الفرق بين المراجعتين لصفحة: «جمال فوزي»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا ملخص تعديل
 
(٣٠ مراجعة متوسطة بواسطة ٩ مستخدمين غير معروضة)
سطر ١: سطر ١:
'''الشاعر الداعية والمجاهد الصابر جمال فوزي (1330 1406ه 1910 1986م)'''
'''<center><font color="blue"><font size=5>الأستاذ جمال فوزي</font></font></center>'''


ولد الأستاذ جمال فوزي في قرية (شنشور) التابعة لمحافظة المنوفية بمصر سنة 1910م، وتلقى تعليمه الأولي في القرية، وبعد ذلك اعتمد على نفسه في ثقافته وقرآنه، فكوّن ثقافة وعلماً واسعاً، وقد انتظم في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في بدايتها، وكان يعمل موظفاً بالبريد، وهو صاحب القصيدة الشهيرة المعروفة ب "ملحمة الدعوة" التي أنشدها العديد من المنشدين، وله ديوانان هما "الصبر والثبات" و"الصبر والجهاد".


== جمال فوزي .. الدعوة في بحور الشعر ==
[[ملف:جمال فوزي.jpg|تصغير|180بك|<center>الأستاذ [[جمال فوزي]]</center>]]




== صبره على البلاء ==


ابتلي الأستاذ جمال فوزي في كل المحن التي تعرضت لها الحركة الإسلامية المعاصرة تقريباً، فكان متهماً في قضية السيارة الجيب سنة [[1948]]م، ثم محنة الطاغية عبدالناصر سنة [[1954]]م، ثم في المحنة الثانية سنة [[1965]]م، وأخيراً في محنة السادات سنة [[1981]]م، وقد تعرّض لتعذيب وحشي بشع، أتلف له أذنابُ السلطة وجلادوها نصف جسده طولياً إحدى عينيه، وعموده الفقري، وذراعه وخصيته ورجله وهو الرقيق النفس، الرهيف المشاعر، فكان صابراً محتسباً، وهو شاعر رقيق، باسم الوجه، مرح الروح، وذلك رغم ما يعانيه من آلام خلَّفتها على جسده الأيدي الآثمة من زبانية السلطة الظالمة.


لم تكن دعوة [[الإخوان]] دعوة دعوية فحسب، بل هى دعوة شاملة ومتنوعة ومتجددة، فترى فيها السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والمشايخ والدعاة والرياضيين والشعراء وغيرهم فهى دعوة حوت بين جنباتها العدد من الأمزجة المختلفة.


أطلق عليه إخوانه لقب "حسّان الدعوة" لأنه من أدق من وصف الدعوة في مراحلها المتنوعة شعراً، خاصة وصفه مرحلة السجن والتعذيب أيام الطاغية عبدالناصر.


وله أشعار كثيرة، طبع منها ديوانان هما: "الصبر والثبات" و"الصبر و[[الجهاد]]" فضلاً عن القصائد الكثيرة التي قالها داخل السجن وخارجه ولم تنشر.




كما كُتبتْ عنه وعن حياته وشعره، رسائل جامعية، منها رسالة للباحث عبدالباسط مصطفى في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر سنة 1988م.
فكثير من الناس يظن أن دعوة [[الإخوان]] اهتمت بالجانب السياسي أو الدعوي فقط، غير أننا لو نظرنا لو وجدنا بها الكثيرين فكما ضمت الدكتور [[يوسف القرضاوي]] ضمت جمال فوزي و[[سعد سرور]]، وكما ضمت [[حسن البنا]] كنموذج شامل للداعية ضمت المستشار [[حسن الهضيبي]] كرجل قضاء، فاستحقت بحق أن تكون ملتقى الأشخاص.




'''من أقواله:'''


"دخلنا مبنى ضخماً وألقى بي أحدهم في إحدى حجراته، بعد أن طفنا وسط ممرات كثيرة، وبعد فترة وجيزة، صاح صوت من خلال مكبر صوت: أنت بالمخابرات العامة.. إما الاعتراف وإما الموت.. وبالطبع تبيَّنت الحقيقة بأنني في المخابرات العامة، ولكن عن أي شيء أعترف..؟! ولم يطل بي تفكيري، إذ دخل عليَّ زبانية المخابرات، ليوقعوا بالجسد المشلول المزيد من العذاب.. علقوني من ذراعيَّ إلى أعلى، وربطوهما في حبال، فصار جسدي معلقاً ومتدلياً، ثم ربطوا قدميَّ في اتجاهين مختلفين، ثم بدأت عملية الفسخ والسلخ، بشعة.. رهيبة.. قاسية.. صرت أتمزَّق، وأحسست آلاماً فوق الآلام.. فوق طاقة البشر، من صنع أناس ليسوا من البشر.. وجرَّب القوم معي في المخابرات شتى صنوف التعذيب.. وضعوني فوق ما يشبه الكرسي، ورُبطتُ من يديَّ ووسطي، ثم أخذ الجهاز يدور بي بسرعة مجنونة، ثم يتوقف عن الدوران فجأة، لتبدأ عملية المساومة.. ويمنحني الله قدرة على الاحتمال، فأواجه المساومة بالصمت.. فيدار الجهاز من جديد، حتى أحس نفسي مشرفاً على الموت.. ونزعوني من فوق الجهاز، ثم قذفوا بي على الأرض، ثم رفعوني ثانية وقذفوا بي، وهكذا مع الركل بالأقدام، وتهشيم جسدي بالعصي واللكمات، والقيد في يدي من الخلف، وعيناي معصوبتان، وأحس بحاراً من الدم تغمر ملابسي.. أمروني بالوقوف فما استطعت، فقد ماتت فيّ الحركة.. وجاء صوت قبيح كريه تحسُّ في نبراته غلظة وحش كاسر!! يقول:


ضعوا له الخابور.


وشعرت ببقايا ملابسي الممزقة تنزع، وبجسم مدبب صلب يخزونني به.. وشعرت بالتمزق.. وكان آخر ما أذكره صيحة مدوية أفلتت مني، رغم تهافتي.. ثم رحت في غيبوبة تامة..
== جمال فوزي شاعراً ==


نشأ جمال فوزي على حب الشعر ونمت هذه الموهبة وسط دعوته فأفسحت له المجال، '''ومن هذه الأشعار، أثناء المحنة قوله:-'''


وأفقت من غيبوبتي، فوجدت نفسي في سيارة تنهب بنا الطريق، وأحد الضباط يوقظني.. نزع الطاقية من فوق عيني، فصرت أرى.. ويا لهلول ما رأيت.. الدماء تسيل مني في نزف خطير.. وكانت بالضابط إنسانية.. أو ربما كانت حالتي من السوء حتى حرَّكت في نفسه مواطن العطف والرحمة.. حاول أن يعطيني جرعة ماء.. ولم تكن بي حاجة إلى الماء، فقد غمرتني الآلام، وكنت أشعر لهيب نار من آثار جريمة المخابرات العامة.. لم تكن مياه الدنيا بأسرها لتطفئها".
<center>ذهبت يراود قلبها
:::::أمل يحقق حلمها


ومضت تفكر كيف
:::::تلقى غائباً عن عشها


ومن أقواله أيضاً
حملته في أحشائها
:::::ربته في أحضانها


ودعت إله الكون
:::::أن يرعاه من أعماقها


"إلى أرواح الشهداء الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله..
وتفتحت آفاقه
:::::وتحققت آمالها


إلى أولئك الذين عمَّقوا القرآن في قلوبهم، لتقوم دولة الإسلام على أرضهم..
فإذا الوليد مجاهداً
:::::يرعى العهود جميعها


إلى أولئك الذين ضمتهم سجون الطغاة، فما زادتهم إلا صقلاً وثباتاً وتمحيصاً..
باع الحياة رخيصة
:::::لله يرجو أجرها


إلى هؤلاء جميعاً أقدم أشعاري، تصويراً صادقاً لأحداث جسام صاغت جنوداً للحق، يضعون أرواحهم على أكفهم فداء لدعوة الحق.
حتى طوته سجونهم
:::::دهراً وفي ظلماتها


بين جدران السجون والمعتقلات صغت شعري تصويراً لواقع مرّ برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. وإنني لأصور بأشعاري جانباً مما لاقاه [[الإخوان المسلمون]] على أيدي الطغاة والجبارين، ولا جريرة لهم إلا أن قالوا ربنا الله.
كم ساوموه لكي يحيد
:::::عن العهود بأسرها


إلى أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولكي يخون كتائباً
:::::باعوا النفوس لربها


إلى أولئك الذين صبروا وصابروا ورابطوا.
ولكي يشوه ما أضاء
.
:::::الكون من صفحاتها
إلى أولئك الذين انصهروا في بوتقة الإيمان، فاكتسبوا صلابة وثباتاً..


إلى أولئك الذين زادتهم السجون والمعتقلات صقلاً وعمقاً..
وأبى الكريم مباهج
:::::الدنيا وطلق أمرها


إلى هؤلاء جميعاً.. أهدي ترجمة صادقة لتاريخ محنة صنعت رجالاً يعضّون على دين الله بالنواجذ...".
ورأى السجون معاقل
:::::الأحرار رغم قيودها


وأصر أن يعلي نداء
:::::الحق في جنباتها


== نماذج من شعره ==
ذهبت لكي تلقاه
:::::يوم خروجه بحنانها


وتضمه في لهفة
:::::وسط الجموع بصدرها


ويضمها العملاق في
::::::حب يقبل رأسها


ذهبت يراود قلبها
ويقول يا أماه عاد
:::::إلى الجهاد رجالها


أمل يحقق حلمها
أنا لن ألين ولن أخون
:::::أنا لن أغادر ركبها


ومضت تفكر كيف
أنا لن أهادن من بغوا
:::::يوماً على أبرارها


تلقى غائباً عن عشها
سأظل ناراً يحرق
:::::الأشرارَ حرُ لهيبها


حملته في أحشائها
سأظل حرباً تسحق
:::::الفجار في أرجائها
</center>


ربته في أحضانها
'''ومن شعر المحنة أيضا:'''


ودعت إله الكون أن
<center>
هبني مدحتك بين الناس قاطبة   
:::::حتى جعلتك بين الناس عملاقا


يرعاه من أعماقها
هبني زعمتك قدِّيساً تُباركنا 
:::::وقلت إنك خير الخلق أخلاقا


وتفتحت آفاقه
من ذا يصدّقني بين الأُلى عرفوا   
:::::عنك الخِداعَ وسفَّاحاً وأفَّاقاً</center>


وتحققت آمالها
'''كما أعلن وهو في غياهب السجن عن منهج حياته فقال:'''


فإذا الوليد مجاهداً
<center>
سأظلّ  حراّ ما  حييت  مندّدا   
:::::بالبطش بالجبروت والطــغيان


يرعى العهود جميعها
روحي على  كفّي  فداء عقيدة   
:::::في ظلّها الوافي اتخذت مكاني


باع الحياة رخيصة
ويظلّ صوتي ما حييت مجلجلا   
:::::ذوق المهانة  ليس في إمكاني</center>


لله يرجو أجرها
'''وأنشد أيضا:'''


حتى طوته سجونهم
<center>
إلهي قد غدوت هنا سجينا
:::::لأني أنشد [[الإسلام]] دينا


دهراً وفي ظلماتها
وحولي إخوة في الحق نادوا
:::::أراهم بالقيود مكبلينا


كم ساوموه لكي يحيد
طغاة الحكم بالتعذيب قاموا
:::::على رهط من الأبرار فينا


عن العهود بأسرها
فطوراً حرقوا الأجساد منا
:::::وطوراً بالسياط معذبينا


ولكي يخون كتائباً
وطوراً يقتلون الحر جهرا
:::::لينطق ما يروق الظالمينا


باعوا النفوس لربها
وقد نال الشهادة في ثبات
:::::رجال لا يهابون المنونا


ولكي يشوّه ما أضاء
فمهلاً يا طغاة الحكم مهلاً
:::::فطعم السوط أحلى ما لقينا</center>


الكون من صفحاتها
'''وقال:'''


ولكي يكون صنيعة
<center>
أتتركون كتابا فيه ذكركم 
::::وتشترون  به مسموم أفكار


الشيطان بين صفوفها
مبادئ الكفر قد جرّت هزائمنا   
::::وصيّرت عارنا نشرات أخبار


وأبى الكريم مباهج
تقسّمتنا شعارات  يروّجها 
::::في شعبنا كل طاغوت وغدّار</center>


الدنيا وطلق أمرها
'''كانت هذه بعض نماذج من شاعر [[الإخوان]]، فمن يكون؟'''


ورأى السجون معاقل
== جمال فوزي في سطور ==


الأحرار رغم قيودها
ولد الشاعر [[جمال فوزي]] في قرية '''(شنشور)''' التابعة لمحافظة [[المنوفية]] ب[[مصر]] سنة [[1910]] م، وتربى على حب العلم وسط بيئة ريفية كانت قليلة العلم بسبب الفقر الذي كان غالبا سمة الشعب المصري، تلقى تعليمه الأولي في القرية، غير انه لم يكمل بسبب ظروف الفقر مما دفعه لأن يعتمد على نفسه في ثقافته وتعلم القرآن، فكوّن ثقافة وعلماً واسعاً، عمل موظفا في البريد غير أن ذلك لم يمنعه عن بحور شعره.


وأصرّ أن يعلي نداء
== جمال فوزي بين الشعر و[[النظام الخاص]] ==


الحق في جنباتها
انتظم في صفوف [[جماعة الإخوان المسلمين]]، وتربى على أيدي رجالها الفاضل وعلى يدي [[الإمام البنا]]، وبالرغم من كونه شاعر رقيق، باسم الوجه، مرح الروح، إلا أنه اختير أحد رجال [[النظام الخاص]] [[للإخوان المسلمين]]،''' يقول الحاج [[فرج النجار]] مسئول [[النظام الخاص]] عن وجه بحري في عهد [[الإمام البنا]]:'''


فقضى السنين العشر
'''تكونت مجموعة مركز أشمون من الحاج جمال فوزي عبد البر وكان مديرا للشئون الاجتماعية.'''


عملاقاً كشمّ جبالها
:#والحاج [[مناع خليل القطان]] مدير المعهد العالي.
:#والمهندس [[لبيب دان]] صاحب مزرعة بالبحيرة.
:# و[[عبد الحميد البكل]] ناظر مدرسة.
:#والأستاذ [[بركات حمدان]] وكان موظفا بالضرائب.
:#والأستاذ [[السيد حمدان]] وكان مفتشا بالتربية والتعليم.
:#والمهندس [[عبد العال القط]] مدير الإصلاح الزراعي بالمنوفية.


'''ويضيف بقوله:''' واستطاع بعض [[الإخوان]] أن يختاروا أماكن جيدة في التخزين، فأذكر أن الأخ '''«جمال فوزي»''' كان يبني فيلا في بلدته '''"شنشور"''' وطلب مني أن أستخدمها في التخزين، فذهبت عنده وصممت المخزن في البدروم بطريقة لا يستطيع أحد أن يكتشفه..ولكننا لم نستمر فيها طويلا لبعد شنشور عن المواصلات، فقد كنا نتخير المكان الأقرب من المواصلات لأنه الأفضل في التخزين.


'''إلى الطاغية السفاح'''
وبعد عودة [[الإخوان|الجماعة]] عام [[1951]] م بعد حلها عام [[1948]] م انخرط جمال فوزي في صفوف إخوانه واستكمل المسيرة في [[النظام الخاص]]، بل كان له دور قوي في إخفاء بعض الأسلحة التي استخدمت في حرب القنال '''فيقول الحاج فرج:''' وفي أثناء حرب [[الإخوان]] للإنجليز في القناة شعر ضباط الجيش بأنهم لا يقدمون مساعدة لمتطوعي [[الإخوان]] ففكروا في إعطاء [[الإخوان]] عربة نقل كبيرة ممتلئة بالأسلحة، ولكنها كانت كلها بنادق "LEN  FEL" وعرضت هذه البنادق على [[حسن عشماوي]]، و[[حسن عشماوي]] قام بتوصيلها إلى بيت الأستاذ جمال فوزي بعلم من الأخ [[محمود عبده]].


وعندما عرضت هذه الصفقة وكنت وقتها في [[القاهرة]] ودعامن الأسلحة على متطوعي [[الإخوان]] فرفضوا استلامها لأنها لا تصلح في الميدان، فذهب [[حسن عشماوي]] ل[[عبد الناصر]] وأخبره برفضهم هذه الصفقة، '''فقال له على الفور:''' "خليها عندك تنفع.


هبني مدحتك بين الناس قاطبة
دعاني الأخ جمال فوزي لأشاهد هذه الأسلحة التي أرسلها [[عبد الناصر]] وكانت حوالي 200 بندقية، كان قد وضعها الأخ جمال فوزي أسفل بئر السلم وغطاها بغطاء سميك ثم قام الأخ [[حسن عشماوي]] بعد مقابلة [[عبد الناصر]] بنقلها إلى عزبته التي كانت في إحدى قرى محافظة [[الشرقية]].. وخزنها هناك بمعرفة [[عبد الناصر]]، الذي أمر فيما بعد عندما تولى مقاليد السلطة ب[[مصر]] وشرع في التخلص من [[الإخوان]] بالقبض عليه وعلى هذه الأسلحة بتهمة استخدامها في عمل انقلاب ضد نظام الحكم.


حتى جعلتك بين الناس عملاقا
ولم يتوقف دور جمال فوزي على ذلك فقد كان له دور أثناء تهريب [[المرشد العام]] عام [[1954]] م فقد طلب الأستاذ [[فرج النجار]] وقال له: الأستاذ المرشد [[حسن الهضيبي|الهضيبي]] يطلب منك أن تعد له مكانا يأوي إليه يستريح فيه مدة من الزمن في [[المنوفية]]، '''فقال له فرج:''' إذا كنتم جاهزين فنتحرك بعد صلاة المغرب وإلا فتحددوا أنتم الموعد، وذهب للقاء المرشد، وجاء يقول: تحضر غدا مساء، والعربة جاهزة، وحضر في الموعد المحدد بعد أن أعدد المكان لاستقبال فضيلة المرشد وقابل الأستاذ جمال فوزي الذي أخبره بأن رئيس المكتب الإداري ب[[القاهرة]] غير السفر من [[المنوفية]] إلى [[الأسكندرية]].


هبني زعمتك قدِّيساً تُباركنا
غير أن الأحداث كانت أسرع من التخطيط فحدثت [[حادثة المنشية]] والتي قضت على الأخضر واليابس.


وقلت إنك خير الخلق أخلاقا
== جمال فوزي والمحن ==


من ذا يصدّقني بين الأُلى عرفوا
تعرض الأستاذ جمال فوزي لكثير من المحن والابتلاءات وكان مثال لصبر والرضي بقضاء الله، فقد قبض عليه مع من قبض عليهم في محنة [[قضية السيارة الجيب|السيارة الجيب]] والتي سقطت في [[نوفمبر]] [[1948]] م، وقدم للمحاكمة مع إخوانه ولم يخرج إلا عام [[1951]] م، '''يقول المستشار [[عبد الله العقيل|العقيل]]:'''


عنك الخِداعَ وسفَّاحاً وأفَّاقاً
:«رأيت الأخ جمال فوزي وإخوانه في قفص الاتهام في محاكمة [[قضية السيارة الجيب|السيارة الجيب]]، وكان شاباً وسيماً يعتمر الطربوش، يقف بشموخ وعزة نفس ورباطة جأش، واثقاً بعدالة قضيته.


:وكنت قد رأيته قبل ذلك سنة [[1949]] م حين زرت السجن مع الشيخ [[مناع القطان]] أول قدومي ل[[مصر]] للدراسات الجامعية، حيث كان سجناء [[الإخوان المسلمين]] في [[قضية السيارة الجيب]] يقبعون في السجون، في انتظار المحاكمات، لقاء جهادهم في [[فلسطين]]، ومقاومتهم للاستعمار والمستعمرين وأذنابهم، وقد تكررت لقاءاتي به في [[القاهرة]] وغيرها أثناء الرحلات والكتائب والمخيمات.


'''تعارف'''
:ثم كانت المحنة سنة [[1954]] م التي غيَّبت معظم [[الإخوان]] في سجون الطاغية [[عبد الناصر]]، وكنت تخرجت وغادرت [[مصر]]، ولم ألقه إلا في سنة [[1976]] م في التوفيقية في مكتب [[المرشد العام]] الثالث [[عمر التلمساني]]، وفي منزله، حيث سعدت به كثيراً في كل زياراتي، ورأيت فيه الرجولة والصلابة بكل معانيها في مواجهة الطغيان، والشفافية والرقة والحب والحنان في معاملة إخوانه، وعلاقته بالناس جميعاً، والأدب الجمّ، والتواضع، والطاعة، والامتثال لقيادة [[الإخوان|الجماعة]]، وبخاصة الأستاذ [[عمر التلمساني]]، الذي كان يحبه ويقرّبه منه، وكنت ألحظ ما يعانيه من آلام خلّفتها أيام التعذيب في السجون، فكان يصلي على الكرسي، ولا يستطيع الانحناء أو الركوع والسجود، ورغم ذلك، كان يمارس عمله الدعوي، ونشاطه الحركي، ودروسه وأحاديثه في تجمعات [[الإخوان]] وحلقاتهم بكل نشاط وحيوية، وكنت أرى احتفاء [[الإخوان]] به».


أسمِعك شِعري فقد تُشجيك ألحاني
وبعد خروجه قام بإبلاغ النائب العام  بخطاب مسجل طالبا التحقيق مع كل من [[إبراهيم عبد الهادي]] و[[عبد الرحمن عمار]] ورجال البوليس السياسي وعلى رأسهم [[أحمد طلعت]] والصول [[مصطفى التركي]] والجاويش الأسود على أساس أنهم عذبوه خلال التحقيقات تعذيبا أثبته الطبيب الشرعي في تقريرين عن جملة إصابات بالجسد والعين اليسرى ومحتفظا قبلهم بالحق المدني.


علِّى أُخاطبُ وجداناً بوجدانِ
'''قال عنه المستشار [[عبدالله العقيل]]:''' وقد تعرّض لتعذيب وحشي بشع، أتلف له أذنابُ السلطة وجلادوها نصف جسده طولياً إحدى عينيه، وعموده الفقري، وذراعه وخصيته ورجله وهو الرقيق النفس، الرهيف المشاعر، فكان صابراً محتسباً، وهو شاعر رقيق، باسم الوجه، مرح الروح، وذلك رغم ما يعانيه من آلام خلَّفتها على جسده الأيدي الآثمة من زبانية السلطة الظالمة.


فإنني ما قرضتُ الشِّعر قافية
أطلق عليه إخوانه لقب '''"حسّان الدعوة"''' لأنه من أدق من وصف الدعوة في مراحلها المتنوعة شعراً، خاصة وصفه مرحلة السجن والتعذيب أيام الطاغية [[عبد الناصر]] ، ولقد كُتبتْ عنه وعن حياته وشعره، رسائل جامعية، منها رسالة للباحث [[عبد الباسط مصطفى]] في كلية اللغة العربية بجامعة [[الأزهر]] سنة [[1988]] م.


أهدافها نغماتٌ وفْقَ أوزانِ
وعندما دخلت [[الإخوان|الجماعة]] في محنة عام [[1954]] م كان جمال فوزي أحد من ابتلى بها وقضى في السجن فترة حتى خرج غير أنه سرعان ما سيق مرة أخرى على غياهب السجون في [[أغسطس]] [[1965]] م وكانت المحنة الأشد ضراوة، '''ويصفها بقوله:''' «دخلنا مبنى ضخما وألقى بي أحدهم في إحدى حجراته بعد أن طفنا وسط ممرات كثيرة وبعد فترة وجيزة صاح صوت من خلال مكبر صوت : أنت بالمخابرات العامة .. إما الاعتراف .. وإما الموت .. وبالطبع تبينت حقيقة المكان .. ولكن عن أي شيء أعترف ؟ 


لكنها فكرةٌ تجري الدماء بها
ولم يطل بي تفكيري إذ دخل على زبانية المخابرات العامة ليوقعوا بالجسد المشلول المزيد من العذاب .. علقوني من ذراعي إلي أعلى وربطوها في حبال فصار جسدي معلقا ومتدليا ثم ربطوا قدميّ في اتجاهين مختلفين ثم بدأت عملية ‏الفسخ  ‏بشعة .. رهيبة .. قاسية .. صرت أتمزق وأحسست آلاما فوق الآلام .. فوق طاقة البشر من صنع أناس ليسوا من البشر ..


تُحرّك الصلب في صدق إيمانِ
وجرب القوم معي في المخابرات شتى صنوف التعذيب .. وضعو فوقى ما يشبه الكرسي وربطت من يدي ووسطي ثم أخذ الجهاز يدور ‏بي بسرعة مجنونة ثم يتوقف عن الدوران فجأة لتبدأ عملية المساومة ويمنحني الله قدرة على الاحتمال فأواجه المساومة بالصمت فيدار الجهاز من جديد حتى أجد نفسي مشرفا على الموت ..


وها أنا يا أخي إن رُمتَ معرفتي
ونزعوني من فوق الجهاز ثم قذفوا بي على الأرض ثم رفعوني ثانية وقذفوا بي وهكذا مع الركل بالأقدام وتهشيم جسدي بالعصي واللكمات والقيد في يدي من الخلف وعيناي معصوبتان وأحس  بحارا  ‏من الدم تغمر بقية ملابسي .. أمروني بالوقوف فما استطعت فقد ماتت فيّ الحركة وجاء صوت قبيح كريه تحس في نبراته غلظة وحش كاسر يقول:  ضعوا ‏له الخابو..وشعرت ببقايا ملابس الممزقة تنزع وبجسم مدبب صلب يخزونني به ..


حتى أراك مع الأيام شِرياني
وشعرت بالتمزق .. وكان آخر ما أذكره صيحة مدوية أفلتت منى رغم تهافتي.. ثم رحت في غيبوبة تامة .. ‏وأفقت .. فوجدت نفسي في سيارة تنهب بنا الطريق وأحد الضباط يوقظني.. نزع الطاقية من فوق عيني فصرت أرى ويا لهول ما رأيت .. الدماء  تسيل منى في نزيف خطير وكانت بالضابط إنسانية أو ربما كانت حالتي من السوء حتى حركت في نفسه مواطن العطف والرحمة  حاول أن يعطيني جرعة ماء ..


ولم تكن بي حاجة إلى الماء فقد غمرتني الآلام وكنت أشعر لهيب نار من آثار جريمة المخابرات العامة لم تكن مياه الدنيا بأسرها لتطفئها» غير أنه صبر وتحملها حتى فرج الله كربه بموت [[عبد الناصر]] والتي بعدها أفرج [[السادات]] عن كل [[الإخوان]] غير أنه لم يكن أفضل من سابقيه ففي محنة [[سبتمبر]] [[1981]] منذ ساقه [[السادات]] مع كثير من [[الإخوان]] ومثقفي [[مصر]] إلى السجون مرة أخرى ولم يخرج منها إلا بعد وفاة [[السادات]] وتولى [[محمد حسني مبارك|مبارك]] الحكم.


== ومن أقواله ==
"إلى أرواح الشهداء الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله..


'''تحية مجلة الدعوة'''
إلى أولئك الذين عمَّقوا القرآن في قلوبهم، لتقوم دولة [[الإسلام]] على أرضهم..
 
 
عشنا زمان عصابة غدرت بنا
 
فتعملقتْ فرقٌ من الأقزامِ
 
فرقٌ لأشباه الرجال تجمَّعوا
 
ما هم بغير حُثالة ولئامِ
 
لكنَّ عين الله ساهرةٌ فلا
 
نامت عيونُ عصابةِ الإجرامِ
 
يا "دعوة" الحقِّ المبين تألقي
 
وخُذي بعزمك راية الإسلامِ
 
الله أكبر مرحباً يا "دعوتي"
 
يا مصدر الإشعاع والإلهام
 
 
 
== معرفتي به* ==
 
 
 
عرفته حين حضرت إلى محاكمة الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب سنة 1951م برفقة أستاذنا أبي الحسن علي الحسني الندوي الذي كان يزور[[ مصر]] آنذاك، وكنت وإخواني نرافقه في الكثير من زياراته ومحاضراته ومقابلاته، ومنها هذه المحاكمة التي كان من أبرع المحامين فيها، الشابُّ [[سعيد رمضان]].
 
 
فرأيت الأخ [[جمال فوزي]] وإخوانه في قفص الاتهام، وكان شاباً وسيماً يعتمر الطربوش، يقف بشموخ وعزة نفس ورباطة جأش، واثقاً بعدالة قضيته. وكنت قد رأيته قبل ذلك سنة 1949م حين زرت السجن مع الشيخ [[مناع القطان]] أول قدومي لمصر للدراسات الجامعية، حيث كان سجناء الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب يقبعون في السجون، في انتظار المحاكمات، لقاء جهادهم في [[فلسطين]]، ومقاومتهم للاستعمار والمستعمرين وأذنابهم، وقد تكررت لقاءاتي به في القاهرة وغيرها أثناء الرحلات والكتائب والمخيمات، ثم كانت المحنة سنة [[1954]]م التي غيَّبت معظم الإخوان في سجون الطاغية عبدالناصر، وكنت تخرجت وغادرت [[مصر]]، ولم ألقه إلا في سنة 1976م في التوفيقية في مكتب المرشد العام الثالث [[عمر التلمساني]] ، وفي منزله، حيث سعدت به كثيراً في كل زياراتي، ورأيت فيه الرجولة والصلابة بكل معانيها في مواجهة الطغيان، والشفافية والرقة والحب والحنان في معاملة إخوانه، وعلاقته بالناس جميعاً، والأدب الجمّ، والتواضع، والطاعة، والامتثال لقيادة الجماعة، وبخاصة الأستاذ [[عمر التلمساني]] ، الذي كان يحبه ويقرّبه منه، وكنت ألحظ ما يعانيه من آلام خلّفتها أيام التعذيب في السجون، فكان يصلي على الكرسي، ولا يستطيع الانحناء أو الركوع والسجود، ورغم ذلك، كان يمارس عمله الدعوي، ونشاطه الحركي، ودروسه وأحاديثه في تجمعات الإخوان وحلقاتهم بكل نشاط وحيوية، وكنت أرى احتفاء الإخوان به، خاصة الأخ [[جابر رزق]] الذي يذكر الكثير من مواقفه وثباته في المحن المتتابعة على الحركة الإسلامية المعاصرة. ولقد سعدت وإخواني بقصائده التي نشر معظمها في ديوانه: "الصبر والثبات"، و"الصبر و[[الجهاد]]"، ولقد سبق أن قمت باختيار بعضها ونشرها في مجلة المجتمع الكويتية الغرّاء.
 
 
كما قام الأخ الأستاذ حسني أدهم جرار، والأخ الأستاذ [[أحمد الجدع]] بنشرهما فيما أصدراه من كتب ودواوين وأناشيد.


إلى أولئك الذين ضمتهم سجون الطغاة، فما زادتهم إلا صقلاً وثباتاً وتمحيصاً..


إلى هؤلاء جميعاً أقدم أشعاري، تصويراً صادقاً لأحداث جسام صاغت جنوداً للحق، يضعون أرواحهم على أكفهم فداء لدعوة الحق.


== قالوا عنه ==
== قالوا عنه ==


'''يقول الأستاذ [[فرج النجار]]:'''


'''يقول الأستاذ [[عمر التلمساني]]:'''
:تعرفت عليه سنة [[1940]] وطوال هذه المدة وأنا أرى في لقاءه الغذاء الروحي كما أرى في لقائه جذوة الحماس تشتعل ولا تنطفئ والحق يقال أنه كان فريدًا من نوعه في الحماسة والإخلاص والولاء التام لدعوة [[الإخوان المسلمين]].
 
 
"... أنت ثائر على الظلم إذا استعرضته معك..
 
وأنت أسوان مع الحزانى إذا مرَّ بهم أمام خاطرك..
 
وأنت غاضب على الظلم، كاره له إذا شاهدت من خلال الشعر أيديهم تعلو باللهب، وتنزل محترقة.
أنت معه في كل ما أراد منك أن تكون معه فيه، وهذا هو الصدق في القول".
 
 
 
'''ويقول الأستاذ عبدالله الطنطاوي:'''
 
"لله درّ دعوة الإخوان.. دعوة الرجل الرباني الذي لم تنجب الأمة الإسلامية مثله منذ بضعة قرون.. الإمام الشهيد حسن البنا، رضي الله عنه وأرضاه، فقد صنعت هذه الدعوة رجالاً، واكتشفت معادن رجال ما كانوا ليُعرفوا، لولا هذه الدعوة الراشدة المباركة.. من هؤلاء الرجال: الشاعر الداعية جمال فوزي، عامل البريد، الذي عرف حقيقة هذه الدعوة، فالتصق بها، وكان من خيرة أبنائها، وعياً، وإخلاصاً، وحركة، وتضحية.. وعرفت الدعوة كنه هذا الرجل الذي قد يزدريه "الخواص" في ثيابه، وفي المكان الذي يحتلّه في السلّم الاجتماعي، موظفاً بسيطاً، يتقاضى بضعة جنيهات كل شهر.. عرفته الدعوة، وكشفت عن مخبوءات رجل أين منه الرجال.. رجل تجاوز بعطاءاته من يحسبهم الناس كباراً. فجّرت نفسه المتواضعة، مكوّنات العبقرية والعظمة الخاشعتين لله الواحد الأحد، الشامختين على الحطام والطواغيت والمال والجاه، وكل ما يقتتل من أجله أكثر الناس.
 


ولله در هذا الرجل البسيط في هيئته، العظيم في روحه ونفسه ومواقفه وشعره، وفي صبره وجلده في مواجهة الخطوب، وتحمّله للمحن، وشموخه على فراعنة العصر الحاكمين بأمر غيرهم، القادرين على شعوبهم بنذالتهم ونذالة من صنعوهم على أعينهم وبأيديهم في واشنطن، وموسكو، ولندن، وتل أبيب، وسواها من عواصم العدوانيين.
'''وقال الأستاذ [[عبد الله الطنطاوي]]:'''


:لله درّ دعوة [[الإخوان]].. دعوة الرجل الرباني الذي لم تنجب الأمة الإسلامية مثله منذ بضعة قرون.. [[الإمام الشهيد]] [[حسن البنا]]، رضي الله عنه وأرضاه، فقد صنعت هذه الدعوة رجالاً، واكتشفت معادن رجال ما كانوا ليُعرفوا، لولا هذه الدعوة الراشدة المباركة.. من هؤلاء الرجال: الشاعر الداعية جمال فوزي ، عامل البريد، الذي عرف حقيقة هذه الدعوة، فالتصق بها، وكان من خيرة أبنائها، وعياً، وإخلاصاً، وحركة، وتضحية.. وعرفت الدعوة كنه هذا الرجل الذي قد يزدريه '''"الخواص"''' في ثيابه، وفي المكان الذي يحتلّه في السلّم الاجتماعي، موظفاً بسيطاً، يتقاضى بضعة جنيهات كل شهر.. عرفته الدعوة، وكشفت عن مخبوءات رجل أين منه الرجال.. رجل تجاوز بعطاءاته من يحسبهم الناس كباراً.


:فجّرت نفسه المتواضعة، مكوّنات العبقرية والعظمة الخاشعتين لله الواحد الأحد، الشامختين على الحطام والطواغيت والمال والجاه، وكل ما يقتتل من أجله أكثر الناس.


ما قرأت قصيدة أو مقطوعة لجمال فوزي إلا هزّت كياني.. فجعلتني أحسّ بعظمة هذه الدعوة، وخسّة أعدائها، من لدن فاروق، إلى العبد الخاسر، وأتباعهما من العبيد العبيد العبيد.
'''وقال عنه الأستاذ [[عمر التلمساني]] :'''


:أنت ثائر على الظلم إذا استعرضته معك..وأنت أسوان مع الحزانى إذا مرَّ بهم أمام خاطرك..وأنت غاضب على الظلم، كاره له إذا شاهدت من خلال الشعر أيديهم تعلو باللهب، وتنزل محترقة.أنت معه في كل ما أراد منك أن تكون معه فيه، وهذا هو الصدق في القول".


قد لا يكون جمال فوزي متفنناً في شعره، وما ينبغي له أن يكون كذلك، لأنه داعية، والدعوة هي التي تتحرك على لسان روحه شعراً يهزّ كلّ من كان له قلب وعاطفة.. شعر هو السحر الحلال.. وهو تاريخ لهذه الدعوة، وخاصة الابتلاءات التي ابتُليت بها على أيدي من لا أستطيع أن أصفهم بما فيهم من خسّة، ودناءة، وبذاءة، ووحشية.
== المستشار [[ عبد الله العقيل]] يتحدث ==


عرفته حين حضرت إلى محاكمة [[الإخوان المسلمين]] في [[قضية السيارة الجيب]] سنة [[1951]] م برفقة أستاذنا [[أبو الحسن علي الندوي|أبي الحسن علي الحسني الندوي]] الذي كان يزور [[ مصر]] آنذاك، وكنت وإخواني نرافقه في الكثير من زياراته ومحاضراته ومقابلاته، ومنها هذه المحاكمة التي كان من أبرع المحامين فيها، الشابُّ [[سعيد رمضان]].


شعر جمال فوزي صورة لروحه الشفيفة.. لإيمانه العميق.. لثباته في وجوه الأعاصير.. ولعله واحد الشعراء بتأثيره فيمن يقرؤه أو يسمعه.. مع أن الشعراء الذين ابتلوا كثر، وأبلغ بلاغة من جمال فوزي، ولكن ما يتميز به شعر جمال فوزي هو غير البلاغة.. هو شيء تشعر به ولا تكاد تحسّه.. شيء لا أستطيع أن أصفه إلا بأنه قطعة حقيقية من جمال فوزي".
فرأيت الأخ جمال فوزي وإخوانه في قفص الاتهام، وكان شاباً وسيماً يعتمر الطربوش، يقف بشموخ وعزة نفس ورباطة جأش، واثقاً بعدالة قضيته. وكنت قد رأيته قبل ذلك سنة [[1949]] م حين زرت السجن مع الشيخ [[مناع القطان]] أول قدومي ل[[مصر]] للدراسات الجامعية، حيث كان سجناء [[الإخوان المسلمين]] في [[قضية السيارة الجيب]] يقبعون في السجون، في انتظار المحاكمات، لقاء جهادهم في [[فلسطين]]، ومقاومتهم للاستعمار والمستعمرين وأذنابهم.


وقد تكررت لقاءاتي به في [[القاهرة]] وغيرها أثناء الرحلات والكتائب والمخيمات، ثم كانت المحنة سنة [[1954]] م التي غيَّبت معظم [[الإخوان]] في سجون الطاغية [[عبد الناصر]]، وكنت تخرجت وغادرت [[مصر]]، ولم ألقه إلا في سنة [[1976]] م في التوفيقية في مكتب [[المرشد العام]] الثالث [[عمر التلمساني]] ، وفي منزله، حيث سعدت به كثيراً في كل زياراتي، ورأيت فيه الرجولة والصلابة بكل معانيها في مواجهة الطغيان، والشفافية والرقة والحب والحنان في معاملة إخوانه، وعلاقته بالناس جميعاً، والأدب الجمّ، والتواضع، والطاعة، والامتثال لقيادة [[الإخوان|الجماعة]]، وبخاصة الأستاذ [[عمر التلمساني]] ، الذي كان يحبه ويقرّبه منه.


وكنت ألحظ ما يعانيه من آلام خلّفتها أيام التعذيب في السجون، فكان يصلي على الكرسي، ولا يستطيع الانحناء أو الركوع والسجود، ورغم ذلك، كان يمارس عمله الدعوي، ونشاطه الحركي، ودروسه وأحاديثه في تجمعات [[الإخوان]] وحلقاتهم بكل نشاط وحيوية، وكنت أرى احتفاء [[الإخوان]] به، خاصة الأخ [[جابر رزق]] الذي يذكر الكثير من مواقفه وثباته في المحن المتتابعة على الحركة الإسلامية المعاصرة.


== وفاته ==
ولقد سعدت وإخواني بقصائده التي نشر معظمها في ديوانه: '''"الصبر والثبات"'''، و'''"الصبر و[[الجهاد]]"'''، ولقد سبق أن قمت باختيار بعضها ونشرها في [[مجلة المجتمع]] الكويتية الغرّاء.


كما قام الأخ الأستاذ [[حسني أدهم جرار]]، والأخ الأستاذ [[أحمد الجدع]] بنشرهما فيما أصدراه من كتب ودواوين وأناشيد.


== رحيله ==


انتقل إلى رحمة الله تعالى في الرابع من مارس سنة 1986م، قبل وفاة رفيق الدرب الذي كان لا يفارقه الأستاذ عمر التلمساني بشهرين، حيث شيعه إخوانه في موكب مهيب.
انتقل إلى رحمة الله تعالى في الرابع من [[مارس]] سنة [[1986]] م، الموافق 22 جمادى آخر 1406 هجريا حيث شيعه إخوانه في موكب مهيب.


رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين.


== المراجع ==


== المراجع: ==
:#قصيدة قطتي لجمال فوزي- شعراء الدعوة- الجزء الأول- ص 106.
:#[[عبدالقادر عبار]]: [[في مرآة الشعر الإسلامي المعاصر]].
:#[[أحمد عادل كمال]]: [[النقط فوق الحروف]]، الزهراء للإعلام العربي.
:#[[عبد الله العقيل]]: [[أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة]]، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
:#حوار مع الأستاذ [[فرج النجار]] لموقعي [[إخوان أون لاين]]، ومن تراث [[الإخوان المسلمين]].
:#موقع المستشار [[ عبد الله العقيل]]


'''مجلة المجتمع 25/11/2006'''
{{روابط الإخوان والفنون}}
* معرفت  المستشار عبدالله العقيل


[[تصنيف:أعلام الحركة الإسلامية]]
[[تصنيف:أعلام الحركة الإسلامية]]
[[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]]
[[تصنيف:أعلام من مصر]]
[[تصنيف:أعلام المنوفية]]
[[تصنيف:المقالة الجيدة]]
[[تصنيف:مقالة جيدة أعلام]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٢١:١٨، ٥ سبتمبر ٢٠١٨

الأستاذ جمال فوزي


جمال فوزي .. الدعوة في بحور الشعر

الأستاذ جمال فوزي



لم تكن دعوة الإخوان دعوة دعوية فحسب، بل هى دعوة شاملة ومتنوعة ومتجددة، فترى فيها السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والمشايخ والدعاة والرياضيين والشعراء وغيرهم فهى دعوة حوت بين جنباتها العدد من الأمزجة المختلفة.



فكثير من الناس يظن أن دعوة الإخوان اهتمت بالجانب السياسي أو الدعوي فقط، غير أننا لو نظرنا لو وجدنا بها الكثيرين فكما ضمت الدكتور يوسف القرضاوي ضمت جمال فوزي وسعد سرور، وكما ضمت حسن البنا كنموذج شامل للداعية ضمت المستشار حسن الهضيبي كرجل قضاء، فاستحقت بحق أن تكون ملتقى الأشخاص.



جمال فوزي شاعراً

نشأ جمال فوزي على حب الشعر ونمت هذه الموهبة وسط دعوته فأفسحت له المجال، ومن هذه الأشعار، أثناء المحنة قوله:-

ذهبت يراود قلبها
أمل يحقق حلمها

ومضت تفكر كيف

تلقى غائباً عن عشها

حملته في أحشائها

ربته في أحضانها

ودعت إله الكون

أن يرعاه من أعماقها

وتفتحت آفاقه

وتحققت آمالها

فإذا الوليد مجاهداً

يرعى العهود جميعها

باع الحياة رخيصة

لله يرجو أجرها

حتى طوته سجونهم

دهراً وفي ظلماتها

كم ساوموه لكي يحيد

عن العهود بأسرها

ولكي يخون كتائباً

باعوا النفوس لربها

ولكي يشوه ما أضاء

الكون من صفحاتها

وأبى الكريم مباهج

الدنيا وطلق أمرها

ورأى السجون معاقل

الأحرار رغم قيودها

وأصر أن يعلي نداء

الحق في جنباتها

ذهبت لكي تلقاه

يوم خروجه بحنانها

وتضمه في لهفة

وسط الجموع بصدرها

ويضمها العملاق في

حب يقبل رأسها

ويقول يا أماه عاد

إلى الجهاد رجالها

أنا لن ألين ولن أخون

أنا لن أغادر ركبها

أنا لن أهادن من بغوا

يوماً على أبرارها

سأظل ناراً يحرق

الأشرارَ حرُ لهيبها

سأظل حرباً تسحق

الفجار في أرجائها

ومن شعر المحنة أيضا:

هبني مدحتك بين الناس قاطبة

حتى جعلتك بين الناس عملاقا

هبني زعمتك قدِّيساً تُباركنا

وقلت إنك خير الخلق أخلاقا

من ذا يصدّقني بين الأُلى عرفوا

عنك الخِداعَ وسفَّاحاً وأفَّاقاً

كما أعلن وهو في غياهب السجن عن منهج حياته فقال:

سأظلّ حراّ ما حييت مندّدا

بالبطش بالجبروت والطــغيان

روحي على كفّي فداء عقيدة

في ظلّها الوافي اتخذت مكاني

ويظلّ صوتي ما حييت مجلجلا

ذوق المهانة ليس في إمكاني

وأنشد أيضا:

إلهي قد غدوت هنا سجينا

لأني أنشد الإسلام دينا

وحولي إخوة في الحق نادوا

أراهم بالقيود مكبلينا

طغاة الحكم بالتعذيب قاموا

على رهط من الأبرار فينا

فطوراً حرقوا الأجساد منا

وطوراً بالسياط معذبينا

وطوراً يقتلون الحر جهرا

لينطق ما يروق الظالمينا

وقد نال الشهادة في ثبات

رجال لا يهابون المنونا

فمهلاً يا طغاة الحكم مهلاً

فطعم السوط أحلى ما لقينا

وقال:

أتتركون كتابا فيه ذكركم

وتشترون به مسموم أفكار

مبادئ الكفر قد جرّت هزائمنا

وصيّرت عارنا نشرات أخبار

تقسّمتنا شعارات يروّجها

في شعبنا كل طاغوت وغدّار

كانت هذه بعض نماذج من شاعر الإخوان، فمن يكون؟

جمال فوزي في سطور

ولد الشاعر جمال فوزي في قرية (شنشور) التابعة لمحافظة المنوفية بمصر سنة 1910 م، وتربى على حب العلم وسط بيئة ريفية كانت قليلة العلم بسبب الفقر الذي كان غالبا سمة الشعب المصري، تلقى تعليمه الأولي في القرية، غير انه لم يكمل بسبب ظروف الفقر مما دفعه لأن يعتمد على نفسه في ثقافته وتعلم القرآن، فكوّن ثقافة وعلماً واسعاً، عمل موظفا في البريد غير أن ذلك لم يمنعه عن بحور شعره.

جمال فوزي بين الشعر والنظام الخاص

انتظم في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، وتربى على أيدي رجالها الفاضل وعلى يدي الإمام البنا، وبالرغم من كونه شاعر رقيق، باسم الوجه، مرح الروح، إلا أنه اختير أحد رجال النظام الخاص للإخوان المسلمين، يقول الحاج فرج النجار مسئول النظام الخاص عن وجه بحري في عهد الإمام البنا:

تكونت مجموعة مركز أشمون من الحاج جمال فوزي عبد البر وكان مديرا للشئون الاجتماعية.

  1. والحاج مناع خليل القطان مدير المعهد العالي.
  2. والمهندس لبيب دان صاحب مزرعة بالبحيرة.
  3. وعبد الحميد البكل ناظر مدرسة.
  4. والأستاذ بركات حمدان وكان موظفا بالضرائب.
  5. والأستاذ السيد حمدان وكان مفتشا بالتربية والتعليم.
  6. والمهندس عبد العال القط مدير الإصلاح الزراعي بالمنوفية.

ويضيف بقوله: واستطاع بعض الإخوان أن يختاروا أماكن جيدة في التخزين، فأذكر أن الأخ «جمال فوزي» كان يبني فيلا في بلدته "شنشور" وطلب مني أن أستخدمها في التخزين، فذهبت عنده وصممت المخزن في البدروم بطريقة لا يستطيع أحد أن يكتشفه..ولكننا لم نستمر فيها طويلا لبعد شنشور عن المواصلات، فقد كنا نتخير المكان الأقرب من المواصلات لأنه الأفضل في التخزين.

وبعد عودة الجماعة عام 1951 م بعد حلها عام 1948 م انخرط جمال فوزي في صفوف إخوانه واستكمل المسيرة في النظام الخاص، بل كان له دور قوي في إخفاء بعض الأسلحة التي استخدمت في حرب القنال فيقول الحاج فرج: وفي أثناء حرب الإخوان للإنجليز في القناة شعر ضباط الجيش بأنهم لا يقدمون مساعدة لمتطوعي الإخوان ففكروا في إعطاء الإخوان عربة نقل كبيرة ممتلئة بالأسلحة، ولكنها كانت كلها بنادق "LEN FEL" وعرضت هذه البنادق على حسن عشماوي، وحسن عشماوي قام بتوصيلها إلى بيت الأستاذ جمال فوزي بعلم من الأخ محمود عبده.

وعندما عرضت هذه الصفقة وكنت وقتها في القاهرة ودعامن الأسلحة على متطوعي الإخوان فرفضوا استلامها لأنها لا تصلح في الميدان، فذهب حسن عشماوي لعبد الناصر وأخبره برفضهم هذه الصفقة، فقال له على الفور: "خليها عندك تنفع.

دعاني الأخ جمال فوزي لأشاهد هذه الأسلحة التي أرسلها عبد الناصر وكانت حوالي 200 بندقية، كان قد وضعها الأخ جمال فوزي أسفل بئر السلم وغطاها بغطاء سميك ثم قام الأخ حسن عشماوي بعد مقابلة عبد الناصر بنقلها إلى عزبته التي كانت في إحدى قرى محافظة الشرقية.. وخزنها هناك بمعرفة عبد الناصر، الذي أمر فيما بعد عندما تولى مقاليد السلطة بمصر وشرع في التخلص من الإخوان بالقبض عليه وعلى هذه الأسلحة بتهمة استخدامها في عمل انقلاب ضد نظام الحكم.

ولم يتوقف دور جمال فوزي على ذلك فقد كان له دور أثناء تهريب المرشد العام عام 1954 م فقد طلب الأستاذ فرج النجار وقال له: الأستاذ المرشد الهضيبي يطلب منك أن تعد له مكانا يأوي إليه يستريح فيه مدة من الزمن في المنوفية، فقال له فرج: إذا كنتم جاهزين فنتحرك بعد صلاة المغرب وإلا فتحددوا أنتم الموعد، وذهب للقاء المرشد، وجاء يقول: تحضر غدا مساء، والعربة جاهزة، وحضر في الموعد المحدد بعد أن أعدد المكان لاستقبال فضيلة المرشد وقابل الأستاذ جمال فوزي الذي أخبره بأن رئيس المكتب الإداري بالقاهرة غير السفر من المنوفية إلى الأسكندرية.

غير أن الأحداث كانت أسرع من التخطيط فحدثت حادثة المنشية والتي قضت على الأخضر واليابس.

جمال فوزي والمحن

تعرض الأستاذ جمال فوزي لكثير من المحن والابتلاءات وكان مثال لصبر والرضي بقضاء الله، فقد قبض عليه مع من قبض عليهم في محنة السيارة الجيب والتي سقطت في نوفمبر 1948 م، وقدم للمحاكمة مع إخوانه ولم يخرج إلا عام 1951 م، يقول المستشار العقيل:

«رأيت الأخ جمال فوزي وإخوانه في قفص الاتهام في محاكمة السيارة الجيب، وكان شاباً وسيماً يعتمر الطربوش، يقف بشموخ وعزة نفس ورباطة جأش، واثقاً بعدالة قضيته.
وكنت قد رأيته قبل ذلك سنة 1949 م حين زرت السجن مع الشيخ مناع القطان أول قدومي لمصر للدراسات الجامعية، حيث كان سجناء الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب يقبعون في السجون، في انتظار المحاكمات، لقاء جهادهم في فلسطين، ومقاومتهم للاستعمار والمستعمرين وأذنابهم، وقد تكررت لقاءاتي به في القاهرة وغيرها أثناء الرحلات والكتائب والمخيمات.
ثم كانت المحنة سنة 1954 م التي غيَّبت معظم الإخوان في سجون الطاغية عبد الناصر، وكنت تخرجت وغادرت مصر، ولم ألقه إلا في سنة 1976 م في التوفيقية في مكتب المرشد العام الثالث عمر التلمساني، وفي منزله، حيث سعدت به كثيراً في كل زياراتي، ورأيت فيه الرجولة والصلابة بكل معانيها في مواجهة الطغيان، والشفافية والرقة والحب والحنان في معاملة إخوانه، وعلاقته بالناس جميعاً، والأدب الجمّ، والتواضع، والطاعة، والامتثال لقيادة الجماعة، وبخاصة الأستاذ عمر التلمساني، الذي كان يحبه ويقرّبه منه، وكنت ألحظ ما يعانيه من آلام خلّفتها أيام التعذيب في السجون، فكان يصلي على الكرسي، ولا يستطيع الانحناء أو الركوع والسجود، ورغم ذلك، كان يمارس عمله الدعوي، ونشاطه الحركي، ودروسه وأحاديثه في تجمعات الإخوان وحلقاتهم بكل نشاط وحيوية، وكنت أرى احتفاء الإخوان به».

وبعد خروجه قام بإبلاغ النائب العام بخطاب مسجل طالبا التحقيق مع كل من إبراهيم عبد الهادي وعبد الرحمن عمار ورجال البوليس السياسي وعلى رأسهم أحمد طلعت والصول مصطفى التركي والجاويش الأسود على أساس أنهم عذبوه خلال التحقيقات تعذيبا أثبته الطبيب الشرعي في تقريرين عن جملة إصابات بالجسد والعين اليسرى ومحتفظا قبلهم بالحق المدني.

قال عنه المستشار عبدالله العقيل: وقد تعرّض لتعذيب وحشي بشع، أتلف له أذنابُ السلطة وجلادوها نصف جسده طولياً إحدى عينيه، وعموده الفقري، وذراعه وخصيته ورجله وهو الرقيق النفس، الرهيف المشاعر، فكان صابراً محتسباً، وهو شاعر رقيق، باسم الوجه، مرح الروح، وذلك رغم ما يعانيه من آلام خلَّفتها على جسده الأيدي الآثمة من زبانية السلطة الظالمة.

أطلق عليه إخوانه لقب "حسّان الدعوة" لأنه من أدق من وصف الدعوة في مراحلها المتنوعة شعراً، خاصة وصفه مرحلة السجن والتعذيب أيام الطاغية عبد الناصر ، ولقد كُتبتْ عنه وعن حياته وشعره، رسائل جامعية، منها رسالة للباحث عبد الباسط مصطفى في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر سنة 1988 م.

وعندما دخلت الجماعة في محنة عام 1954 م كان جمال فوزي أحد من ابتلى بها وقضى في السجن فترة حتى خرج غير أنه سرعان ما سيق مرة أخرى على غياهب السجون في أغسطس 1965 م وكانت المحنة الأشد ضراوة، ويصفها بقوله: «دخلنا مبنى ضخما وألقى بي أحدهم في إحدى حجراته بعد أن طفنا وسط ممرات كثيرة وبعد فترة وجيزة صاح صوت من خلال مكبر صوت : أنت بالمخابرات العامة .. إما الاعتراف .. وإما الموت .. وبالطبع تبينت حقيقة المكان .. ولكن عن أي شيء أعترف ؟

ولم يطل بي تفكيري إذ دخل على زبانية المخابرات العامة ليوقعوا بالجسد المشلول المزيد من العذاب .. علقوني من ذراعي إلي أعلى وربطوها في حبال فصار جسدي معلقا ومتدليا ثم ربطوا قدميّ في اتجاهين مختلفين ثم بدأت عملية ‏الفسخ ‏بشعة .. رهيبة .. قاسية .. صرت أتمزق وأحسست آلاما فوق الآلام .. فوق طاقة البشر من صنع أناس ليسوا من البشر ..

وجرب القوم معي في المخابرات شتى صنوف التعذيب .. وضعو فوقى ما يشبه الكرسي وربطت من يدي ووسطي ثم أخذ الجهاز يدور ‏بي بسرعة مجنونة ثم يتوقف عن الدوران فجأة لتبدأ عملية المساومة ويمنحني الله قدرة على الاحتمال فأواجه المساومة بالصمت فيدار الجهاز من جديد حتى أجد نفسي مشرفا على الموت ..

ونزعوني من فوق الجهاز ثم قذفوا بي على الأرض ثم رفعوني ثانية وقذفوا بي وهكذا مع الركل بالأقدام وتهشيم جسدي بالعصي واللكمات والقيد في يدي من الخلف وعيناي معصوبتان وأحس بحارا ‏من الدم تغمر بقية ملابسي .. أمروني بالوقوف فما استطعت فقد ماتت فيّ الحركة وجاء صوت قبيح كريه تحس في نبراته غلظة وحش كاسر يقول: ضعوا ‏له الخابو..وشعرت ببقايا ملابس الممزقة تنزع وبجسم مدبب صلب يخزونني به ..

وشعرت بالتمزق .. وكان آخر ما أذكره صيحة مدوية أفلتت منى رغم تهافتي.. ثم رحت في غيبوبة تامة .. ‏وأفقت .. فوجدت نفسي في سيارة تنهب بنا الطريق وأحد الضباط يوقظني.. نزع الطاقية من فوق عيني فصرت أرى ويا لهول ما رأيت .. الدماء تسيل منى في نزيف خطير وكانت بالضابط إنسانية أو ربما كانت حالتي من السوء حتى حركت في نفسه مواطن العطف والرحمة حاول أن يعطيني جرعة ماء ..

ولم تكن بي حاجة إلى الماء فقد غمرتني الآلام وكنت أشعر لهيب نار من آثار جريمة المخابرات العامة لم تكن مياه الدنيا بأسرها لتطفئها» غير أنه صبر وتحملها حتى فرج الله كربه بموت عبد الناصر والتي بعدها أفرج السادات عن كل الإخوان غير أنه لم يكن أفضل من سابقيه ففي محنة سبتمبر 1981 منذ ساقه السادات مع كثير من الإخوان ومثقفي مصر إلى السجون مرة أخرى ولم يخرج منها إلا بعد وفاة السادات وتولى مبارك الحكم.

ومن أقواله

"إلى أرواح الشهداء الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله..

إلى أولئك الذين عمَّقوا القرآن في قلوبهم، لتقوم دولة الإسلام على أرضهم..

إلى أولئك الذين ضمتهم سجون الطغاة، فما زادتهم إلا صقلاً وثباتاً وتمحيصاً..

إلى هؤلاء جميعاً أقدم أشعاري، تصويراً صادقاً لأحداث جسام صاغت جنوداً للحق، يضعون أرواحهم على أكفهم فداء لدعوة الحق.

قالوا عنه

يقول الأستاذ فرج النجار:

تعرفت عليه سنة 1940 وطوال هذه المدة وأنا أرى في لقاءه الغذاء الروحي كما أرى في لقائه جذوة الحماس تشتعل ولا تنطفئ والحق يقال أنه كان فريدًا من نوعه في الحماسة والإخلاص والولاء التام لدعوة الإخوان المسلمين.

وقال الأستاذ عبد الله الطنطاوي:

لله درّ دعوة الإخوان.. دعوة الرجل الرباني الذي لم تنجب الأمة الإسلامية مثله منذ بضعة قرون.. الإمام الشهيد حسن البنا، رضي الله عنه وأرضاه، فقد صنعت هذه الدعوة رجالاً، واكتشفت معادن رجال ما كانوا ليُعرفوا، لولا هذه الدعوة الراشدة المباركة.. من هؤلاء الرجال: الشاعر الداعية جمال فوزي ، عامل البريد، الذي عرف حقيقة هذه الدعوة، فالتصق بها، وكان من خيرة أبنائها، وعياً، وإخلاصاً، وحركة، وتضحية.. وعرفت الدعوة كنه هذا الرجل الذي قد يزدريه "الخواص" في ثيابه، وفي المكان الذي يحتلّه في السلّم الاجتماعي، موظفاً بسيطاً، يتقاضى بضعة جنيهات كل شهر.. عرفته الدعوة، وكشفت عن مخبوءات رجل أين منه الرجال.. رجل تجاوز بعطاءاته من يحسبهم الناس كباراً.
فجّرت نفسه المتواضعة، مكوّنات العبقرية والعظمة الخاشعتين لله الواحد الأحد، الشامختين على الحطام والطواغيت والمال والجاه، وكل ما يقتتل من أجله أكثر الناس.

وقال عنه الأستاذ عمر التلمساني :

أنت ثائر على الظلم إذا استعرضته معك..وأنت أسوان مع الحزانى إذا مرَّ بهم أمام خاطرك..وأنت غاضب على الظلم، كاره له إذا شاهدت من خلال الشعر أيديهم تعلو باللهب، وتنزل محترقة.أنت معه في كل ما أراد منك أن تكون معه فيه، وهذا هو الصدق في القول".

المستشار عبد الله العقيل يتحدث

عرفته حين حضرت إلى محاكمة الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب سنة 1951 م برفقة أستاذنا أبي الحسن علي الحسني الندوي الذي كان يزور مصر آنذاك، وكنت وإخواني نرافقه في الكثير من زياراته ومحاضراته ومقابلاته، ومنها هذه المحاكمة التي كان من أبرع المحامين فيها، الشابُّ سعيد رمضان.

فرأيت الأخ جمال فوزي وإخوانه في قفص الاتهام، وكان شاباً وسيماً يعتمر الطربوش، يقف بشموخ وعزة نفس ورباطة جأش، واثقاً بعدالة قضيته. وكنت قد رأيته قبل ذلك سنة 1949 م حين زرت السجن مع الشيخ مناع القطان أول قدومي لمصر للدراسات الجامعية، حيث كان سجناء الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب يقبعون في السجون، في انتظار المحاكمات، لقاء جهادهم في فلسطين، ومقاومتهم للاستعمار والمستعمرين وأذنابهم.

وقد تكررت لقاءاتي به في القاهرة وغيرها أثناء الرحلات والكتائب والمخيمات، ثم كانت المحنة سنة 1954 م التي غيَّبت معظم الإخوان في سجون الطاغية عبد الناصر، وكنت تخرجت وغادرت مصر، ولم ألقه إلا في سنة 1976 م في التوفيقية في مكتب المرشد العام الثالث عمر التلمساني ، وفي منزله، حيث سعدت به كثيراً في كل زياراتي، ورأيت فيه الرجولة والصلابة بكل معانيها في مواجهة الطغيان، والشفافية والرقة والحب والحنان في معاملة إخوانه، وعلاقته بالناس جميعاً، والأدب الجمّ، والتواضع، والطاعة، والامتثال لقيادة الجماعة، وبخاصة الأستاذ عمر التلمساني ، الذي كان يحبه ويقرّبه منه.

وكنت ألحظ ما يعانيه من آلام خلّفتها أيام التعذيب في السجون، فكان يصلي على الكرسي، ولا يستطيع الانحناء أو الركوع والسجود، ورغم ذلك، كان يمارس عمله الدعوي، ونشاطه الحركي، ودروسه وأحاديثه في تجمعات الإخوان وحلقاتهم بكل نشاط وحيوية، وكنت أرى احتفاء الإخوان به، خاصة الأخ جابر رزق الذي يذكر الكثير من مواقفه وثباته في المحن المتتابعة على الحركة الإسلامية المعاصرة.

ولقد سعدت وإخواني بقصائده التي نشر معظمها في ديوانه: "الصبر والثبات"، و"الصبر والجهاد"، ولقد سبق أن قمت باختيار بعضها ونشرها في مجلة المجتمع الكويتية الغرّاء.

كما قام الأخ الأستاذ حسني أدهم جرار، والأخ الأستاذ أحمد الجدع بنشرهما فيما أصدراه من كتب ودواوين وأناشيد.

رحيله

انتقل إلى رحمة الله تعالى في الرابع من مارس سنة 1986 م، الموافق 22 جمادى آخر 1406 هجريا حيث شيعه إخوانه في موكب مهيب.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  1. قصيدة قطتي لجمال فوزي- شعراء الدعوة- الجزء الأول- ص 106.
  2. عبدالقادر عبار: في مرآة الشعر الإسلامي المعاصر.
  3. أحمد عادل كمال: النقط فوق الحروف، الزهراء للإعلام العربي.
  4. عبد الله العقيل: أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
  5. حوار مع الأستاذ فرج النجار لموقعي إخوان أون لاين، ومن تراث الإخوان المسلمين.
  6. موقع المستشار عبد الله العقيل

للمزيد عن نظرة الإخوان إلى الفنون

.