتج عنه انتشار الجهالة الدينية فى المدارس والمعاهد والجامعات بعدما وضع دانلوب أسس ومناهج التعليم فى مصر وسار القوم على دربه.


وهكذا تحلل المجتمع المصرى، وتفككت الشخصية المصرية تماما، حيث كان الاحتلال جاثما على أنفاس الشعب، ينهب خيراته ويستنزف موارده ويستعبد أبناءه، ونجح في كثير من أهدافه وخططه. في الوقت الذي كان يتناحر فيه كبار القوم وساستهم من أجل نيل رضى المستعمر وليس من أجل العمل على تحرير البلاد، فتغييرت حكومات ورؤساء وزراء لكن لم تتغير السياسة والتي كانت جلها في خدمة المستعمر فحسب، ولم نرى تقدم إلا حينما قوبل المستعمر بوابل من المقاومة الشعبية والفدائية والتي أجبرته على الانحسار والتقوقع.


في هذه الظروف، وفي هذا الجو نشأ حسن البنا، والذي حرص والده على تربيته التربية الإسلامية الصحيحة، والتي ولدت في قلبه وعقله بغض المحتل والعمل على التصدي له، حتى كان مصيره الاغتيال على يدي أذناب المستعمر رغم صغر سنه.


لقد عنى الإمام البنا ومعه الإخوان بإصلاح المجتمع وقدموا آراء سديدة فى علاجها، وتقدموا إلى الحكومات المتعاقبة والمسئولين بمذكرات إصلاحية مستفيضة للمساهمة فى الإصلاح الاجتماعى. ليس هذا فحسب، بل إنهم ولجوا الميدان العملى وشاركوا فى عملية الإصلاح بذواتهم، سواء في الجانب التعليمي أو الاقتصادي أو الصحي وغيره من جوانب الحياة.


فكان أول ما خط عمليا بناء مسجد لتعليم الناس أمور دينهم وجمعهم على الصلاة في جماعة، واهتم بالجوانب التعليمية لتربية وإخراج النشء على المفاهيم الدينية والتعليمية الصحيحة، كما سعى لحفظ المجتمع من داء البغاء فأنشأ دار التائبات وحث النساء على التوبة والعمل الشريف والحياة النظيفة. وما زالت هذه الأماكن قائمة وشاهدة على ما قدمه الإخوان رغم سيطرة العسكر عليها ووضعها تحت إدارتهم وإشرافهم.


مسجد الإخوان وأول قلاع العبادة

ولدت مدينة الإسماعيلية مع ولادة حفر قناة السويس حيث سعى الخديوي إسماعيل على إنشائها لتكون مقر للأجانب، ولعمال الحفر، ومع ذلك لم ينس بناء مسجد فيها ليجمع المسلمين، غير أن اتساع المدينة وجب إيجاد مساجد أخرى لتستوعب الأعداد المتزايدة من المسلمين.


وحينما تأسست دعوة الإخوان المسلمين في مارس 1928م كانت مدينة الإسماعيلية مقسمة بين الحي الفرنجي الذي كان يقطنه الأجانب وقد صمم على التراث الغربي، وفي الجانب الأخر الحي العربي الفقير الذي عاش فيه عمال الحفر وذويهم.


فبين شوارع قديمة، ومبانٍ خشبية آيلة للسقوط لكنها تقاوم الزمن لتحكى تاريخ حى شعبى خرجت منه أروع البطولات فى مقاومة الاحتلال الإنجليزى، فهذا الحى القديم المكون من منطقتى المحطة الجديدة وميدان عباس التابعتين إدارياً لحى أول، حيث بدأ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، دعوته، كان بيئة خصبة لنشر أفكاره الدعوية.


عاش الإمام أو "مولانا الإمام حسن البنا"، كما يسميه حتى الآن سكان هذا الحى، بالقرب من شارع الثلاثينى بمحافظة الإسماعيلية منذ عام 1927. كان أول ما فكر فيه الإخوان بناء دار خاصة بالجماعة، وذلك لضمان استمرار الدعوة بالإسماعيلية، لا سيما أن القائمين عليها من الموظفين عرضة للنقل. غير أن اقتراح الحاج أمين حجاب "النقاش" الذي يقضي إنشاء مسجد لاقى استحسان الإمام البنا وإخوانه.


اشترط الإمام البنا لتنفيذ مثل هذا المشروع أولا إخلاص النية لله ثم توطيد النفس على المشقة والصبر والمصابرة، والكتمان، ودوام النشاط، وأن يبدأوا بأنفسهم في البذل والتضحية، وطلب منهم أن يكتتبوا فيما بينهم بمبلغ خمسين جنيهًا يودعونها عند الأخ سيد أفندي أبو السعود خلال أسبوع، على أن لا يذكروا ذلك لأحد ولا يتحدثوا عن هذا الأمر حديثًا خاصًا أو عامًا، وجمع في هذه الجلسة اثنى عشر جنيهًا، وكان عدد هؤلاء الإخوة بين العشرة والعشرين، وبعد مضي الأسبوع كان قد تجمع المبلغ المطلوب بالفعل. (1)


ورغم مرور وقت بسيط على تأسيس جماعة الإخوان إلا أن التربية التي أستطاع حسن البنا أن يحيي بها القلوب كان لها أثرها في اكتمال بناء المسجد، حتى أن كثير من الإخوان ضربوا أروع الأمثلة في التضحية من اجل اكتمال البناء، ومنهمالأخ علي أبو العلا "الميكانيكي" والذي كان حاضرًا لتلك الجلسة، وأراد أن يتبرع للمشروع فباع دراجته بمبلغ 150 قرشًا، وتبرع بثمنها، رغم أن المسافة بين منزله وعمله تبلغ 6 كيلومترات، فظل يقطعها ماشيًا حتى علم إخوانه بذلك فاكتتبوا واشتروا له دراجة جديدة قدموها له هدية. (2)


بحث الإخوان عن قطعة أرض يشترونها أو يتبرع بها أصحابها لإتمام مشروعهم، حتى وجدوا قطعة أرض مناسبة ملكًا للحاج علي عبد الكريم، كان يود أن يبني عليها مسجدًا فتحدثوا إليه في ذلك الأمر، وسعد بالأمر واتفقوا على ذلك فكتبوا عقدًا ابتدائيًا بتنازله عن هذه القطعة، غير أن بعض أصحاب القلوب المريضة استغلوا سلامة صدر الحاج علي عبد الكريم وضيقوا عليه الخناق وأوغروا صدره على الإخوان، حتى انتهى الأمر بأن سلم الإمام البنا له ورقة التنازل عن طيب خاطر، وعلم أصحاب القلوب المريضة بذلك فأشاعوا فشل المشروع.


لكن الإخوان لم يستسلموا أو يتقاعسوا فقاموا بالاتصال بالناس لإزالة الشبهات والدعوة للمشروع، وكان الفارس المجلى في هذه الحلبة الشيخ حامد عسكرية، وقد ناصر المشروع الكثير من أهالي الإسماعيلية حتى إن الشيخ حسين الزملوط تبرع وحده بمبلغ 500 جنيه للمشروع، فزاد ذلك من طمأنينة الناس.


وتم تشكيل لجنة للمشروع كان أمين صندوقها الحاج حسين الزملوط، وذلك بتفويض من الجمعية التي كانت حينذاك قد تشكلت بوضع الجمعيات القانونية، وصار لها نظام أساسي ومجلس إدارة وجمعية عمومية. (3)


وبعد فترة من الوقت بدأت بعض الشائعات حول مشروع المسجد، وكان الرد عمليًا حيث اشترى الإمام الشهيد مركبين من الأحجار، وتولى الإخوان حملها من المرسى إلى أرض المسجد، فتحركت الهمم، وبادر من اكتتبوا بدفع بقية اكتتابهم، وأعلن عن وضع حجر الأساس، وتم تحديد يوم 5 من المحرم سنة 1348هـ - الموافق 13 يونيو 1929م موعدًا لذلك


وفي الموعد المحدد أقام الإخوان سرادقًا ضخما، ودعا الناس على اختلاف طبقاتهم لحضور وضع حجر الأساس، وكان اجتماعًا شعبيًا رائعًا، وتتقدم الشيخ محمد حسين الزملوط الذي رشحه الإمام الشهيد لوضع حجر الأساس للمشروع، وذلك لمساندته القوية ماديًا ومعنويًا للمشروع فوضع حجر الأساس. (4)


وبعد إتمام المسجد قام الإخوان باستكمال البناء فأنشأوا فوق بناية المسجد معهدًا سُمي بـ "معهد حراء الإسلامي" وكان الشيخ محمد سعيد العرفي قد اقترح على الإمام أن يسمي إخوانه وأصحابه بأسماء السابقين الصالحين، وأن يسمي المنشآت بأسماء الأماكن الإسلامية



فذلك أبعث للقدوة الحسنة والأسوة الصالحة ولذلك سميت تلك المدرسة بمعهد حراء الإسلامي ومن بعدها أقام الإخوان مدرسة أمهات المؤمنين للبنات، ثم دار التائبات. ومع أن النظام العسكري وضع يده على المسجد ومؤسسات الإخوان وحول دار التائبات إلى أوقاف الإسماعيلية، إلا أن المشجد ما زال قائما حتى الآن.


معهد حراء الإسلامي

بعدما أكمل الإخوان بناء المسجد شرعوا في تعليه البناء وبنوا معهد حراء الإسلامي للبنين وكان التعليم فيه قائم على منهج خاص قوامه الدين والتاريخ الإسلامي والقرآن الكريم ثم العلوم العصرية، حيث انتدب له الإخواف لفيف من المعلمين أمثال الشيخ محمد فرغلي.


كان لهذا المعهد دور في تربية الأطفال وتخريج نماذج طيبة ومنهم الناشئ عبد المنعم علي حسب الله الطالب بالسنة الأولى الابتدائية الذي مثل الطلبة في أول مجلس شورى للإخوان بالإسماعيلية عام 1933م


حيث ألقى كلمة قصيرة جاء فيها:


"آبائي الكرام المخلصين.. أقف بينكم وأنا أعتبر نفسي ابنًا لكم، لأحييكم من كل قلبي وأحيي فيكم هذه العواطف النبيلة، وهذا الشعور الفياض وهذه الروح السامية الطاهرة، نعم أحييكم فأنتم الذين وقفتم أنفسكم لنصرة هذا الدين الحنيف وأنتم الذين ستعلون كلمة الله بإذن الله تعالى.


آبائي: دفعتني غيرة إسلامية إلى الوقوف بينكم وأني لأنظر إليكم بعين ملؤها الطمأنينة على أن ديننا الإسلامي سيعم في وقت قريب أنحاء العالم أجمع. وأعتبر نفسي من الآن جنديًا في الدفاع عن الإسلام فاقبلوا ابنكم وسيروا كي أسير وراءكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم والسلام" (5)


كما قام إخوان أبي صوير بإنشاء مدرسة على نموذج معهد حراء، وكان من أنشطة تلك المدرسة القيام بالرحلات العلمية والدينية، وقد قامت المدرسة برحلة إلى مدينة الإسماعيلية يوم الاثنين 16 شعبان سنة 1352هـ الموافق 4 ديسمبر 1933م بقصد التعارف بطلبة معهد حراء الإسلامي الذين قابلوهم بكل ترحاب وإجلال، الأمر الذي أثلج صدورهم وقضوا معهم نصف النهار حتى صلاة الظهر


وقد أدوا صلاة الظهر في مسجد جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية وقد صلى بهم الشيخ عيد السيد مدرس اللغة العربية، ثم توجهوا إلى المنتزهات حيث المناظر الخلابة الجميلة، وقد قام بتعريفهم بالمدينة الأستاذ عبد العال أفندي عبد الهادي المدرس بمدرسة أبو صوير وشرح لهم كل جديد عليهم، وبعد قضاء ثلاث ساعات متنقلين بين الخضرة والبساتين عادوا إلى أبو صوير ينشدون أناشيد الفرح بهذه الرحلة المباركة. (6)


مدرسة أمهات المؤمنين

تعد المؤسسة الثانية التي أنشأها الإخوان بعد بناء المسجد ومعهد حراء للبنين، حيث جاءت لإسمان الإخوان بضرورة تعليم الفتاة وتهذيب سلوكهم. وكانت كثيرا ما يقام فيها الاحتفال بالمناسبات الإسلامية والتي تغرس في الصغار تعظيم شعائر الإسلام.


ففي نوفمبر 1933م احتفل الإخوان بمناسبة الإسراء والمعراج بمدرسة أمهات المؤمنين حيث شاركن فيه عدد من طالبات المدرسة بالأناشيد الإسلامية. وما زال مبني المسجد والمعهد والمدرسة قائم إلا أنه دخل ضمن إدارة المسجد والذي يعاني بعضا من الاهمال حتى أن مدخله يكاد يطمس بسبب المحلات العصرية الموجودة فيه كمحل الجزارة أو الموبايلات.


المراجع

  1. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002، صـ91.
  2. عبد الرحمن حسب الله: مجلة لواء الإسلام، ذي القعدة 1408هـ - يونيو 1987م صـ 58.
  3. مذكرات الدعوة والداعية، مرجع سابق، صـ92.
  4. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، جـ2، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003.
  5. جريدة الإخوان المسلمون: السنة الأولى، العدد 3، الخميس 6 ربيع أول 1352هـ - 29 يونيو 1933م.
  6. المصدر السابق: السنة الأولى، العدد 22 – 26 شعبان 1352هـ - 14 ديسمبر 1933م.