إلى الرئيس مرسي .. أما هذه فلا - سعيد الحاج

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إلى الرئيس مرسي .. أما هذه فلا - سعيد الحاج


هل أنت من هؤلاء الذين يخاطرون يوميًا بنشر ما يعتقدون على مواقع التواصل الاجتماعي؟
هل أنت ممن عاني من تكدير سلامه النفسي بعد مناقشة ما مع هؤلاء الذين يعرفون كل شيء؟

لو كانت إجابتك بنعم، فأهلًا بك ,,

تستطيع أن تستقبل إشاراتي على الموجة ذاتها ..!!

يا صديقي كان يجب عليك أن تمشي حذو الحائط جيدًا، وأن تراقب وقع أقدامك بدقة حينما تعبر عن رأيك في مكانٍ يستطع آدميٌ آخرٌ يحمل الجنسية المصرية أن يراه أو يقرأه أو يشعر به حتى..

في مصر فقط -قبل أن تبدي رأيك- عليك أن تحدد موقعك بدقة إحداثيات هبوط مكوك على سطح القمر، وربما تحتاج حتى لمساعدة لوجيستية من وكالة ناسا، هذا فقط إذا كنت لا تريد أن تنال قدرًا لا بأس به من الاتهامات المجمدة نصف المستوية، وستكون لائقة عليك تمامًا حينها كسروالك الذي ترتديه بأريحية الآن.

أنت إخواني متخفي بالتأكيد حينما تمدح (الرئيس/الوزارة/المرشد) لأي شيء يفعله، قبل أن تنكر وتشجب وتنفي عليك أن تحذر، هم يعرفون كل شيء عنك تقريبًا، يعرفون حتى ما لا تعرفه أنت عن نفسك ...!! ثم ما أدراك أنت؟

هم يعرفون أكثر بالتأكيد.

ستصيح بكل قوتك محاولًا نفي تلك اللاتهمة عنك، وربما أقسمت حتى لهم، لكنهم سيبتسمون حينها بثقةٍ زائدةٍ لأنهم يعرفون أنكم جميعًا تفعلون ذلك، سيؤكد أحدهم من خلف كيبورده المنزلي أن ذلك تكرر معه عشرات المرات ودائمًا ما يكون محقًا، وأنه يعرف أنك إخوان كما يعرف أنه لم يدفع ثمن إيجار وصلة الإنترنت المنزلية منذ شهرين، نحن الآن مهددون بفقد القدرة على مطالعة آرائه السديدة عن كل شيء، ولا تنس يا صديقي "إنه يعرف أكثر".

ثم أنت نفسك أيضًا علماني شديد الليبرالية حينما تنتقد أيًا من هؤلاء الذين يلبسون جلبابًا أبيضًا أو لهم لحية أو ممن يقدم على اسمه لقب "شيخ" أو يذيله ب"إسلامي" في مختلف المناسبات، أنت أقل من أن تتحدث عن مسمومي اللحوم المعصومين من الخطأ، كم أنت قليل العلم والأدب معًا، عليك أن تجثو بركبتيك أمام حلقاتهم التلفزيونية وتدون كلّ شيءٍ بانتباه، هم الحق المطلق، هم يعرفون أكثر، هم يأخذوك مباشرةً إلى الجنة.

وماذا أيضًا ...!!

آه ,, قد تصبح فلول أحيانًا أو عابث مستهتر بمقدرات البلد أو طرف ثالث أو مندس أو متشدد متطرف وهابي أو بلطجي أو أو .. الخ

لا تبتئس فالتغيير مطلوب ويمنع سأم الحياة المعتاد.

تقول حكمة من كتاب "بيكاسو وستاربكس" لياسر حارب الذي لا أعرفه بالمناسبة : (الأشخاص العظام يناقشون الأفكار ، والأشخاص العاديون يناقشون الأشياء ، أما الأشخاص الصغار فإنهم يناقشون الأشخاص) .

تلك هي إذًا المشكلة، حينما أطرح فكرة عامة فهذا لا يعني أنها أصبحت ضمن مسلمات القرن الواحد العشرين فور نشرها، ولكن تعني أن هذا ما اعتقده الآن بناءًا على مجموعة من المدخلات الثقافية والمعرفية لدي، قد تختلف مع ما تعتقده أنت، لا مانع من هذا إطلاقًا، ولكن قم بما ينبغي حينها، تصرف على الأساس نفسه، قم بتحليل النتائج بناءًا على المدخلات المعرفية المتوافرة لديك أنت، والتي أفرزت ما بجعبتك من أفكار والتي تنافي في الوقت ذاته كل ما قلته أنا أو جزءًا منه، ولكن ليس لك دخل بتحليل شخصيتي أنا يا عم الحاج.

إن المسألة ككل يجب أن تتم وفقًا لما تتطلبه ساحة تبادل الأفكار بقوانينها وقواعدها البسيطة والمعروفة، لن أصادر حقك الطبيعي في نشر أفكارك المخالفة، ولا تصادر أنت حقي أيضًا، عندما تدور عجلة النقاش والتجاوب المعرفي فإنها تعمل على بلورة عقولنا بشكلٍ يسمح بتلافي أخطائنا بشكلٍ تدريجي وتلقائي، ويساعد دوران العجلة بالضرورة على اتساع حدودنا الثقافية وارتفاع أفقنا المعرفي أيضًا، لذا دعها تدر يا صديقي في اتجاهها الصحيح.

يا صديقي، تخلص من حالة التصنيف المقيتة، وابدأ جديًا في مناقشة الكلمات لا الأشخاص، وحارب الفكرة بالفكرة، واضرب الرأي بالرأي، وبادل المعلومة بالمعلومة، لا تنجرف خلف مشاعرك وحكم عقلك فإنه أولى بك، وهو أولى بك.

عندما نشرت بعض وسائل الإعلام رسالة مفترضة من الرئيس المصري محمد مرسي إلى الرئيس الصهيوني بيريز متضمنة خطاب تعيين السفير الجديد، كنا ممن سارعوا إلى نفي الأمر واعتباره من الأخبار المفبركة.

إذ رغم توقعنا لاستمرار العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني بمستوى معين ولفترة من الوقت، إلا أننا لم نكن نعتقد أن اللغة الدبلوماسية لمصر بعد الثورة ستبقى كما كانت أيام مبارك.

منذ بداياته الأولى، قابلت الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص الربيعَ العربي بالبشرى والسعادة والتهليل، وأعربت غيرَ مرة عن تفاؤلها بمائلات الأمور في دول الثورات العربية.

في أحداث كثيرة اختبر صبر هذه الشعوب والشعب الفلسطيني تحديداً، وقد كان صبوراً حتى عندما تعرض لحملة تشويه شعواء وأغلق المعبر عليه وقصفت أنفاقه في غزة.

إن سقوط الأنظمة الدكتاتورية الممالئة للولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال وتسلم قوى وأحزاب وطنية (وفي مقدمتها الإسلامية) زمام الأمور أعطى الجماهير جرعة كبيرة من التفاؤل ساعدها على تمرير الكثير مما لا تحب، وجعلها مستعدة "لفترة انتقالية" في السياسات الخارجية تحديداً، لحين تمكن قوى الثورة من حكم بلادها، في ظل تربص الغرب وتآمر "الفلول".

لم يطالب أحد مصر بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد فوراً، ولم يلح عليها أحد لتدخل حرباً مع دولة الكيان، ولم يعترض الكثيرون على استخدام نفس العبارات والتزام الكثير من السياسات التي كان ينتهجها النظام السابق.

حتى قضية إرسال سفير جديد إلى هناك ما كانت لتواجَهَ بكل هذا الاعتراض والتحفظ والنقد لولا العبارات التي رافقت خطاب التعيين.

إذ ما كان لنا أن نتخيل أن يرسل الرئيس محمد مرسي، الرئيس الأول بعد الثورة والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم والعضو السابق في لجنة مقاومة الصهيونية، خطاباً إلى "نظيره الإسرائيلي" يتضمن عبارات مثل "عزيزي وصديقي العظيم" وموقعاً بعبارة "صديقك الوفي".

ليس الأمر تعلقاً بالشكل ولا حباً بالمزايدات، ولن ننساق طبعاً وراء حملة تشهير وتشويش بالرئيس وبلده، كما أراد من سرَّب نص الخطاب (أول من سربه صحيفة صهيونية ثم تلقفته الكثير من وسائل الإعلام العربية).

لكن تبرير المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن نص الخطاب بروتوكولي وموحد لجميع الدول غير مقبول أبداًُ.

فلا الثورة المصرية مضطرة إلى أو مطالبة بالمشي فوق آثار أقدام النظام القديم، ولا دولة الكيان ستعلن حرباً على مصر لو وصلها خطاب فيه "برودة" سياسية وفق مقتضى الحال، ولا نتوقع أن يجنب هذا الخطابُ الحميمُ مصر تآمر الولايات المتحدة والصهاينة على مصر ودورها.

إنَّ تفهمنا لطبيعة المرحلة وتقبلنا للتدرج في السياسات الخارجية وعدم مناداتنا باعتساف الزمن وحرق المراحل حرصاً على التجارب الناشئة لا يجب أن يجعلنا نقبل مثل هذه الأخطاء، أو – مثلاً - توجه المجلس التأسيسي التونسي لعدم إقرار تجريم التطبيع مع دولة الكيان.

إن أشدَّ ما تحتاجه دول الثورات العربية (الربيع العربي إن شئت) هو النقد البناء وتصحيح المسار بشكل مستمر، حتى يجد القائمون عليها زخماً شعبياً يتسلحون به لدى كل قرار "صعب"، وحتى لا نفجع بمواقف أو سياسات أكبر وأخطر من الكلام البروتوكولي مستقبلاً.

اسطنبول – تركيا

19.10.2012

المصدر